من التشريع إلى القانون

سامي الرياحي في كتابه "العرف والشريعة": تحدي المسلمين الآن الانتقال بالتشريع الإسلامي للاعتماد على القانون.


وراثة التصور المثالي والسحري قد يكون لعصر الشريعة الخالي، باعتباره عصراً مثاليّاً لم يعرف الاضطراب ولا التوتّر ولا دمار الطبيعة


بعض الأسئلة المطروحة تجنح أحياناً إلى طمس المشاغل الأساسيّة المفسّرة لوضع الإنسان وحالته وكينونته في مسار الزمان

استمرار الجمع السطحي والظاهري والعفوي والتلفيقي بين مرجعين مختلفين من مراجع الفكر والتشريع ونمط العيش كرّس أزمة ما زالت الثقافة الإسلامية تتخبّط فيها منذ انبلاج فجر العصر الحديث، وذلك وفقا للباحث د. سامي الرياحي أستاذ الحضارة الحديثة بجامعة تونس في كتابه "العرف والشريعة"، حيث رأى أنه في حين أوجد الغربيون انسجاماً بين نمط عيشهم وقيمهم التي اختاروها وجعلوها تتفاعل تاريخياً مع التطور التدريجي لمقولة الحداثة، على الرغم من انتكاساتها العرضيّة، فإنّ المسلمين ظلّوا متمسّكين بزمن ثقافي ينطوي على تناقض بين قبول بالحداثة نمطاً حضارياً وواقعاً حتمياً لا غنى عنه، ورفض لمقولاتها وقيمها التي تبدو لهم متعارضة مع أسس الضمير الدّيني الإسلامي. 
وقال الرياحي إنه إذا كان هناك اقتناع تام يبلغ حدود اليقين الجازم باستحالة تغيير هذا النمط بمنوال الزمن الثقافي التقليدي القائم في جوهره على مطلب إعادة تطبيق الشريعة وإحياء مفهوم الدّولة الإسلامية إجرائياً وعمليّاً في صورتها النموذجية التي تحفل بها كتب التراث الدّيني والفقهي، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة طيّ صفحة الماضي بإشكالاته وغموضه والتباس بعض مفاهيمه. إذْ لا تزال بعض قضاياه اللامفكّر فيها والمسكوت عنها أحياناً عقبةً نفسيّة وذهنية أمام تحوّل المسلم المعاصر نحو إصلاح قيمه وفكره وسلوكه. وعلى الرغم من تضمّن الشريعة المستمدّة من هذا الماضي أحكاماً قانونيةً متعارضةً، جوهرياً وفي الغالب، مع قيم العصر، ناهيك عن صعوبة تطبيقها وتنفيذها وإجرائها في الواقع الحديث، وهو ما يجعلها معطلة عملياً، فإنّها تظلّ في متخيّل المسلمين العاديين حاملةً صورة المجتمع المثالي، ومصدراً من مصادر اليقين والحق، وينبوعاً روحياً، ووصالاً تعبّدياً مع الله، وسبيلاً للسمو بالنفس.
وأوضح أن وراثة التصور المثالي والسحري قد يكون لعصر الشريعة الخالي، باعتباره عصراً مثاليّاً لم يعرف الاضطراب ولا التوتّر ولا دمار الطبيعة كما يراه المسلم اليوم، عاملاً مساعداً على انتشار فكرة التشبث بالشريعة حلاً لإخفاق الحداثة في العالم الإسلامي في تحقيق طموحاتها. وخلافاً لهذا التصور المتعالي عن منطق التّاريخ، عرف المسلمون قديماً، في ظل تشبثهم بالشريعة، مراحل من الاضطراب والبؤس والعنف والفساد والتمرّد والردّة والفشل أحياناً دون أن يؤول إلى انفصال تام ونهائي بينهما، وهو ما يجعل التساؤل قائماً حول أسباب استمرار هذه المنظومة التي أرساها العلماء وصمودها رغم كثرة المتغيرات العاصفة التي عرفها تاريخهم. 
