موجة أكاذيب لتشويه موقف فرنسا من التطرف الاسلامي

من المقاطع والصور المفبركة: ماكرون يسيء لعمر بن الخطاب والسيدة عائشة، شرطي فرنسي ينزع حجاب امرأة مسلمة بالقوّة، قوات فرنسية تقتحم مسجدا بعد خطاب الرئيس.


لا تظاهرات تحت بيت ماكرون بل تجمع لمسلمين في المانيا


"مسلمون يثورون على ماكرون" والحقيقة مشجعو كرة قدم يحتفلون بفوز ناديهم


لا توجد لافتة تمدح الاسلام على لسان الملكة اليزابيث في شوارع بريطانيا

نيقوسيا - "فرنسا أعلنت أن منفّذ هجوم نيس ليس مسلماً"، و"قاتل المدرّس الفرنسي لاقى تشييع الأبطال"، أما الرئيس الفرنسي فيواجه "تظاهرات تحت بيته" ويتلقّى "توبيخ الأطفال في المدارس على مواقفه الأخيرة من رسوم الكاريكاتور"، في وقت "تتعرّض المحجبات الفرنسيات لعنف الشرطة و إكراههنّ على خلع الحجاب"، و"يقتحم الأمن الفرنسي المساجد مروّعاً من فيها".
هكذا تبدو صورة فرنسا، بحسب الأخبار والصور والمقاطع الكاذبة التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي بالعربية في الأسابيع الماضية، إثر اعتداءين نفذهما إسلاميان في باريس ونيس، ومواقف الرئيس إيمانويل ماكرون المدافعة عن حرية التعبير في قضية نشر رسوم كاريكاتوريّة تتناول النبيّ محمد.
وأصدرت خدمة تقصّي صحّة الأخبار في وكالة الصحافة الفرنسية تقارير حققت في 25 من هذه الأخبار والصور والفيديوهات كانت من الأكثر انتشاراً، ونشرتها على الموقع الإلكتروني الخاص بها "في ميزان فرانس برس".
في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اقتحم شاب تونسي كنيسة في مدينة نيس بجنوب شرق فرنسا وقتل ثلاثة أشخاص فيها، بعد نحو أسبوعين من إقدام لاجئ شيشانيّ على قطع رأس المدرّس سامويل باتي في باريس لعرضه رسوماً كاريكاتورية للنبيّ في سياق درس عن حريّة التعبير.
وبعد وقت قصير على اعتداء نيس، ظهر مقطع على مواقع التواصل بالعربية قيل إنه يُظهر مسؤولاً قضائياً فرنسياً يؤكّد أن لا علاقة لمنفّذ الهجوم بالإسلام، لكن المسؤول لم يكن يتحدّث عن منفذ هجوم نيس إبراهيم عويساوي، بل يروي في الحقيقة وقائع جرت في مدينة أفينيون حيث قام رجل مضطرب يحمل مسدسا بتهديد المارة قبل أن تقتله الشرطة.
وأثارت جريمة قتل سامويل باتي الكثير من الأخبار المضلّلة، منها ما قيل إنه يُظهر لحظة قتل منفّذها برصاص الشرطة، لكنه يعرض في الحقيقة حادثة وقعت قبل عام ولا علاقة لها بالأحداث الأخيرة.
وتداول مستخدمون فيديو قيل إنه يُظهر جنازة الشيشاني الإسلامي المتطرّف منفّذ الاعتداء، لكن المقطع يصوّر في الحقيقة آخر توفي عام 2018 في سجن روسي في سيبيريا حيث كان يمضي عقوبة بالسجن 15 عاماً لإدانته بقتل ضابط.
أكثر من مليون و400 ألف مشاهدة حققها مقطع لفتاة فرنسية مسلمة من أصل إفريقي قيل إنها توبّخ ماكرون على مواقفه بشأن رسوم النبي.
لكن المقطع مركّب في الحقيقة من مشاهد عدّة، منها فيديو حين حيّته الفتاة، ولم توبّخه كما ادّعى التعليق الصوتي المضلّل.
وانعكس الجدال المذهبي المتوتّر في المنطقة الذي تشهده أحيانا مواقع التواصل الاجتماعي، على الأخبار غير الصحيحة المنتشرة حول فرنسا. فظهر فيديو قيل إنه يصوّر ماكرون ينسبُ للخليفة الثاني عمر بن الخطاب وزوجة النبي عائشة أقوالاً وأفعالاً قائلاً إن فيها إساءة إلى رسول الإسلام، لكن المقطع لا علاقة لها بخطاب ماكرون الذي تحدّث فيه عن قيم الجمهورية الفرنسيّة والعلمانية وحريّة التعبير.
في المقابل، نشرت تعليقات تشيد بـ"حكمة" قادة أوروبيين آخرين بالمقارنة مع مواقف ماكرون. فظهرت على فيسبوك وتويتر صورا قيل إنها مقولة للملكة إليزابيث تمدح فيها الإسلام وقد رُفعت في شوارع بريطانيا.
لكن اللافتة الأصلية فيها تصريح للملكة عن التباعد الاجتماعي في ظلّ انتشار وباء كوفيد-19.
