من أين يبدأ الدكتور حيدر العبادي

لا زالت داعش تحتل ما لا يقل عن 20% من مساحة العراق، ولا زالت الأوضاع الأمنية سيئة بشكل كبير في أغلب مناطق العراق ولاسيما العاصمة بغداد، فضلاً عن أمور أخرى كالفساد وقلة الموارد وسوء البنى التحتية وغيرها من الأمور مما يجعل إمكانية قيام الشركات العالمية بالقدوم إلى العراق وإدخال ألأموال للاستثمار في أي قطاع من القطاعات عملية صعبة جدا. ولكنها عملية ليست مستحيلة، وبالذات إذا ما اتخذت ألإجراءات الصحيحة والمدروسة لتلافي العناصر السلبية.

في نهاية عام 2011 وبداية عام 2012 عندما كنت وزيراً للإتصالات جاءني مدير عام شركة الإنترنت المهندس مجيد حميد مقترحاً علي فكرة إنشاء مشروع "القرية الذكية" ذات التقنية العالية مثل القرية الذكية في مصر. فتناقشنا بالأمر وبلورنا المشروع لما يمكن أن يخدم الأوضاع في العراق ويوفر ألأرضية اللازمة لتوفير بيئة آمنة وبنى تحتية متطورة في مدينة بغداد لجلب المستثمرين من البلدان العربية وغير العربية لإيجاد موطئ قدم لهم داخل العراق والتفكير الجدي للاستثمار داخل البلد في مختلف القطاعات.

إستناداً إلى ذلك تحدثت مع رئيس الوزراء السيد نوري المالكي وسألته: ما هو فاعل بمعسكر فيكتوري الذي يقع في منطقة القصور الرئاسية للنظام البائد قرب المطار بعد خروج القوات الأميركية في نهاية عام 2011؟ فأجابني: لم نفكر بذلك. فاقترحت عليه إنشاء مدينة متطورة مع بنى تحتية ذات كفاءة عالية جداً كما هو الحال في الكثير من المدن الذكية في العالم. وتزود هذه المدينة بفنادق عالمية وأبنية بمواصفات عالية للمكاتب وشقق سكنية وفعاليات ترفيهية من مطاعم ومقاهي ومدينة العاب ونوادي رياضية ومولات للتسوق ومعارض تجارية ومصارف ومدينة إعلامية وغيرها من الفعاليات، كما توزع ألأراضي بإيجارات رمزية للشركات النفطية العالمية الكبرى العاملة في العراق لبناء مراكز تلك الشركات في هذه المدينة عوضاً عن مراكزهم الحالية في الإمارات وفي الكويت فضلاً عن الشركات الأمنية والمؤسسات الإعلامية والشركات العالمية المرتبطة بفعاليات المطار وخطوط الطيران، وإنه في حالة بناء هذه المدينة فسيقبل المئات من المستثمرين العالميين الذين يخشون من ألأوضاع الأمنية السيئة في العراق وفي بغداد، حيث ستكون هذه المدينة ملاصقة للمطار فلا يحتاج المسافر إلى سيارات مصفحة وحمايات مكلفة، كما يمكن تقسيم هذه المدينة إلى ثلاثة أقسام، قسم ذو درجة أمان عالية لا يسمح الدخول به إلا بموافقة خاصة وهو القسم الذي به مراكز الشركات والفنادق ومراكز البيانات والشقق السكنية، وقسم بدرجة متوسطة كالمعارض التجارية والمولات الخاصة والنوادي الرياضية الخاصة والعيادات الطبية وغيرها، وقسم يسمح فيه لجميع المواطنين بدخوله كمدينة الألعاب والمولات العامة والمطاعم والفنادق السياحية والنوادي الرياضية العامة، ولكن لا يسمح بدخول السيارات إلى هذه المدينة بأقسامها الثلاث، بل هي مزودة بوسائط نقل عامة تعمل بدرجة عالية من الكفاءة من قطارات وسيارات خاصة بهذه المدينة، ويترك المواطنون سياراتهم في مواقف مخصصة خارج المدينة، كما يستفاد من القصور الرئاسية والمسطحات المائية لتوفير فعاليات ترفيهية مائية مختلفة ولتوفير المطاعم والنوادي الرياضية للمواطنين وقاعات الإجتماعات وغيرها. وقلت له لا تحتاج الدولة أن تصرف دولاراً واحداً، بل يمكننا جلب المستثمرين لإنشاء كل تلك المنشآت، والتي تغطى من أجور الفعاليات المذكورة. فوافقني المالكي بشكل كامل وطلب مني التواصل مع الدكتور سامي الأعرجي رئيس هيئة الاستثمار للمضي بهذا المشروع. فتجاوب الدكتور سامي الأعرجي مشكوراً تجاوباً كاملاً معي بشأن هذا المشروع.