وأكد الرياحي أنه في ظلّ استمرار تصوّر قائم على متخيّل ديني مثالي يحرّك وجدان ملايين المسلمين عن صورة الشريعة ومعناها وغاياتها، ألا يحقّ لنا القيام بمراجعات نقدّية غايتها رفع الالتباس عن واقعها الحقيقي، ومراحل التطور الفعلية لمفهومها، ووسائل تطبيقها وإجرائها في التاريخ؟ ثمّ أن نتساءل عن منوال الانتظام التشريعي والقانوني، الذي حكمهم طول قرون، وعن طبيعة الأحكام التي أوجدوها لتطبيقها على واقعهم؟ أَكانت الشريعة مجرّد منوال نظري جاف خاضع لمراتب المصادر والأدلّة الصارمة أم كان واقعها مختلفاً عن الصورة التي رسخت في أذهاننا ومازالت رائجة عند عامّة المسلمين؟ ألم تستخدم نخب الإصلاحات القانونية الحديثة الشريعة ذاتها مصدراً من مصادر القوانين في صياغة المنظومة القانونية الجديدة بما فيها الدساتير؟ أَكان ذلك عاكساً لارتباط وجداني بها أم يُظهر عُسر التخلّص من إرث تشريعي قديم ارتبط عضوياً بمنوال دولة بات مستحيلاً تحقّقها اليوم؟ 
وانطلاقا من ذلك جاء مدار بحث الرياحي الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود حيث تبيّن حدود سلطة العرف ضمن أدلّة أصول الفقه ومدى تأثيرها في صياغة أحكام الشريعة، دراسة هذه الإشكالية والخوض في مفاصلها الكبرى وتحديد جملة من الفرضيّات المساعدة على بناء تصوّر متماسك لهذا البحث. حيث الانطلاق من تحديد تصور التراث الأصولي لمفهوم العرف، ومشكلة الالتباس الحاصل بينه وبين مفاهيم متقاربة ومتشابكة ومتراسلة، من شأنه أن يقود إلى تبيّن القواعد المعرفية والآليات الذهنية التي أسهمت في صياغة مجمل التصّورات حوله. 
وتساءل الرياحي إثر هذا البحث القيم وبعد التوقف عند مفاصل الرؤية الأصولية المتعلّقة بهذه المسألة، عن أهميّة ذلك في عالمنا الحديث الذي لم يعد فيه إنتاج الشرائع والقوانين حكراً على الأصوليين والفقهاء ومؤسّسات الفتوى دون سواها؛ بل من صنع الدّولة ومجالسها ومؤسساتها وهيئاتها الدستوريّة. فما الجدوى حينئذٍ من مناقشة أدلّة أصوليّة قديمة مثل الإجماع والقياس والعرف؟ وإذا كان بديهياً الاعتراف بانتماء تلك النّظريات القانونية والتشريعية القديمة إلى واقعها القديم واستجابتها لمقتضياته وما كان ينتظرها مقابل انعدام صلتها بالواقع الحديث الذي يمتلك نظرياته ومناهجه القانونية الخاصّة به بما يجعل الفارق بينهما قاطعاً وواضحاً، فهل يغدو الانتقال من أحدهما إلى الآخر حتمياً وضرورياً لا مهرب منه؟
