موريتانيا تبتز الخليج بإيران

استخدمني في الابتزاز، لكن لا تنس حصتي

لندن ـ تراقب دول الخليج عن كثب مساعي الرئيس الموريتاني ولد عبدالعزيز للتقارب مع إيران بعد ان خسر آخر أوراقه بسقوط نظام القذافي.

وقام الرئيس الإيراني الأحد بزيارة خاطفة لنواكشوط استغرقت عدة ساعات ردد فيها شعاراته المعتادة لكنه ربط هذه المرة بين تقارب بلاده مع موريتانيا والحرب ضد رأس المال العالمي.

وترى طهران في توجهات ولد عبدالعزيز فرصة ذهبية لتثبيت قدميها في شمال افريقيا وغربها بعد أن فتحت لها نواكشوط البوابة.

وتريد إيران أن تعوض في موريتانيا ما فقدته في المغرب بعد إغلاق سفارتها هناك وتتركز جهودها على التبشير في مناطق في افريقيا من خلال التقاط ما تركته المراكز الإسلامية السعودية بعد انسحابها من هناك عقب احداث سبتمبر.

ويعول الرئيس الموريتاني على "الخبرات الإيرانية" في دعم استثمار الموارد الطبيعية وتنميتها في البلاد، متغاضياً عن سلسة من الإخفاقات والأزمات التي منيت بها طهران في هذا المجال.

وتعاني إيران من أزمة في المشتقات النفطية، وهروب شركات تطوير واكتشاف النفط والغاز، وتوقف العديد من مشاريع التطوير في حقولها في الخليج العربي بسبب ضعفها في مجال الاستكشاف.

وترى المعارضة الموريتانية تبعاً لذلك ان "عبدالمعين" الايراني هو من يحتاج للعون في تطوير خبراته لا موريتانيا.

ويتهم ولد عبدالعزيز الدول الأوروبية بأنها تستفيد من خيرات موريتانيا مقابل مبالغ تافهة.

والتعاون الموريتاني الإيراني حديث نسبياً وتمتد جذوره إلى يناير/كانون الثاني 2010 عندما زار وفد موريتاني رفيع طهران ودعا حينها وزير الاقتصاد الموريتاني سيدي ولد طه الايرانيين للاستثمار في بلاده، فتلقفت طهران الدعوة وأغرقت نواكشوط بسيل من الوعود التي لم تنفذ منها ما يذكر.

وحينما خرجت اسرائيل من نواكشوط وعدت ايران بتكملة ما بدأ الاسرائيليون في بنائه وهو مستشفى ومركز للسرطان وكان الوعد على لسان منوشهر متقي وزير الخارجية الايراني انذاك.

كان ذلك المستشفى الذي بدئ في بنائه عام 2000 قد تعرض لمراحل متقلبة من التعطيل والبناء الى ان اكتمل وقبل افتتاحه باسابيع تم طرد السفير الاسرائيلي الذي كان يستعد لحفل الافتتتاح، وكان المسشفى ممولاً من قبل الحكومة الاسرائيلية وجمعية اميركية يهودية.

وشاعت معلومات مفادها أن الحكومة الموريتانية طردت السفير الإيراني بعد ان دفعت إيران لها عشرة ملايين دولار، وكان مسربو تلك المعلومات هم الاسرائيليين بالطبع.

وتتحدث المعارضة الايرانية عن مخطط ايراني لاستغلال موريتانيا كقاعدة لنشاطاتها في غرب افريقيا ولمحاصرة المغرب من الجنوب.

وتشير الى بناء ايران ميناءً توحي ضخامته بأنه معد لاستقبال حاويات ومعدات تصفها المعارضة بأنها "مشبوهة" لا لصيد الاسماك.

وتؤكد مصادر في المعارضة ان طهران ستقيم في الميناء قاعدة عسكرية تخصص لتدريب خلايا تكلف بزرع القلاقل في المنطقة.