قمت بالطلب من المكتب الهندسي في وزارة الإتصالات بعمل التصاميم الأولية للمدينة وللأبنية، فتولى المهندسَان المتميزان عبدالهادي حمود وأنس عقيل طالب بعمل تصاميم ومخططات ودراسة ميدانية إعتماداً على المدن العالمية الذكية المماثلة كسيليكون فالي في الولايات المتحدة والمدينة الذكية في كوريا الجنوبية والقرية الذكية في مصر وغيرها وقاموا بوضع التصاميم الأولية لهذه المدينة، وتم الإتصال بعدة جهات إستشارية لكوريا الجنوبية أهمها أل جي سي ان أس(LG cns) فضلاً عن جهات إستشارية عالمية أخرى، كما تم مناقشة الموضوع في إجتماعات الورشة الثالثة لمجموعة العمل حول المناطق الإستثمارية الآمنة في العراق في بيروت إستناداً إلى الدعوة الموجهة من منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية إلى وزارة الإتصالات فتم مشاركة المشرفين على المشروع من الوزارة فضلاً عن الدكتور سامي الأعرجي والدكتور فاضل عبدالحسين من هيئة الإستثمار وممثلين عن نائب رئيس الوزراء الدكتور روز نوري شاويس ووزارتي المالية والتخطيط كما تم حضور ممثل عن الحكومة اللبنانية وعدد من الخبراء والمستشارين العالميين لمناقشة تفاصيل هذه المدينة الذكية في العراق للفترة 18-23/6/2012 حيث كان هناك إهتمام عالمي كبير بهذه الخطوة الكبيرة التي إتخذها العراق لإنشاء مثل تلك المرافق ذات التقنية العالية والأمان العالي مما سيفتح الباب على مصراعيه لجذب المستثمرين الذين يحلمون بوجود مثل تلك المدينة ليتمكنوا من الحضور والإقامة في بغداد بأمان كامل ومدينة متطورة مما سيوفر المجال لإيجاد بيئة صحية للاستثمار وتحقيق نهضة اقتصادية كبيرة، وقد قدمت دراسة كاملة بهذا الشأن من قبل الجهات المذكورة أعلاه من خلال ورشة العمل الآنفة الذكر، ويمكن الإطلاع عليها من خلال الرابط.

وهنا أريد أن أكشف سراً للمواطن الشريف فمن حقه أن يعرف كيف كانت تدار الدولة. للأسف كان هناك أخطبوطً يمثل أعلى درجات التخلف والجهل والفساد معششاً في مراكز القرار في ذلك الوقت لا يلائمه أن يتحقق أي إنجاز على مستوى البلد ما لم ينل حصته من العمولات والسرقات فضلاً عن إمكانية ربط إسم محمد علاوي بهذا المشروع الريادي والكبير لتطوير البلد. فإستلمت للأسف الشديد رسالة من الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتوقيع السيد علي العلاق بكذبة كبيرة يطلبون مني أن أوقف المشروع لأنهم أتخذوا قراراً لتحويل هذه المنطقة إلى منطقة سياحية. ولا أريد أن أوجه التهمة للسيد علي العلاق وإن كان الكتاب بتوقيعه لأني لا أمتلك دليلاً يقينياً أن ألقرار هو قراره، كما لا أوجه التهمة إلى أي شخص بشكل محدد. ولكن يقيناً إن صاحب هذا القرار أو أصحاب هذا القرار هم ضمن دائرة مجلس الوزراء والأمانة العامة، ولكني لا أمتلك دليلاً يقينياً بحق شخص معين.

