مولاي عبدالعزيز: الممثل قطب الرحى في أي عمل مسرحي

المخرج والسينوغرافي المغربي يؤكد أن علاقة الفنان التشكيلي بالسينوغراف علاقة تكامل.


الجمع بين الإخراج والتصور السينوغرافي يكون أسهل حينما أكون سيد العمل المسرحي


لا أحد منا يختلف حول فكرة أن المسرح عمل جماعي وبالتالي فعلى السينوغراف أن يختار فريق عمله بكل دقة

تعد تجربة مولاي عبدالعزيز العلوي مهير السينوغرافي والفنان التشكيلي والمخرج أحد أبرز التجارب في المشهد المسرحي المغربي، بفضل تنوعها وثرائها ونشاطها وحضورها بين مختلف أجيال المسرح المغربي، فقد قدم مولاي عبدالعزيز عشرات المسرحيات جمع فيها بين الإخراج والسينوغرافيا وأخرى قدم سينوغرافيتها متعاونا في ذلك مع كتاب ومخرجين من مختلف التيارات المسرحية المغربية والعربية، من بينها سينوغرافيا وإخراج مسرحية "ما انا إلا بشر" تأليف عبدالاله بن هدار، وسينوغرافيا وإخراج مسرحية "رحلة حنظلة" تأليف سعدالله ونوس، وسينوغرافيا وإخراج مسرحية "قصة حديقة الحيوان" تأليف إدوار أولبي، وسينوغرافيا وإخراج مسرحية "جحا والشرق الحائر" تأليف رجاء فرحات، وسينوغرافيا مسرحية "عطيل بين الحلقة ولوطيل" إخراج عبداللطيف فردوس، هذا بالاضافة إلى مشاركاته في ورش عمل خاصة بالإخراج وكتابة السيناريو والسيينوغرافيا. وفي هذا الحوار معه نتعرف على رؤاه وتجاربه السينوغرافية والإخراجية وتجليات تجربته منذ انطلاقها.
بداية يكشف مولاي عبدالعزيز عن تجليات البدايات وأثرها في تكوينه مخرجا وسينوغرافيا، يقول: اكتشفت ولعي بالمسرح مبكرا.. ففي الوقت الذي اتجه جل أترابي من الأطفال لممارسة كرة القدم وجدتني مدفوعا بقوة غامضة إلى فضاء يسمى "دار الشباب" وهي مؤسسة تابعة لوزارة الشبيبة والرياضة. كان ذلك في نهاية السبعينيات وبالضبط سنة 1967. كانت دور الشباب آنذاك تستقطب اليافعين والشباب لتكوينهم في مختلف المجالات "الرياضة – المسرح - الأعمال اليدوية - الرسم والتشكيل - الرحلات وغيرها من الأنشطة الأساسية لتكوين وصقل مواهب الناشئة. إني من الجيل الذي تربى داخل أسوار هذه المؤسسات، ومدين لـ "دور الشباب" بكل ما وصلت إليه اليوم، فبهذه المؤسسة تكون لدي شغفي الأول بالمسرح وبها تلقيت أبجدياته على يد أستاذي الفنان عبداللطيف الملاخ والأستاذ عبدالجليل بلكبير، وبها صقلت موهبتي في الرسم والأعمال اليدوية الذي أهلني لاحقا لولوج عالم السينوغرافيا. وبها تشكل وعيي السلوكي والتربوي المفروض توفرهما في الفرد خاصة في هذه المرحلة العمرية. كانت هذه الدور مجهزة احسن تجهيز في الستينيات من طرف اليونيسكو واليونسيف الشيء الذي ساعد مؤطرينا وساعدنا على الاحتكاك بالمادة التي نشتغل عليها.

