منطق الحرب الذي قاد السودان إلى الهاوية
لم يعش السودان، رغم تنوعه وثرواته الهائلة، لحظة استقرار حقيقية منذ عقود، فالتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة لا وطناً، ظل القاعدة غير المعلنة التي تحكم سلوك النخب العسكرية والسياسية المتعاقبة. ويبرز هذا المنطق بوضوح في تجربة عبدالفتاح البرهان، الذي وجد نفسه في قلب التحولات التي أعقبت الثورة الشعبية عام 2019، لكنه اختار أن يتعامل معها بعقلية تقاسم النفوذ، لا بروح الاستجابة لمطالب شعب طال انتظاره للحرية والكرامة والعدالة.
وفي كل مرة يظن فيها السودانيون أنهم اقتربوا من لحظة الانفراج، تعود دوامة الأحداث لتبتلع آمالهم من جديد. ليس لأن السودان بلد عصي على الإصلاح، ولا لأن شعبه غير مؤهل للديمقراطية، كما يحلو للبعض الادّعاء، بل لأن من حكم البلاد على مدى عقود طويلة تعامل معها بمنطق الغنيمة والغلبة، لا بمنطق الدولة والوطن. ومن بين أبرز تجليات هذا المنطق ما جسّده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي وجد نفسه بعد الثورة في موقع يمنحه فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة، لكنه اختار أن يتعامل مع الثورة باعتبارها فرصة لتأمين النفوذ واستمرار امتيازات السلطة.
حين اندلعت الثورة التي أطاحت بعمر البشير، خرج السودانيون إلى الشوارع مطالبين بدولة مدنية تُنهي سنوات القمع والفساد والحرب. لكن البرهان، الذي ورث جزءاً من بنية النظام السابق وتركيبته الإدارية والأمنية، تعامل مع لحظة الثورة بعقلية الحاكم الذي يفضّل إعادة تدوير السلطة على إعادتها للشعب. فبدل أن تكون المرحلة الانتقالية جسراً نحو التغيير، تحوّلت إلى مساحة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، وإعادة إنتاج العلاقة بين السلطة والدولة على أساس الهيمنة لا المشاركة.
وتجلى منطق الغنيمة بأوضح صوره في الانقلاب على الحكومة المدنية بقيادة عبدالله حمدوك. كان ذلك الانقلاب لحظة مفصلية في مسار الانهيار؛ فمن خلاله أطاح البرهان بالشريك المدني الوحيد الذي كان يمثل صمام أمان يمنع عودة البلاد إلى مربع الحكم العسكري المطلق. لم يكن ما فعله مجرد خطوة سياسية، بل كان إعلاناً صريحاً بأن المؤسسة العسكرية لا تنوي التخلي عن السلطة، وأن الثورة لن تكون سوى مرحلة مؤقتة تُستخدم لالتقاط الأنفاس.
الانقلاب على المدنيين لم يفتح فقط باب الصراع السياسي، بل أعاد الحركة الإسلامية – التي شكلت العمود الفقري لنظام البشير طيلة ثلاثة عقود – إلى المشهد من بوابة الفراغ السياسي الذي خلّفه تغييب القوى المدنية. كانت الحركة الإسلامية قد مرّت بمرحلة انكفاء بعد سقوط نظامها، لكنها لم تكن حالة موت سياسي. على العكس، استغلت فترة الانسحاب الظاهري لإعادة ترتيب صفوفها بهدوء، مستندة إلى حاضنة اجتماعية واسعة ساهمت في صناعتها لسنوات.
هذا الانكفاء لم يكن مجانياً. اعتمدت الحركة الإسلامية على المساجد، والعمل الدعوي، والأنشطة الخيرية لاستعادة التعاطف الشعبي، خصوصاً داخل الفئات الفقيرة التي عانت من تدهور الأوضاع الاقتصادية. ومع غياب شريك مدني قوي قادر على ضبط إيقاع المرحلة الانتقالية، ومع عجز البرهان عن بناء شرعية حقيقية، استطاعت الحركة أن تعود تدريجياً إلى المشهد، مستفيدة من الفوضى التي خلقها الانقلاب.
