من وسائل القضاء على الإرهاب!

من يقرأ تاريخ مصر عبر العصور، سيدرك يقينا، استحالة قهر هذه الأمة، واستحالة تفتيت وحدتها الوطنية، وخصوصا في أوقات المحن والصراع والحروب. هذه واحدة من ثوابت تاريخنا المديد والمجيد.

كتب الصديق حسام نصار وكيل وزارة الثقافة المصرية السابق على صفحته بالفيس بوك، بضع كلمات ذات دلالة وطنية وعزيمة مصرية ناصعة البيان والفصاحة، قال فيها "أنا مواطن مصري عمري 55 عاما، أرغب في التطوع بالجيش لمحاربة الإرهاب في سيناء". وبعدما أنهيت القراءة، تصفحت سريعا تعليقات الأصدقاء، عندها شعرت بضعفي وضآلة حجمي أمام دعوته تلك، فلدي إصابة قديمة بالقدمين أعفيت بسببها من آداء الخدمة الوطنية في القوات المسلحة، الواجب الذي أعتبره دليلا على الوطنية والشرف، لا يدانيه شرف سوى الانتماء إلى أمة عربية واحدة موحدة.

طبعا، لدينا أبطال وأسود في الجيش والشرطة، وهم ليسوا بحاجة لواحد مثلي، لكن ما سبق ذكرني بضرورة الحذر في التحليلات واستباق النتائج الرسمية في قراءة الأحداث والتطورات على الأرض، مع ذلك فأيا كانت التفسيرات، فإن أحداً من المحللين لا يختلف عن الآخر في أن حال الشك، وربما عدم اليقين الذي تعيشه البلاد لأسباب متعددة، هو الثغرة الرئيسية التي نفذت منها هذه التنظيمات وتفشت مخاطرها واتسعت جرائمها، إذ إنها ولدت من رحم الشائعات، وتغذت منها، وعمدت بعض الجهات إلى تغذيتها، معتمدة بالطبع على دعم وإسناد كل من لا يريد للأمة المصرية خيراً.

من هنا كانت الوحدة الوطنية التي واجهت بها مصر جريمة اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، وكذلك الحال بعد جريمة الشيخ زويد والعريش، من أفعل الردود على هذه الجرائم ومرتكبيها الذين يصبحون يوما بعد يوم، محاصرين ليس بالقوي الأمنية وحدها، بل بالأغلبية الساحقة من أبناء الشعب ذاته، وقد بات مدركاً أن هذه الجماعات لا تستهدف نظاماً أو حزباً أو حاكماً أو جماعة أو مذهباً، بقدر ما تستهدف المجتمع والدولة والإنسان أياً كان انتماؤه.

وفي مصر بالذات، وأياً تكن المآخذ على أداء الحكومة، فإن كل منصف ومتجرد يدرك أن حال الاستقرار والأمن الذي نعيشه يعود إلى وجود ما يشبه الإجماع الوطني على التصدي لظاهرة التطرف والإرهاب من جهة، وإلى نجاح حكومة المهندس إبراهيم محلب، برغم كل ما ينطوي عليه الوضع الراهن من أزمات ومشكلات، يبقى السؤال هنا: أليس من الممكن أن يبادر الأزهر والكنيسة المصرية مثلاً، ومعهما، بعض الشخصيات والأحزاب إلى الدعوة إلى تجمع أو مائدة -بما أننا في شهر رمضان المبارك- تضم كل التيارات والفئات والجماعات، من دون استثناء، لاسيما تلك التي لم تتلطخ أيديها بالدماء، وتجري مصالحات ضرورية لإطفاء هذه النيران، وتبدأ مسيرة تنقية الأجواء، بحيث يتم التركيز فيها على المشتركات، وهي كثيرة، ويتم ترحيل نقاط الخلاف أو الاختلاف لمعالجتها في المستقبل؟

كم من الأرواح ستُحفظ، ومن الدماء ستُحقن، ومن الموارد ستُوفر، لو اتفقنا وتجمعنا وتوحدنا على استراتيجية واحدة لمواجهة هذه الظاهرة الدموية الآتية من ظلمات التاريخ لتحرق بنارها حقائق وحضارات وبنى اجتماعية وإنسانية.

وقبل أن أختم أستدرك جازما، أن معالجة هذه الظاهرة ليست معالجة سياسية فقط، أو أمنية تعتمد المواجهة المسلحة فحسب، بل هي أيضاً معالجة فكرية ثقافية، اقتصادية اجتماعية، تربوية وإعلامية، وبالتأكيد دينية تتطلب إصلاح الخطاب الديني الذي أغرق نفسه وأمته بمفردات التعصب والتطرف واستحضار فتن من غابر الأزمان.