'من قاع الخابية' عرض يخيب الآمال في افتتاح قرطاج
تونس - في عودة طال انتظارها، افتتح الدكتور والموسيقار التونسي محمد القرفي فعاليات الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي، السبت، بعرض فني يحمل عنوان "من قاع الخابية" قدم من خلاله تحية فنية لذاكرة الأغنية التونسية، مستعرضا محطات هامة من تاريخها من بدايات القرن العشرين حتى بدايات الألفية الجديدة.
ورغم القيمة الفنية الرفيعة للعرض وتفرّده من حيث التوثيق الموسيقي والاختيارات الدقيقة للأغاني، إلا أن الحضور الجماهيري كان دون المأمول، فعلى غير المعتاد جاء الإقبال على الحفل ضعيفا، إذ ظلت أغلب مدارج مسرح قرطاج الأثري شاغرة وغادر عدد كبير من الجماهير المسرح قبل نهاية العرض.
وقد عبّر عدد منهم لوكالة تونس أفريقيا للأنباء "وات" عن خيبة أملهم إزاء ما وصفوه بعرض "دون المنتظر لا يرقى إلى مستوى افتتاح مهرجان عريق كمهرجان قرطاج الدولي". وقد واكب العرض كل من رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة ووزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي إلى جانب عدد من الفنانين والإعلاميين.
وقال طارق السايحي، أحد رواد المهرجان، لرويترز عن الافتتاح "اختيارات جانبت الذائقة والانتظارات في افتتاح مهرجان قرطاج"، مضيفا "التوزيع الأوبرالي أفرغ باقة الأغاني من جوهر الطبوع التونسية الأصلية، إضافة إلى سوء اختيار بعض الأغاني المنتقاة أو عدم ملائمة المساحة الصوتية للفنان مع الأغنية".
ومثّل عرض "من قاع الخابية" رحلة في الذاكرة الإبداعية التونسية. واستعرض مراحل متنوعة من تطور الأغنية من خلال أعمال نخبة من الشعراء والملحنين الكبار.
وأعاد العرض على المسرح الأثري بقرطاج تقديم محطات من الذاكرة الفنية التونسية عبر تكريم أسماء بارزة ساهمت في إثراء المشهد الموسيقي والشعري والفني خلال القرن العشرين بل ويمتد صداها إلى اليوم، إذ أتاح العرض للجمهور فرصة إعادة اكتشاف روائع خميس ترنان ومحمد التريكي ومحمد الجموسي وعلي الرياحي والهادي الجويني وعبدالحميد السلايتي وصالح الخميسي وقدور الصرارفي، ضمن تأليف موسيقي معاصر يحمل بصمة القرفي ويقدم هذه الأعمال في قالب سمفوني عصري.
ورغم الاحترام الكبير الذي يحظى به الدكتور محمد القرفي لدى الأوساط الثقافية والجمهور المتابع، ورغم الاعتراف بقيمة مشروعه الفني في استحضار الذاكرة الموسيقية الوطنية، فقد أكد عدد من الحاضرين الذين تحدثت إليهم وكالة تونس إفريقيا للأنباء "وات" أن العرض، رغم جديته، جاء خارجا عن التوقعات من حيث الإيقاع العام والتفاعل الركحي و"لم ينجح في خلق ذلك الزخم الجماهيري الذي يفترض أن تتميّز به عروض الافتتاح لاسيما حين يتعلق الأمر بمهرجان له رمزيته الثقافية والتاريخية".
وكانت "هلّالو" وهي فقرة موسيقية نحاسية استُحضرت فيها أجواء الاحتفال المرتبط بمناسبات ختان الأطفال في تونس، من أكثر العناصر إثارة للجدل من حيث محلّها وطريقة توظيفها في العرض. وقد تساءل عدد من الحاضرين عن مدى انسجامها مع السياق العام للعمل واعتبرها بعضهم فقرة "خارجة عن السياق لا تليق بافتتاح مهرجان قرطاج بما يحمله من رمزية ثقافية وفنية"، إذ قال أحد الحاضرين إن هذه الفقرة جاءت مسقطة في العرض وكان ينبغي إعداد عرض موسيقي حول طقوس هذه المناسبة في عرض فرجوي موسيقي ضخم.
