من يحمي الخصوصية ويطلق سراح القانون

وفقاً لقوانين الطبيعة وقواعد الحياة، فإن هناك من التصرفات السلبية ما لا يمكن لها أن تستمر إلا ما لا نهاية، فإذا سادت في المجتمعات وانتشرت، دل ذلك على انحدار قيمي وثقافي توطئة للانحدار الكامل الشامل، وقد يكون ذلك هيناً إذا ما كان ممثلاً لسلوك فئة معينة انحرفت لأسباب يُمكن السيطرة عليها وإعادتها إلى جادة الصواب، أما المصيبة الكبرى فهي أن تكون الدولة مُشاركة بالصمت أو بالتشجيع وتوفير الدعم والحماية لهذه المظاهر، خصوصاً تلك التي يشكل اتيانها اعتداءً على الأخلاق القويمة والمُثل ناهيكم عن مخالفتها الشرائع السماوية وغير السماوية، ولن أكون مبالغاً إن قلت أنها تخالف الشرف والمنطق السليم والأدب والذوق والمروءة والمودة وكل ما له قيمة نظيفة في هذه الدنيا.

فمنذ ثلاث سنوات مضت، انتشرت في مصر ظاهرة الفضائح الخارقة للعادة التي تخطت جميع الأعراف وداست بأقدامها على القانون وسكتت عنها الأجهزة الرسمية وتقبلها الناس بلا أدنى اعتراض كونها كانت موجهة ضد من يسمونهم أعداء الوطن، ألا وهي الاعتداء على الحياة الشخصية للمواطن وهتك ستر أسراره وتصرفاته.

بدأت تلك المهزلة بما أطلقوا عليه في حينه تسريبات، وكان الهدف منها سياسي بالدرجة الأولى، وهو تشويه ثورة 25 يناير 2011 وجميع من شارك فيها، وتولت القنوات الفضائية المملوكة لرجال الأعمال الذين نشأوا وترعرعوا وتكونت ثرواتهم وتجبروا في عهد مبارك وما زالوا يلعبون نفس الألاعيب في عهد السيسي، تلك القنوات وبأوامر لا يدري أحد من الذي أصدرها، أطلقت العنان لمقدمي برامجها أن يهيلوا التراب على رموز الثورة واتهامهم بأحط الاتهامات. وللمفارقة العجيبة لم نر أياً من تلك الرموز الذين تم تشويه سمعتهم إلى درجة الاتهام بالخيانة العظمى، لم نر أياً منهم تتم محاكمته، ما يعني أن ما اتهموا به لم يكن إلا أكاذيب لا تساندها أية أدلة حقيقية، ومع ذلك مر الأمر مرور الكرام وأغمضت الدولة عيونها وكأن شيئاً لم يكن، وكأن هؤلاء ليسوا مواطنين لهم حقوق دستورية أقلها حماية حياتهم الشخصية وخصوصياتهم واتصالاتهم، ومع أنهم يستحقون التعويض الأدبي والمادي الذي يقرره القانون، عما لحق بهم من أضرار، إلا أن القانون جاء عندهم وتنحى.

وما زالت نفس اللعبة تتكرر، وما أضحت ذات القنوات الفضائية تُقدم الفضائح، وما أنفكت الدولة تسمح عن طيب خاطر بفضح الناس، بدءاً من فتاة المول انتهاءً بالمخرج السينمائي خالد يوسف، حيث تم هتك خصوصيتهما ونشر ما تم الحصول عليه من صور لتصرفاتهما الخاصة عبر شاشات القنوات الفضائية المملوكة لرجال الأعمال، الأمر الذي يجعل الناس يتساءلون: من في هذا الوطن الذي يستطيع أن يأمر بالتجسس على الناس والتقاط الصور الخاصة جداً لهم؟ ومن في هذا الوطن الذي يأمر بهتك الحياة الخاصة للمواطن ونشرها عبر التلفزيونات ليشاهدها الكافة؟ ومن الذي يحمي هذا المذيع بالذات ويسمح له بأن يُهدد الناس على الهواء؟ والسؤال الأهم والأخطر هو: هل هان القانون على الدولة إلى هذا الحد بحيث لا تتم محاسبة تلك القنوات؟ والسؤال الأخير: أين وصلت منظومة العدالة في مصر حين تسمح باستمرار هذا النهج المخالف للقانون وبمثل هذه الجرأة والتعمد؟

للأسف إن مخترع هذه السنة غير الحسنة، ومُطلق أسلوب سيديهات الفضائح، أصبح بقدرة قادر نائباً في برلمان وطني، ومن عجائب الأقدار أنه من الممكن أن يُصبح رئيساً أو وكيلاً له، ومن سوء الطالع أنه من المؤكد سيصبح رئيساً لإحدى لجانه القانونية الهامة، وتلك مفارقة غريبة أن يكون صاحب هذا السلوك غير القانوني رئيساً لإحدى اللجان القانونية التي تتولى التشريع ودراسة القوانين، ولنا أن نتصور نوعية التشريعات التي ستخرج من تحت يد من تخصص في انتهاك القانون، ولكن لا شيء أصبح غريباً في مصر الآن، فالأمور تداخلت، والأخلاق تهلهلت، والمبادئ تراجعت، والقيم تقزمت، والقوانين انتحرت.