وتشير "ايران مانيف" الى ان وزير الدفاع الايراني زار نواكشوط واتفق مع نظيره الموريتاني على ارسال متطوعين موريتانيين لتدريبهم في إيران على مكافحة الارهاب.

لكن المعارضة الإيرانية ترى ان المشروع يعد لبناء وحدات قتالية خفيفة تابعة لايران في موريتانيا لدعم عمليات التنظيمات الاسلامية المتشددة والتي تقاتل في الجزائر وتحاول حالياً العمل ايجاد موطئ قدم في الجنوب المغربي.

وترى تقارير فرنسية دبلوماسية رسمية أن النشاط الايراني في اتجاه تقوية العلاقات مع موريتانيا يصب في صالح تدعيم الموقف الجزائري من الصراع في الصحراء المغربية، وأن طهران تحاول دفع الحكومة الموريتانية للتخلي عن موقفها المحايد والتخندق في صف الجزائر.

ابتزاز

ويرى مراقبون في التقارب الإيراني الموريتاني محاولة "لابتزاز" دول الخليج.

ويقول الهيبة ولد الشيخ سداتي المدير التنفيذي لموقع "الاخبار إينفو" إن الحكومة الموريتانية "تقوم بسياسة دبلوماسية لا تخضع لأي معايير دبلماسية معروفة".

ويشير ولد الشيخ سداتي في تصريح لإذاعة السراج إلى أن "موريتانيا تبتز الدول لجلب الاستثمارات الخارجية" مدللاً على ذلك "بزيارة الأمير السعودي الوليد بن طلال بعد زيارة الوزير الأول لإيران ومروره بسوريا".

ويصف الموقف الموريتاني بأنه "فشل كبير في اقامة علاقات الطبيعية مع دول الجوار مثل السنغال والجزائر ونتيجة لذلك توجه النظام لأنظمة متهاوية مثل النظام الليبي الذي سانده في فترة وانقلب عليه في فترة أخرى".

ويؤكد سداتي ان موريتانيا "تتعاون الآن في مهمة إنقاذ القذافي والتي ستفشل ايضاً".

ويوضح أن "النظام الموريتاني وضمن سلسلة تخبطه اقترب من النظام السوري الذي قام الوزير الأول بزيارة له تبحث العلاقات والتعاون حسب ما هو معلن، وفي الخفاء تحاول إرسال رسائل للدول الخليجية بأن إيران وجهت الوزير الأول وعليهم دفع المال مقابل أن تستمع لهم حكومة موريتانيا وهو ما تم بالفعل".

ويخلص إلى القول بأن "سياسة موريتانيا لا تسر الصديق ولا تغيظ العدو وتمتهن التسول والابتزاز".

ويعتقد مراقبون أن ولد عبدالعزيز لن يفلح في إثارة اهتمام دول الخليج التي أصبحت تنتهج استراتيجيات مختلفة في التعامل مع المعادلات الجديدة في المنطقة.

وأغلقت الدبلوماسية الإماراتية على سبيل المثال الباب في وجه منطق المساومات في قضايا الابتزاز السياسي التي تعتمد على التلويح بالعلاقة مع إيران.

وفي الجانب الآخر يتحدث الفرنسيون عن طلبات رئيس الجمهورية الموريتاني المتكررة والملحة للاموال وتقوية حرسه الجمهوري بالمعدات، وتقول باريس إن ولد عبدالعزيز يستخدم فزاعة الارهاب لاستدرار الدعم الغربي.

لكن خيبة الأمل التي أصابت الرئيس الموريتاني من حقيقة أن الفرنسيين استغلوا موارد البلاد وآلياتها دون ان يقدموا شيئاً يذكر، دفعته إلى استحضار الفزاعة الايرانية ليبدأ في تقوية علاقاته بها لعل الغرب والخليج يعود لدعمه مالياً.

وأصر نجاد خلال زيارته لنواكشوط على ان يكون اجتماعه مع ولد عبدالعزيز انفرادياً تماماً مع استبعاد افراد الوفد الايراني والشخصيات الرسمية الموريتانية، مما أثار علامات استفهام حول ما دار في اللقاء، وحقيقة عقد نجاد اتفاقات فردية مع الرئيس الموريتاني وتعهده بدعمه مستقبلاً.

