'موفيطا' مأساة الفقر والكرامة بلغة سينمائية حية
شهدت مدينة طنجة انطلاق عروض المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ضمن فعاليات المهرجان الوطني للفيلم، الذي يستمر إلى غاية السبت المقبل. وكان من أبرز العروض في اليوم الافتتاحي عرض فيلم "موفيطا" (طقس سيء) للمخرج الغزواني معدان، الذي يمتد على مدى 118 دقيقة، ويعد أول تجربة روائية طويلة له بعد نجاحه في الفيلم القصير "غربان" الذي توّج بالجائزة الكبرى وجائزة النقد في دورة 2018 من المهرجان ذاته.
ويقدّم الفيلم حكاية عائلة فقيرة تعيش في أحد أحياء الثمانينيات الهشة، عبر عيون طفل يبلغ من العمر عشر سنوات يعيش مع والده ووالدته وشقيقه الرضيع في منزل موروث عن الجد، وبينما يحاول الأب الذي يجسده الممثل عبدالنبي بنيوي مجابهة ضغوط الحياة اليومية وتدبير لقمة العيش، تتفاقم معاناته حين يطالبه شقيقه بنصيبه من الإرث، ليتم اقتسام المنزل بينهما بطريقة تجعل الأسرة محرومة من المرحاض الوحيد الذي أصبح في جهة العم، وهذا الحدث البسيط ظاهرياً يتحول إلى مأساة رمزية، إذ يجد أفراد العائلة أنفسهم في مواجهة انتهاك إنسانيتهم الأساسية، إذ يتحول قضاء الحاجة اليومية إلى معركة يومية ضد العوز والإذلال.
يتعامل الغزواني معدان مع فكرة الفقرة كحالة وجودية وإنسانية متجدرة، يوظف من خلالها المرحاض كرمز لفقدان الكرامة، حينما يصبح غياب هذا الفضاء الصغير علامة على الانكسار والحرمان الطويل، ويبرز تكوين اللقطات مأزق الإنسان المغربي في فترات اقتصادية قاسية، حين يتحول الواقع الاجتماعي نفسه إلى طقس سيء، أي إلى حالة عامة من الاختناق الوجودي، تتجاوز المطر والبرد لتطال القلوب والعقول.
وينقل المخرج الغزواني معدان أسلوبه المميّز من فيلمه القصير "غربان" إلى "موفيطا" عبر اعتماد لقطات بطيئة، وإيقاع سردي متأنٍ، يركّز على الجزئيات الصغيرة كطريقة لوصل المعنى الكبير الكامن خلف التفاصيل اليومية، بينما تستفيد المشاهد من ديكورات بسيطة ومضبوطة بعناية تعزز الشعور بالاختناق داخل فضاء العائلة، كما أبدع المخرج في استخدام الضوء والظل لإبراز التناقض بين الداخل والخارج لعائلة فقيرة، وبين الفقر الداخلي للانسان والخراب الاجتماعي الذي يبدأ من الاسرة، وهذه المعالجة البصرية تجعل المتفرج يعيش داخل المأساة دون خطابة أو مباشرة، بل عبر تراكم المشاعر الخافتة التي تتحول تدريجياً إلى مأساة صامتة.
ويُعد أداء عبد النبي بنيوي في دور الأب أحد أهم نقاط القوة في العمل، كونه يقدّم صورة مركّبة للأب المقهور الذي تكسره الحياة دون أن تُطفئ فيه روح الكرامة، ويتحدث جسده بقدر ما يتحدث صوته، في تجسيد دقيق للانكسار الداخلي. كما تألقت هاجر كريكع في دور الأم، مجسّدةً صورة المرأة الصامدة في وجه العوز والمرض والخذلان، فيما قدّم الممثلان محمد مروا وعبد الغني الصناك حضوراً داعماً متماسكاً أضاف بعداً إنسانياً للدراما العائلية.
ويتجاوز فيلم "موفيطا" حدود السرد الواقعي إلى مساحة من الرمزية الاجتماعية والسياسية، إذ يطرح سؤال الكرامة في مجتمع لا يمنح للفقراء سوى بقايا الأمل. من خلال مأساة المرحاض، إذ يذكّرنا العمل بأن الفقر يُقاس بما نملكه وبما نُحرم منه من أبسط حقوقنا الإنسانية، وهذه الفكرة، رغم بساطتها الشكلية، تُقدَّم عبر بناء سينمائي متين ولغة صامتة أحياناً، ناطقة بالوجع في كثير من الأحيان.
وجاء عرض “موفيطا” ضمن منافسة قوية ضمّت خمسة عشر فيلماً روائياً، من بينها "أفريكا بلانكا" لعز العرب العلوي، و"في حب تودا" لنبيل عيوش، و"المرجا الزرقا" لداوود أولاد السيد، و"الوصايا" لسناء عكرود، وأرض الملائكة” لرشيد فكاك. إلا أن "موفيطا" هو أول أفلام المخرج الشاب، وقد يتميّز عن البقية بجرأته البصرية وبمقاربته غير المباشرة للفقر، مبتعداً عن الخطاب الدعائي أو التلفزيوني، ليقدّم سينما إنسانية صافية تتحدث بلسان من يعيشون في الظل وبلغة الصورة التي هي لغة السينما أساسا.
ويوقّع الغزواني معدان اسمه ضمن الجيل الجديد من المخرجين المغاربة الذين يراهنون على السينما كأداة للتفكير لا للتسلية، وعلى الصورة كوثيقة إنسانية ضد النسيان، كون فيلم "موفيطا" هو مرثية للفقراء وصلاة للكرامة، يذكّرنا بأن الطقس السيء الحقيقي ليس المطر، وإنما الظلم الاجتماعي الذي يبلّل كرامة الإنسان قبل ثيابه.