أسوأ ما في الأمر، أن التسريبات الهاتفية لا يمكن أن يقوم بها إلا جهات تحظى بحماية من نوع ما، كما أن الصور الفضائحية التي يتم بثها عبر القنوات الفضائية هي الأخرى تحظى بالرعاية من جهة ما، والخلاصة أن المواطن في مصر إضافة إلى ما يعانيه من صعوبات بالغة في كسب قوته وتوفير احتياجات أسرته، لا يستطيع أن يطمئن على حياته الشخصية وخصوصياته.

أنا هنا لا أدافع عن شخص بعينه، ولا عن نوع السلوك، ولا أقر السلوك الخارج عن الأخلاق القويمة والمخالف للآداب العامة والنظام، ولكنني أدافع عن القانون الذي بات يبدو وكأن هناك من يعمل على اغتياله ومواراة جثمانه الثرى، بحيث تصبح الغلبة والجبروت للقوة المادية، وتلك حالة لا يمكن لأي وطن أن يقبلها، ناهيك عن أن يتحملها، إن عادة انتهاك القانون قد تبدو للوهلة الأولى أنها في صالح من يقومون بالانتهاك، ولكن بمرور الوقت، سيعتاد الجميع هذا الانتهاك، وسيصبح أسلوبا كما يمارسه الحاكم سيحاكيه المحكوم، وتلك ليست البيئة المناسبة للبناء والتقدم والازدهار، بل هي بيئة السقوط والتقهقر والانحدار.

وبعيداً عن التصنيفات المقيتة وتقسيم الشعب بين مؤيد، أو مع الإخوان، أو كاره أو حاقد أو عميل، أو أجندة، أو خائن، فأنا ببساطة مواطن يخشى على وطنه من الضياع، فلماذا لا يشاركني أحد المسؤولين هذه الخشية؟ لماذا لا أجد مسؤولاً واحداً تأخذه الغيرة على مصر ويستنكر ما يدور بها من فضائح يتناقلها الأثير ويراها العالم أجمع؟ لماذا لا يرى من بيدهم الأمر والنهي الأمور على حقيقتها بعيداً عن الصراع على السلطة والاستماتة على الحكم؟ لماذا لا يدرك أحد أننا نسير بخطى حثيثة نحو الانهيار الذي يسبقه دوماً الانحراف الأخلاقي وإزكاء روح الفضائح؟ أين ميثاق الشرف الإعلامي الذي كان ضمن خطة المستقبل؟

والآن لم يبق للمواطن الغافل الذي لا يدري من أين ستأتيه الفضيحة، إلا اللجوء إلى الرئيس فهو المسؤول عن الدولة وما فيها من بشر وحجر، وهو الذي غضب كثيراً من الإعلام وأطلق تهديده الشهير "ما يصحش كده" حينما عتب عليه أحد مقدمي البرامج عندما غرقت الإسكندرية وكان وقتها مجتمعاً مع رئيس شركة سيمنس.

ألا يرى سيادة الرئيس أن حرب السيديهات والصور الفاضحة وبثها بالمخالفة للقانون عبر الفضائيات، يعتبر سلوكا يسيء إلى الرئاسة وإلى الوطن بكامله، حيث يظهر للعالم أجمع أن القانون في مصر لا يمكن أن يحمي أحدا أو على أقل تقدير تم تعطيله عمداً، وأن هناك من هم فوق القانون، وإلا ما هو الوصف الصحيح لمن يحصل على معلومات شخصية خاصة بدون إذن الجهات القضائية، ويتولى توجيه الاتهامات عبر التلفزيونات وعلى الهواء مباشرة ضد هذا المواطن أو ذاك مع إذاعة هذه المعلومات التي تتصف بالخصوصية الشخصية والتي يحميها الدستور والقانون، ولا يكتفي بذلك، بل يتوعد بأنه يمتلك مئات الصور الفاضحة التي سيذيعها إذا لزم الأمر، ومع ذلك لا يجد من يقل له "ما يصحش كده".

إن دوام الحال من المحال، والأمة التي تصل أخلاقها إلى هذا الدرك المتدني لا مستقبل لها، وحين تفقد الشعوب الأمل في المستقبل فإنها تتخلى عن الحاضر، وعند هذه النقطة بالذات يتبارى جميع السيئون للسيطرة على السلطة، وتلك الحالة ستعجل بثورة شعبية لن تكون ثورة الخبر والحرية، بل ثورة القضاء على جبروت القوة والعنجهية.