من قتل هدى أبو عسلي؟

بقلم: د.مية الرحبي

قتلت هدى أبو عسلي على يد أخيها، وبمباركة العائلة والأقارب، لزواجها من رجل من خارج طائفتها، وأقام أهلها بعد مقتلها عرسا، ففتحت المضافة، وانطلقت الزغاريد، ودارت فناجين القهوة المرة، واستقبل الأهل الضيوف المهنئين، ووجوههم يعلوها البشر.
وقد أشاع أفراد العائلة أن الحكم أصدرته ونفذته العائلة على خلفية سلوكها المنحرف، لا زواجها، ربما كي يستفيد القاتل من العذر المحل في عقوبة جرائم الشرف في القانون السوري، والذي نجا بفضله آلاف المجرمين والقتلة بفعلتهم، بعد أن قتلوا قريباتهم لمجرد الشبهة في سلوكهن.
ليست هدى أول ضحية، ولن تكون الأخيرة، فطالما تكررت حوادث قتل نساء تزوجن من غير طائفتهن، بعقود زواج قانونية، والسيناريو واحد، بعد فترة من الزواج، يدعي الأهل مسامحة ابنتهم، ويدعونها لزيارتهم، حيث يتم قتلها هنالك على يد قريب، يكون الأداة المنفذة لجريمة تشارك فيها العائلة كلها، وربما العشيرة أيضا، بالتحريض والتشجيع، وبذل الوعود لمرتكب الجريمة باستخدام نفوذ وأموال ووساطات، العائلة/العشيرة، لتخفيف الحكم القضائي، وبالتالي خروج القاتل بعد اشهر معدودة من السجن بطلا منتصرا.
هل يمكننا القول أن أخا هدى أبو عسلي هو قاتلها؟ أعتقد أن من الحكمة القول أنه لم يكن سوى الأداة المنفذة لجريمة تكالبت عوامل عدة لوقوعها.
فمن وجهة نظر قانونية:
يخطىء من يعتقد أن القانون، الفيصل بين الأفراد عند الشعوب المتحضرة، هو من يحكم بين المواطنين وقضاياهم وخلافاتهم عندنا، وخاصة في المسائل المتعلقة بالمرأة، فالعائلة /العشيرة/القبيلة، لها قوانينها الخاصة التي تطبق على النساء، وبحسب ما ترتأي يمكن أن تجرم من تشاء، وتصدر الحكم، وتوكل إلى أحد أفرادها تنفيذه، ويندر أن تنجو امرأة في بلادنا من هذه الأحكام، بدءا من صفعة، تتلقاها ربما في صغرها، لملبس غير لائق أو نظرة، أو همسة أو لفتة، مرورا بالحبس أو الضرب أو الجلد، وانتهاء بالقتل.
هنالك ملايين الجرائم المستترة التي تتعرض فيها المرأة، وبخاصة الطفلة، للعنف الأسري، لكنها تبقى طي الكتمان، ولا ينتشر خبر الجريمة إلا إذا وصل إلى حدود القتل، وهنا يستند الأهل إلى حجة الانحراف الأخلاقي، الذي يحددون هم، وهم وحدهم، وجوده وحدوده ومداه، من أجل الاستفادة من الغطاء القانوني الذي يحيل الجريمة إلى جريمة شرف، فيستفيد القاتل من الأحكام المخففة، التي يقرها القانون في مواده المتعلقة بجرائم الشرف، كما تنص المادة 548 المتعلقة بالعذر المحل في القتل والإيذاء من قانون العقوبات السوري، والتي تنص على ما يلي :
المادة 548:
يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.
وما يتعلق بها من المواد التالية:
المادة 239 :
لا عذر على جريمة إلا في الحالات التي عينها القانون.
المادة 240
1 ـ إن العذر المحل يعفي المجرم من كل عقاب.
2 ـ على أنه يمكن أن تنزل به عند الاقتضاء تدابير الإصلاح وتدابير الاحتراز ما خلا
العزلة.
المادة 241
1ـ عندما ينص القانون على عذر مخفف:
إذا كان الفعل جناية توجب الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد حولت العقوبة
إلى الحبس سنة على الأقل.
وإذا كان الفعل يؤلف إحدى الجنايات الأخرى كان الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
وإذا كان الفعل جنحة فلا تتجاوز العقوبة ستة أشهر ويمكن تحويلها إلى عقوبة تكديرية.
وإذا كان الفعل مخالفة أمكن القاضي تخفيف العقوبة إلى نصف الغرامة التكديرية.
2ـ يمكن أن تنزل بالمستفيد من العذر المخفف ما كان يتعرض له من تدابير الاحتراز ما خلا
العزلة لو كان قضي عليه بالعقوبة التي نص عليها القانون.
المادة 242 :
يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجنى عليه.
وحتى المادة 548 المجحفة يتم التلاعب بها، وبالتالي يتم بواسطتها تبرئة الكثير من القتلة، الذين يقتلون قريباتهم لمجرد الشبهة، ولا زلنا نذكر حادثة منذ سنوات قريبة، قتل الأخوة فيها أختهم المتزوجة، لأنهم لاحظوا أنها بدأت تهتم بمظهرها وتستمع إلى أغاني أم كلثوم، في حين كان زوجها يصرخ أنها شريفة، بريئة من كل ما يتهمها به أخوتها؟
تتعارض المادة 458مع جوهر القانون وأداته السلطة القضائية، التي تملك وحدها حق الحكم على المواطنين عند ارتكابهم خطأ ما، وتطبيق العقوبات بحقهم، بدل أن توكل هذه المهمة للأفراد.
من ناحية أخرى يمكن اعتبار القانون وبالتالي القضاء من العوامل المحرضة على تلك الجرائم، للتساهل الواضح في الأحكام المتعلقة بجرائم الشرف، والتلاعب في تفسير وتطبيق المادة المذكورة.