وأضاف في الغالب تجنح بعض الأسئلة المطروحة أحياناً إلى طمس المشاغل الأساسيّة المفسّرة لوضع الإنسان وحالته وكينونته في مسار الزمان، بغضّ النّظر عن مشاغل واقعه الرّاهنة. ومن هنا قد يبدو مفيداً طرح بعضٍ من الإشكالات الجوهرية المتصلة بموضوعنا والموسّعة لآفاقه، وهي: ما القصد من التشريع؟ وما الغاية من القوانين؟ أمن الواجب بناؤهما وفق نظام أخلاقي أو فلسفي معيّن أم ينبغي فصلهما عن ذلك؟ ثم ما الصلة بين القانون والمعتقد الدّيني؟ وتحديداً ما علاقة المنظومة الفقهيّة الإسلامية القديمة بالنّظريات القانونية الحديثة ومناهجها؟

تفكيك العلاقة القديمة بين الفقه الإسلامي ومصادره غير المعلنة والمحتجبة خلف خطاب تأويلي يتوسّل بالدّيني لتحقيق شرعية متعالية تدّعي الصلاح المطلق في كلّ زمان ومكان

وأشار الرياحي إلى أن الإصلاح الدّيني ظل موضوع جدل طويل وواسع بين النّخب المثقفة والأكاديمية طول القرنيْن السّابقيْن. وكان مجالاً تصارعت فيه الآراء والأفكار بين أتباع الحداثة وأنصار التقليد. وارتكز موقف التيار الأول على استبعاد أيّ دور ممكن لنظريات أصول الفقه في صياغة قوانين العصر الحديث فيما أصرّ عدد من باحثي الفريق الثاني على ضرورة خضوع الإصلاحات القانونية لمنوال قراءة معيّنة للتراث الفقهي الإسلامي. ولئن لم ينتهِ ذلك الجدل إلى حسم نهائي ومطلق يتجاوز مرحلة الصدمة والأسئلة والشكّ فلأنّ أسبابه ظلّت قائمة لعلّ أبرزها يعود إلى ما ظلّ يعتري أسلوب تفكير الفريقيْن من قصور. ومما يعكس ذاك المظهر هو استمرار الجدل بين رؤية ترى الحلّ في اندثار الشريعة وانقراضها بحكم فعل قوى الحداثة، وأخرى تتمثّل ذلك في ضرورة استبدال الإصلاحات القانونيّة الحديثة الشبيهة بالعرف الفاسد بما يوافق أحكام الشريعة ومبادئها مستقبلاً. مع أنّ النّظام القانوني الناجع والفاعل يقتضي توافر معياريْن كبيريْن يتلخصان في:
أولا: أخذ خصوصية الواقع المستهدف تنظيمه في الاعتبار من خلال تقديم تصوّر شامل له دون الانخراط في معادلات تبسيطية واختزالية للواقع.
ثانيا: أهميّة الوفاء للنّظام القانوني التاريخي للشعوب وخلفياته الثقافية دون الوقوع في خطاب تمجيد تجارب الأقدمين أو استهجان تجارب الآخرين.
ورأى الرياحي أنّ التطوّر التاريخي الذي عرفه مفهوم العرف يبرز أنّ القانون في وضع تشكّل دائم ومستمر، وأنّ العرف جزء لا يتجزأ من السياق الذي يعيد بناء ذاك القانون وتشكيله من جديد. ومن خلال هذه السيرورة ندرك مدى بلوغ علاقة التشريع بالعرف في التراث الأصولي والفقهي الإسلامي مرتبة التداخل التام إلى حدود الانصهار والتماهي. فالأول يستند إلى العرف لضمان قابلية التطبيق والتنفيذ. والثاني يجد في التشريع دعامة لضمان معيارية قانونية لازمة داخل المجتمع.
