نتشويّة تشارلي شابلن

بقلم: محمد الفقي
أدوات المائدة لا تعني لتشارلي المعاني التي تعنيها لنا

هناك فكرة لا تبرح العودة في كتابات فريدريش نيتشه (1844-1900) منذ أعماله الأولى في مشروعه الفلسفيّ الكبير للنقد الكليّ ونقد القيم، فنراه يطرح في "تأملات في غير زمانها حول التاريخ" 1874، قضيّة إفراط إنسان القرن التاسع عشر - أي إنسان بدايات الحداثة المتأخرة - في الوعي التاريخيّ، على النحو الذي يحاصره ويمنعه من إنتاج تجديد فكريّ وتأمليّ حقيقيّين، فوراثة القيم - بالمعنى التاريخيّ - وحملها على الكتفين يمنع الإنسان من امتلاك أسلوبه الخاص به، وفنه الخاص به، وعمارته الخاصة به، فيستلهم فنونه وعمارته وأفكاره جميعاً من الماضي، الذي تحول بالنسبة له إلى مخزن مفرط الاتساع للملابس المسرحيّة ينتقي منه في كل مرة أقنعة سابقة التفصيل، باحثاً عن ما يعتقد أنه الجدّة والقيمة في الأصول؛ تلك الأصول التي لا تكتسب - في الحقيقة - المعنى إلا من خلال الامتداد التالي لها في الحاضر، وحالما يشعر إنسان ـ الحداثة بأن هذه الأقنعة قد هرمت، يتجاوزها باستبدالها بغيرها، فتحل محلها أقنعة أخرى مستلهَمَة من نفس المخزن، وتظل هذه الحركة الخطيّة التي لا تنضب مستمرة، ويتوهم إنسان ـ الحداثة أن ذلك هو عين التقدم والتطور، ويصف نيتشه عملية التقدم الوهميّ هذه بـ «المرض التاريخيّ».

تظل فكرة «المرض التاريخيّ» تتردد في أعمال نيتشه المختلفة: (تأملات في غير زمانها، 1874)، (إنسانيّ.. إنسانيّ جداً، 1878)، (المسافر وظله، 1879)، (الفجر، 1881)، (العرفان البهيج ، 1882)، (هكذا تكلم زرادشت، 1885)، (ما وراء الخير والشر، 1886)، (أصل الأخلاق، 1887)، (هو ذا الإنسان، 1888)، يطرحها باصطلاحات متنوعة، لكنها جميعاً أصداءٌ لنفس الصرخة؛ إدانة الإنسان الحامل للقيم والانتصار للإنسان الخالق للقيم.

يقول نيتشه في "هكذا تكلم زرادشت": «ها قد أوضحت لكم تحولات الروح الثلاثة، كيف استحالت الروح جملاً، والجمل أسداً، والأسد أخيراً إلى طفل»، وفي كتابه "نيتشه" يقول چيل دولوز مُفسِّراً: «الجمل هو الحيوان الذي يحمل عبء القيم السائدة، أثقال التربية، والأخلاق والثقافة، يحملها في الصحراء، ويتحول هناك إلى أسد، يحطم الأسد التماثيل، يدوس الأثقال، يتولى نقد كل القيم السائدة، وأخيراً يصبح الأسد طفلاً، أي لاعباً، أي بداية جديدة، خالقاً لقيم جديدة ومبادئ جديدة».

إن طفل زرادشت يمتلك قدرة الإغريق القدامى على «توحيد الفكر والحياة» في وحدة واحدة، وكأنه ديونيزوس (باخوس) الذي احتفى به نيتشه كثيراً في كتاباته، كما احتفى دائماً بالفكر والفلسفة الإغريقيّة ما قبل سقراط، حين كانت أنماط الحياة توحي بطرق تفكير، وتخلق أنماط الفكر طرقاً للحياة، في وحدة ما قبل سقراطيّة، وحدة تفضح التطلعات الزائفة للمعرفة، تفضح الأخلاق المزعومة، وتطلق القوى الفاعلة للحياة، فتفتح وتبدع وتخلق قيماً جديدة، ليست قيم رد الفعل، ولا قيم الضعفاء ولا العبيد الذين يسعون للقوة وتغيير موقع السيد - العبد، ولكنهم، حين ينجحون في تغيير اتجاه العلاقة، يحملون معهم قيم العبيد إلى مواقعهم السياديّة الجديدة، فحينما قال نيتشه عبارته الشهيرة: «ينبغي الدفاع دوماً عن الأقوياء في وجه الضعفاء»، كان في ذهنه الانتصار لقيم الإنسان الخالق على قيم الإنسان الحامل، قيم الإبداع على قيم الإذعان، قيم الرقص واللعب والخفة والضحك (مميزات ديونيزوس، والطفل أيضاً) على قيم الإدانة والحكم على الحياة باسم القيم العليا، قيم إثبات الحياة لا نفيها.

