نبوية موسى .. هل كانت شخصية متناقصة مع نفسها؟!

أقرب إلى فكر النخبة

يحتوي كتاب "نبوية موسى ودورها في الحياة المصرية" لمؤلفه د. محمد أبوالإسعاد على مقدمة وأربعة فصول يعرض فيها المؤلف السيرة الذاتية لهذه الشخصية باعتبارها نموذجًا فريدًا للفتاة المصرية القادرة على تجاوز واقعها، كما يتناول الكتاب دور نبوية موسى السياسي ومواقفها من تحرير المرأة.

نبوية موسى كانت أول فتاة مصرية تحصل على شهادة البكالوريا وأول ناظرة مصرية لمدرسة ابتدائية. يقول المؤلف: إن نبوية موسى من مواليد ديسمبر/كانون الأول 1886 بناحية كفر الحكما بندر الزقازيق، ونشأت يتيمة الأب، وعاشت هي وشقيقها "محمد موسى" الذي يكبرها بعشر سنوات في رعاية والدتهما، التي قامت على تربيتها من عائد معاش الأب وما تركه من أطيان، وفي طفولتها ساعدها شقيقها على تعليم القراءة والكتابة في المنزل، ولما بلغت نبوية الثالثة عشرة من عمرها تطلعت لاستكمال تعليمها، فتقدمت للالتحاق بالمدرسة السنية للبنات بالرغم من معارضة أسرتها، فحصلت على دبلوم المعلمات عام 1908 بعد أن قضت سنتين تحت التمرين في التدريس وثبتت في وظيفتها كمعلمة، وفي هذه الفترة بدأت تكتب المقالات الصحفية وتنشرها في بعض الصف، مثل مصر الفتاة والجريدة.

ويقول المؤلف: إن الفترة فيما بين 1937 / 1943 تعد من أزهى فترات نبوية موسى وأكثرها نشاطًا وحيوية وفاعلية، ففيها تعدت الخمسين من عمرها، وقامت إلى جانب إدارة مدارسها في القاهرة والإسكندرية بالمشاركة في الأنشطة التربوية العامة والمؤتمرات التعليمية، وألَّفت رواية تاريخية باسم "توب حتب" أو الفضيلة المضطهدة التي كانت تحتوي الكثير من المناقشات العلمية والأخلاقية وبطلة هذه الرواية هي "توب حتب" رئيسة إحدى دور النظام التابعة لدير آمون حيث تدور أحداث الرواية، لكنها ترمز لمصر في حالتها الحاضرة ، كما نشرت " نبوية موسى" أيضًا في هذه الفترة ديوانها الشعري، لأنها كانت شديدة الولع بالأدب والقراءة، وجاءت معظم قصائدها متعلقة بمناسبات.

ويرى المؤلف أن أفكار "نبوية موسى" السياسية كانت أقرب إلى فكر النخبة من حزب الأمة وحزب الأحرار الدستوريين، فبالنسبة لنظام الانتخاب الذي هو أساس الليبرالية السياسية النابية ترفض نبوية موسى بشدة نظام الانتخابات المباشرة التي تعطي 85 % من الأميين حق البت في مسائل ومشكلات عويصة على فهمهم، وتدعو إلى تعديل نظام الانتخابات ليصبح على درجتين، وكانت نبوية موسى تهاجم الحكم الدستوري في مصر موضحة أن الحكومات الدستورية في البلاد العريقة في أصول الدستور قد تقيد البلاد كثيرًا، وكانت تدعو نبوية إلى الحكم الدكتاتوري لأن الوزارات البرلمانية ضعيفة.

أما في الجانب الاقتصادي، فإن نبوية موسى كانت من أنصار حرية المشروع الخاص، ولذلك ذهبت إلى أن تركيز الأعمال في يد الحكومات خطر على مال الدولة وسعادة الشعب، وانتقدت بشدة أسلوب الحكومات في التدخل في الأمور الاقتصادية وإدارة ذمة المشروعات الإنتاجية وقصورها عن أن تؤدي ذلك بنفس المستوى، الذي يؤديه أفراد الشعب وجماعاته في أعمالهم الخاصة.

• الشعر

الشعر كان وسيلة نبوية موسى في كسب عطف القصر الملكي ورضائه، شأنها في ذلك شأن كل شعراء العرب مع السلطة السياسية في كل العصور، واتخذت أيضًا نبوية قرص الشعر سبيلًا في دعم مدرستها الخاصة، وذلك كلما وجدت صعوبة واجهتها من جانب أجهزة الدولة.

يذكر المؤلف أيضًا أن نبوبة موسى ربطت بين تقدم الأمم ووضع المرأة، وذهبت إلى القول بأن تقدم المرأة هو سر تقدم الأمم وقارنت بين حضارة الرومان المتقدمة وحضارة الهنود المتأخرة، وأرجعت ذلك إلى أن الرومانيين كانوا يهتمون بشأن المرأة ويسعون إلى تحريرها، أما الهنود فكانوا يبالغون في استبعادها.

وعن الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة ذهبت "نبوية موسى" إلى أن الرجال قد غالوا في تعداد الفروق الكثيرة بين الرجل والمرأة حتى كاد الإنسان يظنها نوعين متباينين مع أن قوانين الطبيعة الثابتة تبين أنه لا اختلاف بين الذكر والأنثى إلا في مسألة التناسل، ودافعت أيضًا "نبوية موسى" عن حق المرأة في العمل وتساءلت لماذا رضي الرجال للفتاة أن تكون ممرضة ومولدة تخالط الأطباء وتخضع لهم، ويتحكمون فيها ما شاءوا.

