من بودلير إلى فاغنر

غاية فاغنر من إنشاء مهرجان بيروت هو التأسيس لقيم فنية جديدة وخالدة.
بودلير لفاغنر: مدين لك بأعظم متعة موسيقية لم أعهدها مطلقا من قبل
هذه الموسيقى لي وأنّني أعرفها كما يعرف كلّ إنسان ما كُتب له أن يحب

ترجمة: إيمان الرياحي

أسّس ريتشارد فاغنر مهرجان بيروت وافتتحه في عرضه الأوّل بتقديم أوبرا ذهب الراين يوم  13 أغسطس/آب 1876. وكان في الجمهور الحاضر نخبة من المثقفين والسياسين المشهورين، نذكر من بينهم المؤلف الموسيقي الروسي تشايكوفسكي الذي قال معجبا بذلك لعرض "ما حدث في بيروت سيبقى راسخا في ذاكرة أبنائنا وفي ذاكرة أحفادهم". 
كانت غاية فاغنر من إنشاء هذا المهرجان التأسيس لقيم فنية جديدة وخالدة لاسيما أنّ إقامته بفرنسا - قبل قدومه للبنان منذ بعض سنوات - كانت محبطة له إذ انتقد بشدة بعد عرضه لأوبرا تانهاوزر التي تعبّر على حيرة الإنسان بين العالم المقدّس والعالم المدنّس. سخرت منه الصحافة في باريس حينها حتّى أنّ الشاعر الفرنسي الشهير بودلير استغرب من ذلك وكتب له رسالة يشهد له بالعبقرية. نصّ الرسالة هو التّالي:
باريس. الجمعة 17 فبرير1860
أولا وقبل كل شيء، أودّ أن أخبرك بأنني مدين لك بأعظم متعة موسيقية لم أعهدها مطلقا من قبل. إنّي في سنّ لا يليق فيها التسلي بالكتابة لرجال مشهورين، كنت سأتردد زمنا طويلا أيضا حتى أشهد لك في رسالة عن إعجابي، إن لم تكن عينايا في كل يوم تبصران مقالات سخيفة لا تستوفيك حقا، حيث تبذل كل الجهود الممكنة لقذف عبقريتك. 
لست الرجل الأول سيدي الذي أكون أمامه في وضعية تجعلني أعاني وأحمرّ خجلا من بلادي وفي التّالي دفعني سخطي إلى الإعراب عن امتناني؛ قلت في قرارة نفسي: أريد أن أكون مميّزا عن كل هؤلاء الحمقى.
في المرة الأولى التي ذهبت فيها إلى الإيطاليين لسماع أعمالك، كنت على مضض، بل  أعترف لك بأنّني كنت مسكونا بأفكار مسبقة سيئة. بيد أنّي كنت معذورا، فقد كنت على الغالب مغفّلا لمّا استمعت لكثير من التهريج المصحوب بالطلبات الهائلة، بفضلك أذعنت على الفور. 

فاغنر
ريتشارد فاغنر

إنّ ما جربته لا يوصف، وإن تفضلت بعدم الضحك منّي، سأحاول أن أترجمه لك. خيّل لي في البدء أنّي أعرف هذه االموسيقى ثمّ لاحقا لمّا فكرت فيها فهمت من أين يأتيني هذا السراب؛ تصوّرت أنّ هذه الموسيقى هي لي وأنّني أعرفها كما يعرف كلّ إنسان ما كُتب له أن يحب. ستكون عبارتي هذه ضاربة في الحمق بالنسبة لكل رجل فكر ولسواه من النّاس لا سيما أنّها كتبت من طرف شخص كمثل حالي لا يعرف الموسيقى وتقتصر كل تربيته - وبكل سرور حقا - على بعض المقطوعات الموسيقية لفيبر وبيتهوفن.
إنْ الخاصية التي شدتني فيما بعد هي العظمة. تلك التي تمثّل العظيم وتلك التي تدفع نحو العظيم. لقد وجدت في أعمالك برمّتها إجلالا للأصوات الصاخبة العظيمة، تجليات عظيمة للطبيعة وإجلالا لعواطف عظيمة للإنسان. نشعر على الفور أنّنا منزلون وخاضعون. أذكر من بين المقاطع الأكثر غرابة التي جلبت لي شعورا موسيقيا جديدا المقطع المعدّ لتصوير انتشاء ديني.
إنّ الأثر الحاصل عن مقدمة الضيوف وعن الحفل القدسي هائل. لقد شعرت بسموّ حياة أرحب من حياتنا. زد على ذلك أنّني أظهرت غالبا شعورا غريبا يتمثّل في النخوة والانتشاء بالفهم وبالسماح لنفسي بالاختراق والغزو والاستمتاع حقا بذلك الانتشاء الحسّي الذي يبدو لي شبيها بإنشاء صعود في الهواء أو التشقلب في البحر، وفي الآن نفسه تنفث الموسيقى نخوة الحياة. عموما بدت لي النغمات ذات التناسق العميق شبيهة بالمثيرات التي تسرّع نبض الخيال.
 برهنت في النهاية، وأرجوك أن لا تضحك منّي، عن مشاعر قد تكون على الأرجح متأتية عن تيه فكري وعن انشغالاتي المعتادة. يوجد في كلّ حيّز شيء مّا خافض ورافع، شيء مّا ملهم بالصعود أكثر إلى الأعلى، شيء مّا مفرط وفائق. 
أعتمد على سبيل المثال هنا مقارنات مستعارة من الرسم، أفترض أمام عيني مساحة شاسعة من اللون الأحمر القاتم. إذا كان هذا اللون الأحمر يمثل الشغف، فإني أراه يأتيني متدرجا، بكل تحولات الأحمر والوردي، كاتّقاد فرن. قد يبدو من الصعب، بل من المستحيل حتى الوصول إلى شيء أكثر اشتعالا. ومع ذلك، يأتي صاروخ أخير ليخطّ بياضا ثاقبا على الأبيض الذي يمثّل له خلفية، سيكون إن شئت، صرخة للنفس الصاعدة لمنتهاها. 
لقد شرعت في كتابة تأمّلات حول مقطوعات من أوبرا تانهاوزر وأوبرا لوهنجران التي سمعناها لكنني أدركت استحالة قول كل شيء. لذلك يمكنني أن أواصل رسالتي من دون انتهاء. 
سأكون شاكرا لك إن تسنّى لك أن تقرأ ما كتبت، لا يسعني الآن إلا أن أضيف كلمات معدودات. منذ ذلك اليوم الذي سمعت فيه موسيقاك صرت أقول في نفسي بلا هوادة وبخاصة في الأوقات الحرجة: ماذا لو سمعت، على الأقل شيئا من موسيقى فاغنر، هذه الليلة ! ثمّة، بلا شك أناس على شاكلتي. 
صفوة القول، يجب أن تكون راضيًا عن الجمهور الذي كانت سجيّته أسمى من علم الصحافيين الرديء. لم لا تهبنا المزيد من الحفلات التي تضيف فيها مقطوعات جديدة؟ هل يحقّ لك أن تحرمنا ممّا تبقّى لديك بعد أن استبقت تعريفنا بذائقة استمتاع جديد؟
أشكرك مرّة أخرى سيدي، لقد ذكّرتني بذاتي وبالعظيم في ساعات عصيبة.
شارل بودلير
لن أضيف عنواني، فربّما تتصوّر إن وضعته، أنّني أسألك شيئا مّا.