الرد الخليجي

وقالت مصادر موريتانية رفيعة المستوى لوكالة الانباء الالمانية ان هناك أزمة صامتة بين الإمارات وموريتانيا على خلفية تقارب الأخيرة مع ايران.

ونقلت وكالة الاخبار الموريتانية الاحد عن المصادر قولها إن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز توقف في دبي بالإمارات خلال عودته من زيارته للصين ورفض النزول من الطائرة بعدما ابلغه السفير الموريتاني لدى الإمارات بخفض مستوى مستقبليه في المطار.

واعتبر المصدر الإجراء الاماراتي احتجاجاً على العلاقات الموريتانية الإيرانية المتطورة، والتي توجت بزيارة نجاد، فضلاً عن رفض موريتانيا الاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي الذي دعمته الإمارات إلى جانب عدد من الدول العربية ودول العالم الاخرى.

وقالت المصادر إن الإمارات ومن خلال "خفضها" لمستوى استقبال الرئيس الموريتاني أرادت "إيصال رسالة احتجاج إليه" على مواقفه المعادية للدبلوماسية الإماراتية، بعد رسائل متعددة سبق وأن أرسلتها له من بينها طرد عدد من الموريتانيين العاملين في الإمارات وخصوصاً في سلك الشرطة هناك.

وتشعر دول خليجية أخرى مثل قطر والكويت بأن النظام القائم في موريتانيا غير جاد في توطيد العلاقات الثنائية بفعل الإساءة المتكررة لقادتها في وسائل إعلام محلية كما تقول وكالة الاخبار الموريتانية المستقلة.

وتشير الوكالة الى أن "الوضع بين قطر وموريتانيا تدهور بشكل كبير بعد إحراق صور الأمير القطري الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمام منزل السفير القطري بنواكشوط تحت حراسة الأجهزة الأمنية التي رفضت التدخل بحجة احترام حق التظاهر للموريتانيين، بينما كانت وسائل الإعلام المحلية والعالمية تنقل قمع الشرطة ذاتها للمتظاهرين بساحة أبلوكات لمجرد مطالبتهم بإعادة قطعة أرضية إلى ملك الدولة".

من جانبهم ينظر السعوديون إلى تصرفات الرئيس الموريتاني بمزيد من الاستغراب والترقب؛ فحين اعلن عن مبادرة خليجية للتوسط بين الرئيس اليمني ومعارضيه اندفع الرئيس الموريتاني لدعم الرئيس صالح وأبدى استعداد لتقديم العون.

وتم تجميد معظم المشاريع الخليجية في موريتانيا بسبب تصرفات حكومتها وعدم قدرة رئيسها على بناء علاقات جيدة مع دول الخليج.

وبدا التخبط الموريتاني واضحاً في دعم صالح في الوقت الذي تقف فيه ايران حليفته ضده.

وبدا الوضع متوتراً حين فاجأ عبد الله بشارة رئيس مجلس إدارة شركة شمال إفريقيا القابضة الأوساط المالية بموريتانيا بقراره تأجيل الدراسات الخاصة بالاستثمار في موريتانيا إلى الأعوام المقبلة، لافتاً إلى أن شركته تعمل بحذر في الدول الإفريقية خاصة المشوبة بالاضطرابات السياسية التي تشهدها المنطقة.

كما توقفت حسب وكالة الاخبار الموريتانية المستقلة بعض المشاريع القطرية التي كانت الدوحة تنوي القيام بها في نواكشوط بعد سحب ولد عبدالعزيز قطع أراضٍ كانت مقدمة للقطريين من قبل الحكومة السابقة مقابل بعض الاستثمارات المهمة، ليبيعها في وقت لاحق لثلاثة من أقاربه مما أثار جدلاً واسعاً داخل الساحة السياسية والشبابية بشكل خاص.