يحتاج إثبات العلاقة بين أفكار نيتشه بخصوص «المرض التاريخيّ» والاستراتيجيّة العامة المستمرة والمُحكَمة التي تتحرك بها شخصيّة المُتسكِّع (تشارلي) التي ابتكرها تشارلز تشابلن (1889-1977) إلى بحث مستفيض يحفر في جوانب عدّة من العلاقة بينهما، لكن ما سأحاول فعله هنا هو ملاحظة بعض السمات العامة المتكررة في جانب واحد، أو أكثر قليلاً، لما أطمح أن أطلق عليه «نتشويّة تشارلي»، وهذا الجانب هو ما يمكن تسميته: «استعمال تشارلي لأدوات المائدة كتعبير عن فكرة "المرض التاريخي"»، سواء الاستعمال الإيجابيّ أو السلبيّ؛ قبولاً أو رفضاً، يُصاب بالمرض التاريخيّ فيصبح في أسوأ حالاته، ويرفض الاستسلام له فيصبح تشارلي في أفضل حالاته التي نحبه فيها.

في كل الأفلام التي ظهر بها المُتسكِّع تشارلي، أي منذ فيلم "سباق سيارات الأطفال في ڤينيسيا" 1914، وحتى فيلم "العصر الحديث" 1936، يمكن القول إن تشارلي استمر في رفض استخدام أدوات المائدة كما نستعملها نحن أبناء المجتمع الذين نخضع لقواعده ونلتزم بما تفرضه علينا من آداب وقيم وأعراف، لم يرفضها كأدوات في حد ذاتها، بل رفض وظيفتها المستقرة متطلعاً دائماً إلى ابتداع وظائف جديدة لها؛ فهو مثلاً يستخدم قميصه كمفرش للمائدة وكفوطة للعنق وكمنشفة للفم والوجه، ويستعمل الشاكوش لكسر البيض (المتشردة، 1916)، أما فوطة العنق نفسها فيستخدمها لتلميع أصابع سيدة برجوازيّة في المطعم، ويستعمل الفرن الساخن في كي بدلته (حلبة التزلج، 1916)، والسكين لغرف حبات الفاصوليا وأكلها بعد أن لا تسعف جوعه فكرته الأولى بالتقاط حبات الفاصوليا حبّة حبّة بالشوكة، ويستعمل ملاحات الطعام كمنظار مُقرِّب (المهاجر، 1917)، وإبريق القهوة كرضَّاعة للطفل، وعلبة سردين قديمة كعلبة سجائر (الطفل، 1921)، ويخرم الخبز بمثقاب للخشب ثم يحشو فيه إصبع الفرانكفورتر ويُحكم حشره بدقِّه بالشاكوكش، ويرشف من كوب الماء رشفات قصيرة متلذذاً كأنه يتذوق نبيذاً مُعتّقاً (يوم استلام الراتب، 1922)، ويصمم واحدة من أروع رقصات البانتومايم بشوكتين مغروستين في قطعتي خبز (حُمى الذهب، 1925)، ويستعمل بضع قطرات من النبيذ كعطر يضعه خلف أذنيه، وقارورة مياه الصودا لإطفاء فستان سيدة مشتعل (أضواء المدينة، 1931) ... إلخ.