أسمي هذه الرسالة بكذبة كبيرة لسببين. الأول، إنه لا يعقل أن هناك إنسان قد فقد عقله ليأتي من خارج العراق للسياحة في بغداد قرب المطار، أما إذا كانت سياحة داخلية فهي كانت بالأصل موجودة في مشروع المدينة الذكية. والثاني، لأنه لم تتخذ أي خطوة بإتجاه إنشاء مدينة سياحية، ولو إفترضنا أنهم لم يكذبوا وكانوا حقاً ينوون إنشاء مدينة سياحية فقط في هذا الموقع، فذلك يمثل أعلى درجات التخلف والجهل!

لم يكتفوا بذلك العمل ولكنهم وجدوا أن مدير عام شركة الإنترنت قد لعب دوراً مميزاً في كثير من المشاريع الريادية التي تبنيتها، لذلك أرسلوا لي رسالةً طلبوا نقله إلى وزارة الإسكان وتنزيل درجته الوظيفية، فرفضت الإستجابة للطلب، فجاءتني أكثر من عشر رسائل خلال بضعة أشهر تأكيداً على هذا الطلب وبأمر رئيس الوزراء المالكي، فرفضت الإستجابة مع علمي إنه من الناحية القانونية أن قرار رئيس مجلس الوزراء هو فوق قرار الوزير، ولكن من الناحية المنطقية وجدت أن قرارهم هو لتخريب البلد، وقراراتي هي لبناء البلد، ولكن في النهاية جاءني المدير العام خائفاً من تداعيات عدم نقله فقد وصلته تهديدات مبطنة، وقال لي إن إستطعت أن تقف أنت بوجههم فإني لا أستطيع ذلك، فوافقت على نقله إلى وزارة الإسكان، ولكنهم نفذوا تهديدهم، فطالبوه بإرجاع معاشاته، وتم توقيفه لفترة حوالي الشهرين، ولكن في النهاية ولله الحمد قال القضاء كلمته الفصل في براءته وإستحقاقه لمعاشه وأيقاف الطلب بإرجاع معاشاته السابقة، (ولكن من يعوضه عن الشهرين التي قضاهما ظلماً في الإعتقال). لم أكتب هذا الموضوع بهدف ذكر تلك الحادثة، ولكنها تداعيات أحداث سابقة سطرتها يدي من دون تخطيط، فلم أحذفها لأن المواطن من حقه أن يعرف كيف كانت تسيير الأمور من قبل الفئة الحاكمة.

نرجع مرة أخرى إلى موضوعنا والدكتور حيدر العبادي، حيث أن جميع المخططات لهذا المشروع موجودة، والتصاميم ألأولية لا زالت موجودة في وزارة الإتصالات، وأسماء من عمل بهذا المشروع قد ذكرتها أعلاه، وتقرير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية بشأن هذه المدينة الذكية موجود، وإني أأمل من الأخ الدكتور حيدر العبادي أن يتبنى مرة أخرى هذا المشروع إن كانت له نية صادقة في إعمار البلد وتطويره وجلب الإستثمارات الخارجية. فموارد النفط لا تكفي لسد الحاجات الضرورية من معاشات وكلف الحرب مع داعش، ولا يمكن أن يأتي المستثمرون من دون وجود أمن وتوفر البنى التحتية الضرورية، وإني أعتقد بصلاح الأخ حيدر العبادي وسلامة نيته وإني أقدر الخطوات التي إتخذها لمقارعة الفساد ولكن لا يمكن إصلاح الوضع إلا بتطهير الدائرة القريبة منه من المفسدين مع وجوب القضاء على إخطبوط الفساد والجهل والتخلف.