كذلك تناقل مستخدمون على فيسبوك وتويتر وإنستغرام صورا قيل إنها تُظهر المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مع ألمانيات مسلمات محجّبات، للإشارة الى أن ميركل أكثر احتراماً للإسلام في بلدها من ماكرون في فرنسا.
لكن الادعاء خطأ، فالصورة تُظهر بين سيّدات أعمال سعوديات.
وإن كانت تصريحات الرئيس الفرنسي أثارت جدلأً وانتقادات في العالم الإسلامي. لكن عدداً من ردود الفعل التي تحدّثت عنها صفحات مواقع التواصل كانت غير صحيحة.
تداول مستخدمون، لا سيّما في مصر، شريط فيديو قالوا إنه يُظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي يردّ بحدة على ماكرون.
وصحيح أن السيسي أعرب أواخر الشهر الماضي عن رفضه الإساءة للقيم الدينية، لكن الفيديو المتداول لا علاقة له بذلك، بل يعود لكلمة من العام 2019 ردّ فيها على سؤال صحافي حول حقوق الإنسان في مصر.
في تونس، ظهر على مواقع التواصل خبر مفاده أن الرئيس قيس سعيّد زار مدينة نيس بشكل مفاجئ لإبداء تضامنه مع الشعب الفرنسي بعد الهجوم على الكنيسة، وهو ما لم يحدث.
أما على صعيد ردود الفعل الشعبية، فخرجت بالفعل تظاهرات في عدد من دول العالم الإسلامي ندّدت بفرنسا. لكن كثيراً مما ضجّت به مواقع التواصل غير صحيح، مثل ما قيل إنه يصوّر مسلمين "يثورون" على ماكرون في فرنسا، وقد تبيّن لخدمة تقصّي صحّة الأخبار أنه المقطع مصوّر في آب/أغسطس الماضي، ويُظهر مشجّعي فريق باريس سان جرمان بعد فوزه في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.
كما نُشر ما قيل إنه لتظاهرات تحت بيت ماكرون، لكنه في الحقيقة في ألمانيا، أثناء تظاهرة احتجاجاً على قمع المسلمين الأويغور في الصين.
وظهر لحشد ضخم يقدّر بمئات الآلاف، قيل إنه لتظاهرة ضدّ فرنسا في إندونيسيا أو في نيجيريا. لكن تبيّن أن الفيديو يصوّر في الحقيقة قبل سنوات مولد شيخ سنغالي متصوّف يحظى باحترام كبير في بلده والجوار.
وانتشرت مقاطع كثيرة مماثلة، منها مقطع قيل إنه حديث في القدس، لكن تبيّن أنه مصوّر عام 2017، ومقطع قيل إنه لتظاهرة في تركيا أو باكستان، لكن تبيّن أنه العام الماضي، ومقطع آخر قيل إنه لاحتجاجات في الصومال، تبيّن أنه يظهر في السودان عام 2012.
وظهر على مواقع التواصل فيديو قيل إنه يصوّر في فرنسا، مرفقا بعبارة "لعنة الله عليك يا ماكرون"، لكن الفيديو مؤلّف في الحقيقة من مجموعة مقاطع مصوّرة لا علاقة بها بفرنسا.
وفي السياق نفسه، ظهر مقطع قيل إنه يُظهر شرطياً فرنسياً ينزع حجاب امرأة مسلمة بالقوّة، لكن الفيديو في الحقيقة استخدم القوة المفرطة ضد موقوفة غير محجّبة أصلاً، ثم أحيل إلى القضاء في كندا.
وانتشر مقطع قيل إنه يصوّر الشرطة الفرنسية تعتدي على رجل مسلم، لكن الفيديو عام 2019.
وظهر فيديو قال ناشروه إنه يصوّر اقتحام الشرطة الفرنسيّة مسجداً في باريس بعد حديث ماكرون عن التطرّف الإسلامي، لكن الفيديو في الحقيقة يُظهر إخلاء الشرطة الفرنسية مسجداً مقاماً في عقار تابع للبلدية بعد انتهاء عقد الإيجار.
وفي إطار الهجوم على فرنسا، ظهرت على مواقع التواصل أخبار أرادت نبش الماضي الاستعماري الفرنسي، لكنها أخطأت في اختيار الصور والمواضيع.
فنشرت صورا قيل إنها تُظهر تجاوزات عنصريّة للاستعمار الفرنسي في الكونغو، مصوّرة في الحقيقة في ظلّ الاستعمار البلجيكي لهذا البلد الإفريقي.
وفي السياق نفسه، نُشرت مقاطع قيل إنها تُظهر جنوداً مسلمين استقدمتهم فرنسا كدروع بشريّة من مستعمراتها إبان الحرب العالمية الثانية. لكن الصورة في الحقيقة تصوّر أثناء الحرب العالمية الأولى.
وظهرت أيضاً أخبار متفرقة ذات صلة، منها على أنها لشاب يوزّع مصاحف في فرنسا للتعريف بالإسلام، وهي في الحقيقة تُظهر شاباً قبل ست سنوات، ولا علاقة لفرنسا بالأمر.