إن أدوات المائدة لا تعني لتشارلي نفس المعاني التي تعنيها لنا، ولا هو يستعملها لنفس الأغراض التي نستعملها نحن بها، لأن احتياجاته غير احتياجاتنا، وأكثر المقاطع التي يبدو لنا فيها تشارلي متوافقاً مع نفسه، ومع الحياة، هي تلك التي يُفعِّل فيها فلسفته هذه؛ فيُحوِّل مثلاً قطعتي الخبز إلى قدميّ راقصة ماهرة ويلهو بالرقصة في إبداع حقيقيّ مُدهش (حُمى الذهب)، إن استعمالاته لأدوات المائدة هي استعمالات ناقدة ومتجاوزة للتقليديّ المتعارف عليه في التراث الحداثيّ لعصر التنوير الأوروبيّ، وكأنه يُعيد اكتشاف أسس الحضارة ويمنحها تنويراً جديداً، وكأنه يقول إن الحضارة الغربيّة ليست كونيّة وإنما هي تدعي الكونيّة، وأنها مجرد واحدة من الثقافات المتعددة ويقينها بشأن الطبيعة الإنسانيّة ليس إلا أسطورة متعاليّة من أساطيرها، وهل من رمز أقوى من أدوات المائدة الغربيّة، وآدابها، وأعرافها، وسلوكياتها كمعبر عن التراث الحداثيّ الأوروبيّ بالنسبة لتشارلي كي يعمل على تجاوزه، وهدمه، وإبداعه في شكل جديد منفصل عن جذوره؟

من المهم أيضاً أن نلاحظ أن تشارلي في استخداماته لأدوات المائدة على هذا النحو الجديد والخَلَّاق، كان يفعل ذلك دائماً بتحضر عالٍ - إلى الدرجة التي يمكن وصفه فيها بالتعالي - ولم يعمد مطلقاً إلى انتهاج أساليب مقززة أو مُحرِجة مهما كانت مغريات التصعيد الكوميديّ، أبداً.

لكن هناك أوقاتاً – قليلة، لحسن حظنا - يُصاب فيها تشارلي بـ "المرض التاريخيّ"؛ يحاول فيها أن يتوافق مع المجتمع بالقيام بما يقوم به غيره وفقاً لما هو موروث ومتعارف عليه من قيم، وفي كل مرة يفعل فيها ذلك يلحقه الفشل الذريع، ويسفر الأمر عن فضيحة في النهاية؛ فهو مثلاً يُغرق أكمام سترته في طبق حساء الفاصوليا وهو يأكل، ويلسع نفسه بالقهوة الساخنة (المهاجر)، ويسكب الحساء على سرواله، ويفشل في استعمال الشوكة والسكين حسب أعرافنا الاجتماعيّة، والفضيحة الكبرى تقع عندما يُعهد إليه بالقيام بمهمة الجرسون في مطعم (حلبة التزحلق).

فردريك نيتشه

ولنلاحظ أن ذلك يقع دائماً عندما يكون تشارلي في وسط جماعة، أما في فرديّته فهو ناجح على الدوام (لاحظ توافق ذلك مع بلوغ زرادشت - نيتشه للسعادة في العزلة عندما يبتعد عن الناس)، يتكرر ذلك باستمرار في كل أفلام تشارلي، وما مشهد حضور الحفلة الليليّة مع صديقه المليونير ذو الميول الانتحاريّة (أضواء المدينة) إلا مثال واحد على ذلك؛ حيث يبدأ المشهد بدخول تشارلي إلى المطعم الفاخر مرتدياً بدلة توكسيدو برفقة صديقه المليونير، وعبثاً يحاول تشارلي أن يجاريه في استخدامه لأدوات المائدة أو في التصرفات المجتمعيّة اللائقة دون جدوى، بل إن مجرد وجود تشارلي وسط جماعة برجوازيّة في الحفلة التي أُقيمت فيما بعد في منزل المليونير تجعله يرتبك ولا يُحسن التصرف للدرجة التي يبلع فيها الصافرة التي كان يُفترض أن يلهو بها، وفي مثال آخر أقدم (فيلم المهاجر) يُصاب بالفواق لمجرد جلوسه بجوار راكب مصاب بالفواق على الباخرة، رغم أنه الوحيد بين الركاب الذي نجح من قبل - في عزلته عندما كان وحيداً - في الحفاظ على توازنه ولم يُصبه دوّار البحر حين أصيب به باقي ركاب السفينة جميعاً.