وتصدت "نبوية موسى" للقول بأن عاداتنا الشرقية لا تسمح للفتاة بالعمل، وطالبت بحق المرأة في العمل؛ لأن المعارضين لعمل المرأة يتجاهلون ما يرونه من حولهم، فالبائعة المصرية تئن تحت عبء ثقيل من الفاكهة والخضروات وتتقاذفها الطرقات، ويتناولها سفهاء لرجال بأنظارهم، فالمرأة في مصر تشقى شقاءً حقيقيًا والمصرية ليست ممنوعة من جميع الأعمال الشاقة، وهذا ما يدل على أن المرأة مدفوعة بحكم الضرورة إلى العمل، وعلينا أن نعلمها عملًا مريحًا، فقد قامت بتلك الأعمال الشاقة المتعبة، التي لا تحتاج إلى تعليم فلم تمنع النساء عندنا إلا من الأعمال الراقية فقط التي تحتاج إلى خبرة ودراية ويدفعن إلى العمل الشاق المتعب الذي لا كسب فيه إلا الكفاف.

• الحجاب

ويتطرق المؤلف إلى موقف نبوية موسى من موضوع الحجاب، حيث اتسم بالتحفظ؛ لأن "قاسم أمين" اعتبر أول خطوة في سبيل حرية لمرأة هو تمزيق الحجاب ومحور آثاره، ولكن نبوية موسى كانت تقول: إنه لا يمكن أن تقوم المرأة بأعمال نافعة إذا كانت تحت ضغط الحجاب، الذي كان معروفًا فيما مضى، ولهذا لم أضع على وجهي هذا الحجاب، الذي نص عليه الشرع، وبذلك اعتبرت نبوية موسى نفسها من أنصار السفور، لكنها خشيت أن تتكلم فيه أو تدعو إليه أو تعلن أنها من أنصاره فتلقى ما لقيه قاسم أمين من اتهامات بالرغبة في المجون والعربدة والانحلال.

• تعليم البنات

ويذكر المؤلف أن نبوية موسى دعت إلى تشجيع التعليم الأهلي للبنات؛ لأن الأمة لا تنتج إلا إذا كانت نشيطة عاملة، ولا تكون نشيطة مادام نصفها أشل لا حياة فيه، فهو بمعزل عن أعمال الدنيا، وأصبحت نبوية موسى من أصحاب المدارس الأهلية عام 1920، وعُرفت مدرستها باسم مدرسة البنات الأشراف، وأصبح لها سمعة وشهرة كبيرة، وأصبحت مصروفاتها أكثر من مصروفات المدارس الأميرية وزاد الإقبال عليها، ثم قررت" نبوية موسى "أن تمد نشاطها من الإسكندرية إلى القاهرة، وكان لها مبنى مناسب في شارع العباسية ووسعت من هذا المبنى وجعلته لائقًا وزودته بالأدوات التعليمية اللازمة، وبذلك أصبحت مدارس بنات الأشراف في الإسكندرية والقاهرة من أكبر المدارس الأهلية الحرة للبنات في مصر آنذاك.

ويشير المولف إلى أن نبوية موسى طالبت بتوحيد مناهج التعليم لكل من البنين والبنات، لأن المرأة كالرجل عقلًا وذكاءً، فما يصح في تنمية عقله يصح أن ينمي عقل المرأة، ويرى إدراكها عند غرس المعارف العمومية وتربية إدراك الأطفال، ولا بأس بعد ذلك أن يستعد كل منهم لعمله الخاص.

واهتمت نبوية اهتمامًا خاصًا برياض الأطفال، ودعت إلى الاهتمام بأدب الأطفال، فالمطالعة لها تأثيرها الحسن في الأخلاق والمعارف، ولهذا كان أفضل المدارس ما اجتهد معلموها في تنمية حب المطالعة والبحث في نفوس الأطفال، ليستفيدوا إذا كبروا ما يغرس في نفوس التلاميذ في حب المطالعة والكتب والولوع بالبحث والكشف عن الحقيقة.

وفي خاتمة الكتاب الذي صدر ضمن سلسلة مؤلفات أبوالإسعاد حول التعليم في مصر، ومنها تاريخ التعليم في مصر، وسياسة التعليم في مصر مجانية التعليم وغيرها من الكتب القيمة، خلص المؤلف إلى أن المزيج المصري الناتج من اتصال الحضارة الأوروبية الحديثة بالمجتمع المصري، تميز بتناقض شديد فلا هو استطاع أن يهضم الحضارة الأوروبية ويتمثل قيمتها ويعتنق مبادئها الإنسانية ولا هو استطاع أن يحافظ على أركان حضارته الإسلامية، ويتمسك بها والنموذج هنا هو شخصية "نبوية موسى".

ففي الوقت التي تتحدث فيه نبوية عن العلمانية مؤكدة أن الدين لله والوطن للجميع نجدها تتناقض مع نفسها بشدة عندما ترفع شعار الدولة الدينية، وتدعو إلى ترسيم الملك فاروق خليفة للمسلمين، وفي الوقت الذي تدعو فيه نبوية موسى إلى تحرر المرأة ترفض بشدة أن يتساوى الفقير بالغني حتى في أبسط الحقوق الإنسانية، كحق الرعاية الاجتماعية للأطفال المشردين وحق التعليم للفقراء. (خدمة وكالة الصحافة العربية)