لم يكن البرهان مضطراً لاختيار الحرب، وكان أمامه عشرات المبادرات للحوار والحل السياسي، لكنه فضّل لغة القوة، مراهناً على أن الحسم العسكري سيعيد ترتيب المشهد بما يضمن بقاءه في السلطة. هذا العناد، الذي لم يستند إلى رؤية استراتيجية بقدر ما استند إلى منطق المكابرة والمصالح، فتح الباب أمام حرب هي الأكثر دموية في تاريخ السودان الحديث.
الصراع الذي انفجر بين الجيش وقوات الدعم السريع لم يكن مجرد معركة على الأرض، بل كان نتاجاً مباشراً لغياب مشروع وطني جامع. ومع تمسك البرهان برفض الحلول السلمية، دخلت البلاد في دوامة نقلت المواجهة من مؤسسات الدولة إلى قلب المدن والأحياء، حيث أصبح المدنيون وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
ولا يبدو أن هذه الحرب ستنتهي بنصر طرف على آخر. كلا الجانبين منهك، وكلاهما يفتقر إلى القدرة على الحسم العسكري، فيما تتوسع رقعة الدمار، وتنهار مؤسسات الدولة، وتتعمق المأساة الإنسانية. وفي كل هذا الخراب، يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر: نزوح جماعي، مجاعات، انهيار خدمات أساسية، وضياع أجيال كاملة من الشباب.
لم يعرف السودانيون السكينة منذ زمن بعيد، فمنذ عهد البشير، مرورا بالمرحلة الانتقالية، وصولاً إلى حكم البرهان، ظلّ التعامل مع السلطة قائماً على منطق السيطرة والغنيمة. لم يكن الوطن هو الهدف، ولا التنمية هي الغاية، بل كان كل طرف يسعى لتأمين مواقعه ومكاسبه في دولة ممزقة، دون اعتبار لعمق الشرخ الذي يتسع يوماً بعد يوم.
المفارقة المؤلمة أن السودان ليس دولة فقيرة بالمعنى الحقيقي، فهو غني بموارده الطبيعية، وبأراضيه الزراعية، وبمياهه، وبتنوعه الثقافي والاجتماعي. لكن هذا التنوع نفسه أصبح ضحية لسياسات السلطة، التي حولت الاختلاف إلى فرصة لتقسيم النفوذ، وحولت الثروات إلى غنيمة يتقاسمها المتصارعون.
إنّ منطق الغنيمة الذي حكم السودان لعقود هو السبب الحقيقي وراء هذه الحرب، وهو الذي يمنع بناء دولة مستقرة، فلا دولة تُبنى بالعسكرة، ولا شعب يمكن أن يجد كرامته في ظل صراع على النفوذ. وما لم تتغير هذه القاعدة، فإن السودان سيظل يدور في حلقة مفرغة من العنف والانقسامات.
مستقبل السودان لن يُكتب إلا لحظة يتوقف منطق الغنيمة، ويبدأ منطق الدولة. وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستعادة دور المدنيين، والاعتراف بأن الجيش ليس مؤسسة للحكم بل مؤسسة لحماية الوطن. كما يتطلب محاسبة من فشلوا في إدارة المرحلة الانتقالية، ومن اختاروا الحرب على الحوار، ومن جعلوا الشعب وقوداً لصراع السلطة.
السودان لا يحتاج معجزة، بل يحتاج فقط إلى سلطة تعتبره وطناً لا غنيمة وعندها فقط يمكن أن يبدأ طريق الإنقاذ، ويستعيد هذا البلد العريق مكانته الطبيعية كأرض للتنوع والتعايش والازدهار، لا ساحة للحرب والدمار.