من وجهة نظر الشريعة الإسلامية:

لا يوجد في القرآن الكريم أو السيرة النبوية الشريفة، ما يبيح لأحد الأفراد أن ينصب نفسه قاضيا، أو يصدر حكما أو ينفذه بحق أحد وإنما يوكل الأمر لأولي الأمر، الذين يمثلهم في عصرنا الحالي القانون والسلطة القضائية.
وقد اشترط الإسلام في تطبيق حد الزنا إقرار الزاني أو الزانية بفعلتهما وعدم إعلانهما التوبة، أو إثبات الزنا من قبل أربعة شهود يشهدون العملية الجنسية بكاملها، وذلك من غير الممكن بل من المستحيل تحقيقه.
"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا" النساء 15
"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون" النور 4
"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما، إن الله كان توابا رحيما" النساء 16
"الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" النور2
"الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين" النور 3
"واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله" الطلاق 1
ومن المعروف عدم وجود آية تثبت عقوبة الزنى بالرجم، وإن وجدت حادثتان في السيرة النبوية لم يأمر الرسول (ص) في أولاهما برجم الرجل إلا بعد إقراره وإصراره بأنه قد زنى، وأنه لم يتب ويعلن العودة، ومع هذا فإن الرسول الكريم عندما أخبر أن الرجل هرب من شدة وطأة الرجم، علق قائلا للصحابة "هلا تركتموه"، وحكاية المرأة الغامدية التي يقال أنها رجمت بعد أن عادها الرسول أن تستغفر وتتوب إلا أنها أصرت، ومع هذا لم يسمح برجمها إلا بعد أن وضعت، وقد صلى الرسول على هذه المرأة ولما سئل عن ذلك أجاب "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"، كما أن الرسول لم يشهد الرجم في الحالتين.
وهنا لا بد من ذكر الحادثة التي حدثت في زمن خلافة عمر بن الخطاب (رض) عندما جاؤوه بامرأة زنت وأقرت بالزنى، فأمر الخليفة برجمها، فقال علي بن أبي طالب (رض): لعل بها عذرا، ثم سألها: " ما حملك على ما فعلت؟" قالت كان لي خليط وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن. فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثا، فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني. قال علي: الله أكبر "فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم" فأخلى الخليفة سبيلها.
ومن الملاحظ في كل ذلك أن تطبيق العقوبة كان يتم ليس من قبل الأهل، بل من قبل أولي الأمر آنذاك، وذلك ما هو واضح من الآيات الكريمة والحوادث من السيرة النبوية، وذلك ما يعني القانون والسلطة القضائية بالمفهوم المعاصر، مع ملاحظة أن الخليفة عمر بن الخطاب، استمع إلى شهادة المرأة أولا، والظروف التي قادتها لإقامة العلاقة الجنسية، أي أنها قدمت إلى محاكمة عادلة، قبل أن يصدر الحكم ببراءتها، عندما اقتنع بالمبررات التي أجبرتها على القيام بالعلاقة الجنسية خارج إطار الشرعية، ولم يقر الإسلام أبدا حق الأهل بالقصاص من ابنتهم، بل أوكل هذه المهمة لأولي الأمر.

من وجهة نظر اجتماعية:

كما ذكرنا لم يكن الأخ في جريمة القتل هذه إلا أداة تنفيذ لجريمة يقف خلفها تحريض العائلة/العشيرة/القبيلة، وقد كان من المفترض اختفاء تلك البنى القبلية العشائرية الطائفية التقليدية، والتي تعود إلى مرحلة ما قبل الدولة المدنية الحديثة، لو أن تطور الدولة الوطنية الحديثة سار في مساره الصحيح، إلا أن الأنظمة الاستبدادية، بقضائها على مفهوم المواطنة، أضعفت انتماء الفرد إلى البنى المجتمعية المدنية الحديثة، وعززت انتماءه إلى تلك البنى المتخلفة، وتفكك المجتمع إلى غيتوات قبلية، عشائرية، عائلية، مناطقية، طائفية وعرقية، وباتت كل بنية من هذه البنى، تحكم بأنظمة وقواعد خاصة بها، تشكل قوانين، تطغى على قانون الدولة، فنرى شيوخ العشائر مثلا يفصلون بين أفراد عشيرتهم، في النزاعات المادية، وتتدخل العشائر المختلفة للتوسط في قضايا الثأر، وتدفع ديات الضحايا من قبل عشائر القتلة، ويضحى بالنساء في جرائم الشرف، في ظل قانون ينام على جميع هذه الممارسات، وسلطة تنفيذية تشجعها أحيانا، بحيث نسمع لقاء مسؤولين بزعماء العشائر مثلا، لا باعتبارهم مواطنين، بل زعماء متميزين، لهم حظوة ومكانة خاصة.
ولا يخفى الاستفادة الجلى التي استفادها المحتل الأمريكي في العراق من اللعب على وتر تلك البنى التقليدية، ليفتت العراق ويشظيه إلى فتات طائفي عرقي عشائري.
ونعود إلى الجريمة محور موضوعنا لنسأل هل يمكننا أن نلوم الأخ وحده وبالمطلق على تلك الجريمة البشعة التي نفذها؟ القاتل هو ابن بيئته، فمنذ نعومة أظافره ربي على المفاهيم القبلية العشائرية، وغرس في عقله مفهوم أن شرفه من شرف أخته، وأي خطا منها سينكس رأسه ورأس عائلته في التراب، ولا يغسل ذلك العار سوى الدم، وسوف يعامل بعد قتل أخته معاملة البطل المنتصر، مع وعود بوسائط ودفع أموال تقصر فترة عقوبته إلى أشهر معدودات في أغلب الأحوال، حيث ستساهم العائلة، و العشيرة كلها، بل تستميت، في سبيل تخفيف العقوبة عنه، وكلها أشهر معدودة، يقضيها في السجن معززا مكرما، وسيخرج بعدها، مرفوع الرأس، موفور المال، يعيش حياته راغدا بالعطايا والهبات، التي سيقدمها له أفراد العائلة غير الراغبين بتلويث أيديهم، وغالبا ما يتم اختيار شاب من العائلة عاطل عن العمل، غير مستقر في حياته، يعطى الوعود بتأمين مستقبله، في حال قدم هذه الخدمة لعائلته.
لذا فالعقوبة لابد أن تطال هنا المحرضين على ارتكاب الجريمة تماما كمرتكبها.
لا نزعم أن هذا هو الحل، فتطبيق عقوبات قاسية بحق مرتكبي هذه الجرائم والمحرضين عليها، ربما تساهم في ردع من يفكر بالإقدام على ذلك، لكنه لا يمثل إلا جزءا من الحل.
لابد من بحث جذور هذه الجرائم، وتصحيح الأوضاع الاجتماعية العرجاء، وتغييرالمفاهيم المتخلفة المبنية على منظومة فكرية ذكورية متسلطة، بإعادة الاعتبار أولا إلى النساء في الوطن مواطنات كاملات الحقوق والواجبات، وتعديل جميع المواد القانونية التي تحمل تمييزا ضد المرأة، وعلى رأسها هنا، المادة 548 حول العذر المحل في القتل والإيذاء المتعلق بما يسمى جرائم الشرف، واعتبار جرائم قتل النساء، جرائم قتل مواطنين في هذا البلد، تطبق على قتلتهم العقوبات التي تطال أي مجرم يقتل مواطنا، وإعادة الاعتبار لهيبة القانون، واستقلالية القضاء ونزاهته، فالقانون وحده صاحب الحق في تجريم الناس، وإصدار أحكام ضدهم، وتطبيق عقوبات بحقهم، وتعزيز مفهوم المواطنة، وتساوي جميع المواطنين أمام القانون بغض النظر عن جنسهم وعرقهم ودينهم وطائفتهم، ولن يتحقق ذلك إلا في ظل دولة الحق والقانون، دولة يأمن فيها المواطنون الأحرار على حيواتهم وحرياتهم وممتلكاتهم، في ظل حماية وسلطة قانون عادل يضمن الحماية والعدل لجميع المواطنين.
ولابد أن يتزامن ذلك مع نشر ثقافة بديلة، تغير نظرة المرأة إلى نفسها، ونظرة الرجل إليها، إنسانا كامل الأهلية، مواطنا كامل الحقوق والواجبات، وتغيير مفهوم الشرف، ليصبح مفهوما مبنيا على الصدق والأمانة والإخلاص في العمل، والمحبة والتعاون، وحب الوطن، والسعي نحو تقدمه ونمائه، وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني، التي تحمل جل المسؤولية في نشر هذه الثقافة البديلة، وتتشارك مع المؤسسات الحكومية في الدفاع عن مصالح الفئات المجتمعية التي تمثلها، عندها فقط نستطيع أن نصل إلى يوم تصبح فيه هذه الجرائم من الذكريات المنسية التي يتمنى كل منا محوها من ذاكرته. د.مية الرحبي