ولفت إلى إنّ التعاليم الدّينية، التي ترافق عادة آيات الأحكام، تتخذ دائماً صبغة أخلاقية عميقة غايتها تكريس قيم اجتماعية يقوم جوهرها على مبدأ الإنصاف، وقد يكون العرف في معناه الظاهري صيغة من صيغ تنظيم الواقع مُستمدّة من خلفيات وتصورات مرتبطة بسياقات اجتماعية وثقافية. إلا أنّ هذا التعريف قد يظهر في الغالب مضلّلاً ومراوغاً. ففي عمق الدلالة التجريدية العقلية يتطابق مع معنى الإنصاف. وهو ما انتبهنا إليه أثناء حفريات الدّلالة اللغوية الجامعة بين معاني الإحسان والانتظام والقبول والرّضا. فيكون جماع تلك المعاني مؤسّساً لمعيار أخلاقي في التعامل يتسمّى باسم العرف. وإذا كانت الكينونة الإنسانية ميالة، بحكم طبعها في الزّمان، إلى جعل معنى وجودها مرتبطاً بمنزع الإطلاق في القيم، فإنّ الجامع بين الدّيني والعرفي في عمقه ليس إلا الأخلاقي. ومن ثمّ يمكن أن نفهم الصلة التي أوجدها القدامى بين العرف الحامل لدلالة اجتماعية فقهية والعرف في معناه الفلسفي الذي أوجزوه في مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وعَدَّه الغزالي أصل الإسلام وجوهر الدّين.
وقال الرياحي إنه على الرغم من ذلك لا يمكن إنكار أنّ التأويلية الأصولية القديمة، بحكم ما كان يتوافر لها من معارف وقيم وإكراهات سوسيو ثقافية، كانت تحوّل بيسر الصيغ العرفيّة المعتمدة إلى أحكام بسبب تداخل قيم الأخلاق مع قيم القانون والتشريع دون فصل أو تمييز مثلما هو الشأن في صلة العادة بالعرف. ويبدو أنّ المقتضيات التي كان يفرضها الواقع العملي هي من أسباب حصر المقاصد الأخلاقية والدّينية في الالتزام بتطبيق الأحكام التي كانت تصطدم دوماً بواقع متغير ومتشعب وغير منضبط لتصورات بدت عاجزة عن التطوّر بعد القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، وهو ما انتهى آلياً إلى مأزق تشريعي خطير آل إلى استحالة تطبيق الشريعة في العصر الحديث على الرغم من أنّه أسهم في بلورة فكرة المقاصد من النّاحية النظرية دون أن تصبح نظاماً فقهياً عملياً ناجعاً.
وشدد على إنّ التحدّي الفعلي المطروح على المسلمين في العصر الحديث يتجسّم في انتقال التشريع الإسلامي من الاعتماد على العرف منطلقاً عمليّاً لمواجهة المشاكل التي يثيرها سياق معيّن إلى الاعتماد على القانون، ومن ثمّ التأقلم مع المنظومة الحقوقية الجديدة. ومن الطبيعي أن يصطدم العقل التشريعي الإسلامي بواقع ثقافي مغاير ظلّ التعامل معه عسيراً وصعباً، فإذا كان العرف بما ينطوي عليه من خصائص الارتباط بصفة القدم والانجذاب إلى سلطة الأسلاف من جهة وقابليّة التحوّل والتأقلم مع متغيرات الزمان والمكان من جهة أخرى، والمرور عبر ضمير الجماعة بدل الدّولة من جهة ثالثة، وهو ما جعله يتفاعل مع التشريع الإسلامي الوسيط والتقليدي ويساعده على الديمومة والاستمرار والبقاء طول الحقبة الوسيطة، فإنّ ظاهرة التقنين الحديثة، بما تتسم به من اعتماد على سند المكتوب الصارم، إضافة إلى خلفيتها الفلسفية الوضعية المنطوية على رؤية مغايرة للإنسان والكون والمصير واستبعاد الأبعاد الذاتية والنفسية والغيبية، المفسّرة للظواهر الكونية قد جعلت المسلمين أمام تحدٍّ مصيري لم يُحسم إلى حدود أيامنا هذه. وتكمن بعض أسبابه في التعثّر المتواصل للعقل الإسلامي من أجل استيعاب متطلبات المرحلة التي تقتضي أولاً تفكيك العلاقة القديمة بين الفقه الإسلامي ومصادره غير المعلنة والمحتجبة خلف خطاب تأويلي يتوسّل بالدّيني لتحقيق شرعية متعالية تدّعي الصلاح المطلق في كلّ زمان ومكان.