أمور تغيرت كثيرة منذ إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وهو معهد يقوم بالتكوين الأساسي في ميادين المسرح وفنون العرض والتمثيل والإخراج والسينوغرافيا وغيرها من التخصصات

ويضيف: بعد هذه المرحلة سأنخرط في ما يعرف بمسرح الهواة الذي يعد مشتلا خصبا تخرج منه أغلب مسرحيينا. أتيت إلى مسرح الهواة محملا بكل ما تلقنته من أبجديات الممارسة المسرحية، وهنا سألتقي بأستاذي د.ابراهيم الهنائي وبعدد من الشباب الممارس للمسرح بمختلف الأندية والجمعيات من بينهم المخرج عبداللطيف فردوس الذي سأرتبط به بالإضافة إلى المسرح الهاوي بمسرح الطفل الذي أنجزت بطلب منه وإلى جانبه سنوغرافيا العديد من المسرحيات. لا بد من ذكر التاثير الإيجابي للدكتور الهنائي كواحد من المسرحيين الكبار الذين زاوجوا بين التكوين الأكاديمي والممارسة العملية كمخرج ودراماتورج ومكون في مجال المسرح وهو واحد من الذين شكلوا وعيي ورؤيتي في الإخراج المسرحي، خاصة وأنه أتى وقتها من باريس محملا بتجربة كبيرة لم يتوان في نقلها إلينا بكثير من نكران الذات، فعن طريقه تعرفنا على العديد من التجارب المسرحية في الغرب وفي أوروبا الشرقية. استفدت أيضا من طريقة إدارته للممثل وكذا تقنيات الإخراج المسرحي.
ويوضح مولاي عبدالعزيز أنه بمعية د.الهنائي خضنا تجربة المسرح الجامعي حيث أسسنا "محترف ديونيزوس" أواخر الثمانينيات، وكان آنذاك تابعا إداريا لرئاسة جامعة القاضي عياض بمراكش. بهذا المحترف أصبح تكويني المسرحي أكثر نضجا على مستوى الإخراج أو على مستوى التصورات السينوغرافية التي أنجزتها للعديد من المسرحيات. وخلال هذه الفترة الممتدة لأكثر من عقد من الزمن كنت قد اطلعت على العديد من المؤلفات باللغتين العربية والفرنسية التي تعد مرجعا أساسيا لكل ممارس للمسرح. وخلال هذه القترة شاركت في العديد من الملتقيات والمهرجانات، كما شاركت في العديد من ورشات التكوين التي كانت تنظمها إدارة المهرجان الدولي للمسرح الجامعي، وكذا استفدت من التكوين الذي كانت تنظمه وزارة الشبيبة والرياضة بغابة المعمورة لفائدة ممارسي مسرح الهواة حيث تكونت على يد أستاذ الأجيال المرحوم الطيب الصديقي وعلى يد المسرحي والمخرج الهاشمي بنعمرو أطال الله في عمره في مجال السينوغرافيا.
ويلفت: الفنون التشكيلية هي عشقي الأول ولعل تلك القوة الغامضة التي حدثتك عنها سابقا هي علمي بان "دار الشباب" تعطي الفرصة لمن يريد ممارسة الرسم والتشكيل بها وأنها تتوفر على كل الأدوات اللازمة لممارسة الرسم والأعمال اليدوية من أصباغ وأقلام ملونة وأوراق وغيرها. بهذه المؤسسة صقلت موهبتي في التشكيل وبها رسمت العديد من اللوحات الفنية والجداريات وأنجزت أولى ديكورات المسرحيات التي كنا نتدرب عليها ونقدمها في مختلف المناسبات. واكتشفت لاحقا أن كلا من الفنان التشكيلي والسينوغراف يستخدمان نفس الأدوات ونفس المواد تقريبا إلا أن السينوغراف يتجاوز الفنان التشكيلي إلى الاشتغال على المنظور وعلى الكتل والمجسمات، كما يوظف الإضاءة والصور الفوتوغرافية والملصقات والأشرطة المرئية وغيرها من الدعائم التي يمكن توظيفها لخدمة عرض مسرحي معين. تنصب أساسا على تأثيث فضاء اللعب. إن علاقة الفنان التشكيلي بالسينوغراف علاقة تكامل وغالبا ما ينبهر الفنان التشكيلي بما يوظفه السينوغراف من تقنيات تتجاوز حدود ما تعود استخدامه كرسام.
ويؤكد مولاي عبدالعزيز أن الجمع بين الإخراج والتصور السينوغرافي يكون أسهل حينما أكون سيد العمل المسرحي، حينها أحاول جاهدا تفسير النص المسرحي من خلال رؤيتي وقناعاتي الفكرية والجمالية مراعيا الإمكانات الجسدية والفيزيقية للممثلين الذين اشتغل معهم، كما أني أفتح معهم النقاش حول الفضاءات التي يرون أنهم بحاجة إليها من أجل أداء سليم لأدوارهم، بعد ذلك انتهي إلى وضع تصوري النهائي بعد مناقشة مختلف المتدخلين في إنجاز ما تم الاتفاق حوله. أما حينما يكون الاشتغال مع مخرج آخر فإن المسألة تأخذ بعدا آخر وتكون أكثر تعقيدا، فللمخرج تصوره ورؤيته المختلفة والتي ليست بالضرورة هي قناعاتك كسينوغراف، أنت تحاول الوصول مع المخرج إلى ما يرضيه ويحقق تصوره، لهذا يحاول أغلب المخرجين اليوم الجمع بين الأمرين بينما يتحول السينوغراف إلى مشرف على إنجاز تصورات المخرج السينوغرافية.