يمكن إيجاد أمثلة عديدة على الخيبات التي يلاقيها تشارلي وسط الجماعة، فمثلاً في فيلم (حياة كلب، 1918) وحينما يتواجد في طابور طويل في مكتب تشغيل العاطلين يفشل في اتباع قواعد الوقوف في الطوابير فيفقد دوره مرة إثر الأخرى ولا يحصل في النهاية على عمل، ويفقد سلاسة حركته ويقع على الأرض وسط عدد كبير من زبائن المرقص عندما يراقص المغنية التي تحاول استغلاله بدفعه لشراء شراب لها، ويصاب بعدوى البكاء عندما يبكي الجميع على غناء المغنية الجديدة رغم أنه في الحقيقة لا يشعر بما يشعرون به من حزن.

ويمكن تطوير هذه الفكرة بملاحظة مقاطع أخرى يلجأ فيها تشارلي إلى استخدام الأدوات والسلع الحديثة عموماً، من قبيل مقطع حركته خلف سير ناقل الحركة بالمصنع (فيلم العصر الحديث، 1936)، حيث يبدو ارتكابه للأخطاء المتتاليّة هو نتيجة لقيامه بالحركة الميكانيكيّة التي يتطلبها الإنتاج الكبير في الاقتصاد الحديث، تلك الحركة (حركة تثبيت الصواميل بمفكات في يديه) التي تستمر يداه في تكرارها، حتى في أوقات الراحة بعد أن تتوقف الآلات عن العمل وتزول علّة القيام بالحركة؛ إنه جمل زرادشت حامل عبء القيم وأثقال العادات التي تنغص حياته، وهذه هي الأوقات التي نرى فيها تشارلي بعيداً عن حالته العفويّة الخالقة المُبدعة الراقصة، وهي الأوقات الوحيدة التي يضحك فيها المشاهدون (على) تشارلي لا (مع) تشارلي.

إن الفشل الذي يقع فيه تشارلي مصدره الدائم هو تخليه عن حريته ومحاولته تقليد إنسان -الحداثة بتبني قيمه، وغالباً ما يكون ذلك نتيجة رغبة طارئة في أن يصبح مثله مثل الأشخاص "العاديين" في مجتمعه؛ بسبب حالة حب أو نجاح اجتماعيّ مفاجئ، لكنه يفشل كل مرة ويصاب بالخيبة (مثلاً: فشله في الحفاظ على توازنه في حفلة التزلج على الجليد عندما تقمص شخصيّة برجوازيّة لينال إعجاب حبيبته في فيلم "حلبة التزلج"، أو سوء الحظ الذي يلازمه عندما يرقص مع حبيبته في فيلم "حُمىّ الذهب"، فيسقط سرواله أولاً، ويحاول ربطه بحبل يجده على مائدة، فيتضح أن الحبل هو طوق طويل لكلب كبير نائم تحت المنضدة، ويزيد الطين بلة عندما تدخل قطة إلى حلبة الرقص فيلاحقها الكلب المربوط معه تشارلي).

أما النجاحات التي يصيبها تشارلي فأساسها ممارسته لحريته، وابتداعه لقيم جديدة في استعمالاته لما هو متاح من أدوات على نحو مبتكر لا يخطر على بالنا (مثلاً: الرقصة التي يبتكرها بقطعتيّ خبز مغروس فيهما شوكتين في فيلم "حُمىّ الذهب"، وقيامه وحده برص قوالب الطوب التي يناولها له عاملان بأقصى سرعتهما مستخدماً في ذلك كلتا يديه، وقدميه، وكعبيّ قدميه، وركبتيه، وباطن ركبتيه، وعنقه، ومؤخرته، وظهره بطريقة بهلوانيّة إيقاعيّة راقصة مُبتَكَرة في فيلم "يوم استلام الراتب").

