من يشارك ومن يُستبعد؟.. إسرائيل تمسك بمفاتيح القوة الدولية في غزة
القدس المحتلة - في مشهد يعكس موازين القوة الجديدة في الشرق الأوسط بعد حرب غزة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده ستحدد بنفسها الدول التي يُسمح لقواتها بالمشاركة في القوة الدولية المزمع تشكيلها للإشراف على ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع، ضمن خطة السلام التي ترعاها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال نتنياهو، خلال اجتماع لمجلس الوزراء اليوم الأحد، إن "إسرائيل تتحكم في أمنها، وقد أوضحنا للقوى الدولية أن من غير المقبول لنا لن يكون جزءًا من القوة الدولية، وهذه هي الطريقة التي سنتصرف بها وسنستمر في التصرف بها»، مشيرًا إلى أن هذا الموقف «يحظى بتفهم أمريكي كامل".
وبهذا التصريح، تُكرّس إسرائيل معادلة جديدة مفادها أن "مفاتيح الدخول إلى غزة" تبقى في يدها وحدها، حتى في مرحلة ما بعد الحرب، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية تمرّ عبر بوابتها حصريًا.
شروط إسرائيلية مسبقة و"سلام على المقاس"
ومنذ إعلان واشنطن عن نيتها تشكيل قوة دولية متعددة الجنسيات لإدارة الوضع في غزة بعد وقف الحرب، أبدت إسرائيل حساسية مفرطة تجاه هوية المشاركين المحتملين فيها. وبينما تدرس إدارة ترامب إشراك قوات من مصر وإندونيسيا ودول الخليج العربي، فإنها تستبعد إرسال جنود أميركيين إلى القطاع.
لكن إسرائيل سارعت إلى وضع خطوطها الحمراء، رافضة أي وجود تركي ضمن هذه القوة، في ظل توتر غير مسبوق مع أنقرة منذ بدء الحرب، بعد انتقادات الرئيس رجب طيب أردوغان الحادة للحملة العسكرية الإسرائيلية ووصفه ما يجري في غزة بـ«الإبادة».
ولم يكن الموقف الإسرائيلي مفاجئا، لكنه يؤكد أن تل أبيب لا تزال ترى في أي انتشار دولي أداة لتكريس سيادتها الأمنية، لا لتقاسمها، فبينما تتحدث إدارة ترامب عن "سلام توافقي" بإشراف دولي، تمضي إسرائيل نحو فرض "سلام على المقاس" يضمن بقاءها اللاعب المهيمن على كل ترتيبات الأمن في غزة.
شراكة تحت السيطرة
وشدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي زار إسرائيل قبل أيام، على أن القوة الدولية يجب أن تضم فقط "دولًا ترحب بها إسرائيل"، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تمنح تل أبيب حق النقض على هوية المشاركين. كما أشار إلى أن مستقبل الحكم في غزة "يجب أن يُناقش بين إسرائيل والدول الشريكة"، لكنه استبعد أي دور لحركة حماس في هذا الإطار.
وتسعى إدارة ترامب، بحسب مصادر دبلوماسية أميركية، إلى الحصول على تفويض أممي أو اتفاق دولي يشرعن وجود القوة المتعددة الجنسيات، على أن تساهم الدول العربية بالأموال والقوات، في وقت لم تُبدِ فيه أي دولة عربية استعدادًا رسميًا للانخراط في هذا المشروع حتى الآن، خشية الظهور كقوة "وصاية" على غزة.
وتأتي هذه التطورات بينما لم ينجح اتفاق وقف إطلاق النار – المكون من عشرين نقطة – في تهدئة التوتر كليًا، وسط استمرار الخروقات الميدانية وتبادل الاتهامات. وفي الوقت ذاته، تواصل واشنطن الترويج لخطة أوسع لإعادة الإعمار والإدارة المدنية في غزة، بإشراف مباشر من القوة الدولية التي ستحدد إسرائيل تركيبتها.
ويرى مراقبون أن هذا الترتيب الجديد يكرّس واقعًا مغايرًا لما كان قائمًا منذ عام 2007، إذ لن تعود غزة خاضعة لسلطة حماس، ولا مستقلة فعليًا، بل واقعة تحت إدارة أمنية دولية "بشروط إسرائيلية".
فيتو إسرائيلي مبكر ومشهد إقليمي معقد
وتعتبر إسرائيل التي لا تزال تفرض حصارا محكمًا على القطاع منذ عامين، أن أي وجود لقوات أجنبية غير منسق معها يشكل "تهديدًا لأمنها القومي". وبهذا الفيتو المسبق، تُمسك تل أبيب بمفاصل القرار الأمني حتى بعد وقف الحرب، في وقت تستغل فيه واشنطن الحاجة الإقليمية إلى الاستقرار لتوسيع نفوذها عبر ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
غير أن الغموض لا يزال يلف مصير هذه القوة، بين رفض حماس تسليم سلاحها، وتردد الدول العربية في الانخراط ميدانيًا، وتصلب الموقف الإسرائيلي الذي يحوّل "القوة الدولية للسلام" إلى "قوة بإذن إسرائيلي".
وفي المحصلة، تبدو غزة اليوم أمام مفترق حاسم، فبينما تتحدث واشنطن عن شراكة دولية لإعادة الإعمار، تضع إسرائيل يدها على مفاتيح المرحلة المقبلة، لتصبح هي الحكم الأخير في تحديد من يشارك ومن يُستبعد.