وتولّى أداء الأغاني في هذا العرض الفنانون حمزة فضلاوي ومحرزية الطويل وشكري عمر الحناشي والشاذلي الحاجي، إلى جانب الممثل جمال المداني الذي جمع بين الغناء والتقديم والتمثيل. ورافقهم على الركح الأوركستر السمفوني التونسي التابع لمسرح الأوبرا والفرقة الوطنية للفنون الشعبية.
وامتد البرنامج على 25 فقرة غنائية وموسيقية واستعراضية. وقد استهلّ بمقطع موسيقي بعنوان "سلام الباي" وهو النشيد الوطني التونسي سابقا (1846-1957) تُنسب ألحانه إلى الإيطالي جوزيبي فيردي، بينما ينفي الموسيقار التونسي صالح المهدي هذه النسبة ويعتبر اللحن تونسيا خالصا. إثر ذلك انطلقت الرحلة بين الألحان الموسيقية التونسية المختلفة حيث قدّم العرض "هلّالو" كمقدمة نحاسية استعراضية، ثم انطلقت الأغاني تباعا مُراوحة بين الطرب والتراث والاستذكار المسرحي والرقص.
ومن بين الأغاني التي شدّت أسماع الجمهور كانت "وادعوني" تبعتها "يا اللي بعدك ضيّع فكري" (كلمات وألحان جلال الدين النقاش وخميس الترنان). وتواصل الأغاني مع "عرضوني زوز صبايا"، تلتها رائعة "زعمة بصافي الدهر" من توقيع الشاعر محمود بورقيبة والملحن محمد التريكي وأدّتها الفنانة محرزية الطويل. وقدّم حمزة فضلاوي أغنيتين من إرث الهادي الجويني هما "اللي تعدى وفات" و"حبي يتبدل يتجدد" قبل أن يعود الركح إلى اللوحات الراقصة مع مقطوعة "يا خيل سالم"، بينما صعد جمال المداني مجددا ليغني "أنا عمري ما سكرت" من كلمات وألحان صالح الخميسي، جامعا بين الحضور التمثيلي والصوت الغنائي.
ولعل من أبرز لحظات العرض أيضا تلك التي جمعت محرزية الطويل بأغنية "حزت البها والسر" (كلمات الحاج عثمان الغربي وألحان خميس الترنان)، ثم تألق الشاذلي الحاجي في أغنيتين "اللي ما يعرفش الحب" (كلمات والحان علي الرياحي) و"سيدي بو سعيد" كلمات علي القصار وألحان علي الرياحي، بينما قدّم جمال المداني أغنية "الكنزة الكل وأنا نكالي" للأديب علي الدوعاجي.
وسجّل هذا الحفل الأوبرالي لـ "قاع الخايبة" حضور شكري عمر الحناشي الذي أدى أغنيتيْ "الفجر لاح" (كلمات وألحان محمد الجموسي) و"ساعة هنيّة" وهي من تأليف جلال الدين النقاش وألحان الهادي الجويني. وعاد حمزة فضلاوي إلى الركح فغنى "في عيونك نار" (كلمات وألحان محمد الجموسي)، قبل أن يشترك مع محرزية الطويل في أداء "عمري وعمرك" (كلمات حمادي الباجي وألحان قدور الصرارفي).
واختتم العرض بمجموعة من الأغاني ذات الطابع الوجداني والوطني من بينها "يا حمام يا طاير" (كلمات أسامة الخولي وألحان محمد القرفي) و"أمل" (كلمات عبدالحميد خريف وألحان عبدالحميد السلايتي) بصوت حمزة فضلاوي ثم "نشيد الحياة" من شعر أبوالقاسم الشابي وألحان عبدالحميد السلايتي ليكون الختام جماعيا بأغنية "سيف فليُشهر".