ويشير إلى أنه لا أحد منا يختلف حول فكرة أن المسرح عمل جماعي وبالتالي فعلى السينوغراف أن يختار فريق عمله بكل دقة من مصممي الأزياء وإنجاز الديكور وواضعي تصميم الإضاءة ومهندس الصوت إلى غيرهم من المتدخلين في العملية الإبداعية، لذلك فالسينوغراف مطالب بعد الاستشارة مع مخرج العمل المسرحي والاطلاع على تصوراته بأن ينجز هذا التصور بكل دقة وأن يمرر هذا التصور لبقية الفاعلين. فالسينوغلراف هو المسؤول الاول أمام المخرج عن النتيجة المحصل عليها في النهاية، لذلك فكلمته تكون غالبة وفاصلة كرئيس للفريق إلى جانب المخرج فالسينوغرافيا كتابة مشتركة مع المخرج الذي تكون له الكلمة الأخيرة.
ويقول مولاي عبدالعزيز "شخصيا أؤمن بطاقات الممثل الجبارة والتي تجعله قطب الرحى في أي عمل مسرحي، فلا أهمية في نظري لكل العناصر السينوغرافية بمعزل عن الممثل الذي يعتبر بحق المحرك الأساسي لكل عناصرها، فالممثل له القدرة على التفاعل مع ما يحيط به من مكونات هذه السينوغرافيا سواء كانت قطعة صماء أو ضوءا منبعثا من زاوية ما، أو صوتا هاتفا من مكان ما. دون تواجد الممثل تستحيل كل عناصرالسينوغرافيا إلى مجرد قطع تصلح أن تعرض في المتاحف وقاعات عروض الفنون التشكيلية حيت تقبع في صمت رهيب. إن تفاعل الممثل مع بقية العناصر السينوغرافية ضروري من أجل إضفاء الروح عليها فعلاقته بالفضاء المسرحي يشبه إلى حد بعيد علاقة الفرد العادي بمسكنه، يؤتثه حسب ما تقتضيه راحته، وبالتالي فبالإضافة إلى العلاقة بين المخرج والسينوغراف لا بد من إرساء علاقة أخرى بين الممثل والسينوغراف الذي يحدد مجال تحركه وإرساء عناصر هذا المجال حتى يؤدي الممثل دوره على أكمل وجه.
ويرى أن متابعة عرض مسرحي من تصوري الإخراجي والسينوغرافي، يكون من أصعب اللحظات التي تمر بي، فمن خلال هذه المتابعة يتم تقييم عمل ومجهود أيام عديدة من التداريب، ومن خلالها يتم تقييم أعمال التقنيين من منجزي الديكور ومصممي الملابس وتقنيي الإضاءة كل حسب دوره الموكول إليه، فإما أن يكون النجاح حليفنا، وإما تكون هناك ملاحظات يجب الانتباه إليها وتعديلها، فالهدف دائما هو تقديم عرض مسرحي راق فكريا وفنيا، وخلال هذه المتابعة أركز بشكل أساسي على الإيقاع الداخلي والخارجي للعرض المسرحي وعلى أداء الممثلين، دون إغفال مدى تفاعل الجمهور مع أحداث المسرحية، فرضى الجمهور عن العمل يعتبر في اعتقادي المقياس الحقيقي لنجاحه أو فشله. لذا أجدني قلقا بنفس مقدار القلق الذي ينتاب الممثل قبل العرض. 
أما عن تقييمي للمخرجين الذين تعاملت معهم سينوغرافيا، فإن تجربتي مع صديقي المخرج د.إبراهيم الهنائي تبقى مميزة نظرا لما يطبعها من نقاش فكري وفني جاد وأذكر منها أعمالا اشتغلت عليها سينوغرافيا وكانت من تأليفه وإخراجه "من أخبار بن زبيبة" أو "عنترة يبحث عن اسمه"، و"خيوط من فضة" من تأليف جواد الأسدي وإخراج د.الهنائي، ومسرحية "باي باي جيلو" من تأليف طه عدنان وإخراج د.الهنائي، وأعمال كثيرة أخرى استمتعنا بإنجازها كل في مجاله قبل أن يستمتع بها الجمهور العريض، لذا فإن تجربتي مع د.الهنائي بمثابة شراكة فنية جمعت مخرجا له وزنه بسينوغراف يحمل إلى جانبه نفس الهم الفني وتواطؤا جميلا أفضى إلى تقديم عروض هي إلى الآن خالدة في ذكرى من تابعوها. وهناك تجربة أعتز بها أيضا وهي تجربتي كسينوغراف مع المبدع الفنان عبداللطيف فردوس خاصة حينما قدمنا معا أعمالا جميلة خاصة بالمسرح المدرسي ولعل من أبرزها مسرحية "الأسد الضائع" التي نالت الجائزة الكبرى بالمهرجان الوطني للمسرح المدرسي بالدار البيضاء. ويضيف مولاي عبدالعزيز "جيلنا من المسرحيين وأقصد هنا جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، جيل التمرد، جيل كان يطمح كغيره من شباب العالم إلى شجب كل أشكال الظلم والاضطهاد واللامساواة، وقد انعكست هذه الأفكار على مواضيع جل الأعمال الدرامية التي قدمناها في إطار مسرح الهواة. كان الهاجس السياسي هو الأساس وكانت الشعارات الطنانة هي المبتغى، أما الجانب الفني الاستتيقي فكان يأتي في الدرجة الثانية لعدة اعتبارات منها ما هو مادي صرف فرض علينا قسرا تبني المسرح الفقير كأسلوب للتعبير عن الرسائل التي كنا نود تمريرها، ناهيك عن غياب تام لمسارح تضمن مستوى راقيا لهذه العروض ومجهزة بالوسائل الضرورية من إضاءة وتجهيزات الصوت إلى غير ذلك. على خلاف ما هو متوفر اليوم من قاعات دور الثقافة ومسارح الجماعات المحلية المجهزة بوسائل الإضاءة والصوت وهي في خدمة الشباب العامل. 