إن تشارلي في أسوأ حالاته هو تشارلي الذي يحاول تقليد الإنسان الحديث؛ فيحمل مثل جمل زرادشت عبء القيم السائدة؛ أثقال التربية، والأخلاق، والثقافة، والأصول، والتاريخ، ليصبح موقفه هو موقف "السلعة" ويمارس "أخلاق المُمتَلَكات"، يمارس أخلاق وقيم العبيد، قيم رد الفعل والاستسلام والإذعان، حتى وإن ارتدى بدلة توكسيدو فاخرة وتناول عشاءه في أرقى المطاعم أو ارتاد أصخب المراقص.

أما تشارلي في أفضل حالاته فهو تشارلي عندما يصبح طفل زرادشت؛ عندما يصبح لاعباً مبدعاً لقيم جديدة في استعمالاته للأدوات والسلع المحيطة؛ وكأنه يُحللها كيميائيّاً ويردها لعناصرها التي تكونت منها، عندما يُطِّوع الأدوات حسب حاجته لا حاجته حسب الأدوات، عندما يصبح نمط تفكيره وأسلوب حياته متحدين في وحدة واحدة، عندما يصبح راقصاً، لاعباً، خفيفاً، ضاحكاً (في نهاية الجزء الأول من فيلم "العصر الحديث"، يتوقف تشارلي عن القيام بالحركة الميكانيكيّة المستمرة التي يستلزمها عمله في المصنع، ويشرع في الرقص داخل وخارج المصنع على النحو الذي يظن فيه الجميع بأنه قد أصيب بلوثة فيستدعون له الإسعاف).

إننا نحب تشارلي عندما يتمسك بالحياة ويواصل السير، عندما لا يستسلم للانهزام ولا الإحباط، عندما لا يُطلق أحكاماً عُليا على الحياة نافياً إياها، عندما يركل الماضي ويواصل السير بحركته الشهيرة في نهاية أفلامه عندما تهزمه الحياة، ككل الأقوياء الذين تهزمهم الحياة، فالحياة كما قال نيتشه: "تحابي الضعفاء - أي من يتبنون قيم العبيد؛ قيم الإذعان - على حساب الأقوياء الأحرار أصحاب قيم الخلق والإبداع والتجديد الحقيقيّ"، ومن المهم أن نلاحظ أن تشارلي لم يقم – مطلقاً - بحركة الركل الشهيرة تلك إلا من وراءٍ دائماً، لم يقم بالركل أبداً من أمامٍ، لأنه كان يركل القيم، والأثقال، والخيبات الماضويّة ليتابع طريقه، طريق الحريّة الذي لا يسلكه إلا الأحرار الأقوياء، من حققوا استقلالهم عن الأصول.

"معرفة الأصل تزيد من تفاهة الأصل"؛ هكذا يقول نيتشه في (الفجر)، والأحرار الأقوياء الممارسون لما يُطلق عليه نيتشه «فلسفة الصباح»؛ لا يتجهون نحو "الأصول" أو "الأسس" بل نحو ما هو قريب من الواقع المباشر بكل ثرائه؛ إنه فكر القُرب لدى نيتشه؛ فكر الانتباه والخلق، فكر الإثبات لا النفي، فكر التجديد لا الحمل، فكر السماح بالخطأ في حياة إيجابيّة تعتبر حتى أخطاءنا ذاتها مصدراً للثراء الذي يُكوِّننا والذي يعطي أهميّة ولوناً للعالم، فكر طفل زرادشت اللاعب الراقص الذي يبحث فيه، وحوله، عن ألوان، وجماليّات، وألغاز، وثروات، ومعانٍ لا يجرؤ إنسان الحضارة الحديثة على الحلم بها.

كان نيتشه يحب استخدام استعارات ذات طابع فيزيولوچيّ، وفي معرض حديثه عن «فلسفة الصباح» في نهاية كتابه "إنسانيّ.. إنسانيّ جداً"، قال: "إن الإنسان القادر على مواجهة فلسفة الصباح هو إنسان ذو مزاج طيّب، لا يحتفظ في نفسه بتلك النّبرة المزمجرة وهذه الفظاظة اللتين تمثلان سمة بشعة لصيقة بالنّاس الذين شاخوا في قيودهم"، وكأنه بهذا يصف المُتسكِّع تشارلي وصفاً شديد الدقة والتوفيق.

محمد الفقي ـ كاتب وسيناريست من مصر

mohamed_elfeki@hotmail.com