وفي الوقت الذي انتظر فيه الجمهور أن يشهد عرضا طربيا حيا يعيد إليهم روح الأغاني التراثية كما عرفوها وتربّوا عليها، فوجئ البعض بما وصفوه بـ"محاولات تجريبية في التوزيع والأداء أضعفت وقع الأغاني الأصلية"، معتبرين أن هذه المقاربات الجديدة قد أفقدت الأعمال شيئا من خصوصيتها النغمية. وذهب عدد من الحاضرين إلى التصريح بأنهم كانوا يفضلون أن تُقدّم أغاني التراث كما هي دون تحوير أو اجتهادات تحديثية لا تخدم الجوهر. وأكدوا أن ما أقدم عليه محمد القرفي في هذا السياق، رغم حسن نيّته، بدا لهم أقرب إلى "إعادة تركيب مشوّهة لتراثنا الموسيقي".
وكان القرفي أوضح خلال الندوة الصحفية التي انتظمت للإعلان عن برنامج المهرجان، أن التركيبة الموسيقية للعمل تتجاوز الإمكانيات المحلية المتوفرة، مما استوجب دعوة عازفين محترفين من خارج تونس لتعزيز التكوين السيمفوني. كما أثنى على دور الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التي باتت منفتحة على طاقات شابة تسعى إلى تجديد التراث ضمن رؤية فنية جديدة.
وأفاد أن العمل يسعى إلى إعادة الاعتبار إلى رموز الموسيقى التونسية الذين غيّبتهم الذاكرة الجماعية ومنهم صالح الخميسي أحد أعلام الأغنية التونسية الذي جسّد بأسلوبه الفكاهي نبض الشارع وهموم الناس، مؤكدا أن "من قاع الخابية" هو محاولة لاستحضار هذه الأسماء التي منحت الأغنية التونسية أصالتها وبصمتها الخاصة.
والموسيقار محمد القرفي، العائد إلى ركح قرطاج الذي لطالما احتضنه، يُعد من أبرز رواد الموسيقى التونسية والعربية المعاصرة. تخرّج من المعهد الوطني للموسيقى بتونس وواصل دراسته في مدرسة "شولا كانتوروم" بباريس. كما نال شهادة الدراسات المعمقة والدكتوراه في العلوم الموسيقية والموسيقولوجيا من جامعة باريس "السوربون". بدأ مسيرته المهنية في الستينيات كعازف ضمن الأوركستر السمفوني التونسي منذ تأسيسه سنة 1969، ثم أسس أوركسترا 71، قبل أن يؤسس الأوركستر العربي لمدينة تونس، الذي لعب من خلاله دورا محوريا في إدخال المسرح الغنائي إلى تونس خلال الثمانينيات وتقديم أصوات جديدة وتجارب موسيقية مبتكرة.
كما أسس القرفي لاحقا فرقة "زخارف عربية" التي قدّمت عروضا متنوعة كان أحدثها "زخارف 25" التي تم تقديمها في شهر فبراير/شباط الماضي وهي جزء من مشروعه الفني الذي انطلق منذ سنة 1993 لتكريم قامات الموسيقى العربية. وقد شارك في هذا العرض الأخير كل من نور الدين الباجي وأسماء بن أحمد وحسان الدوس وعازف الكمان البشير السالمي كضيف شرف.
وتعرض برنامج الدورة التاسعة والخمسين، التي تقام للمرة الأولى منذ تأسيس المهرجان دون مدير فني، لانتقادات متعددة قبل انطلاقه تعلق بعضها بترشحيات المشاركين والتنظيم.
ويمتد المهرجان الذي يرتبط اسمه بإحدى أشهر المدن التونسية حتى 21 أغسطس/آب ببرنامج يشمل 20 سهرة فنية متنوعة من بينها ثمان تونسية وتسع عربية وثلاث عالمية. ومن أبرز النجوم المشاركين في البرنامج الفلسطيني محمد عساف واللبنانية نانسي عجرم والإماراتية أحلام والمصرية مي فاروق والتونسية لطيفة العرفاوي.