Moroccan Theater
من جيل التمرد

تغيرت أمور كثيرة منذ إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وهو معهد يقوم بالتكوين الأساسي في ميادين المسرح وفنون العرض والتمثيل والإخراج والسينوغرافيا وغيرها من التخصصات، هؤلاء الشباب المتخرجون من هذا المعهد إلى جانب أساتذتهم حاولوا الخروج بالأنماط المسرحية التقليدية المتعارف عليها، إلى فضاء أرحب محاولين وضع هذه الأشكال موضع مساءلة، ومؤسسين لاستتيقا درامية جديدة تواكب مستجدات العصر الذي غزته التكنولوجيا الحديثة، وهناك تجارب لدى هؤلاء الشباب من خريجي هذا المعهد وأساتذتهم على مستوى الكتابة الركحية والدراماتورجية والتصور الإخراجي والسينوغرافي، يمكن الركون إليها كتجارب د.الهنائي، وأمين ناسور، وعبدالجبار خمران، وبوسرحان الزيتوني، وحسن هموش، ومسعود بوحسين وأسماء هوري، ويوسف العرقوبي وعمر جدلي وطارق الربح وغيرهم من المبدعين في مجال المسرح والسينوغرافيا، مما ينبىء بمستقبل واعد لهذا الفن النبيل. ولعل ما يحصل عليه هؤلاء الشباب من جوائز في مختلف المهرجانات خير دليل على ذلك.