نتنياهو يراوغ في ملف التطبيع بإلقاء الكرة في ملعب السعودية
القدس – في سياق يتّسم بالمناورة السياسية ومحاولة إعادة صياغة الوقائع، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الترويج لخطاب يوحي بأن السعودية هي الطرف الراغب في التطبيع مع إسرائيل، واضعًا شروطًا تُقدَّم للرأي العام على أنها "بديهيات سياسية"، بينما تعكس في جوهرها محاولة خداع وتملّص من الاستحقاق الحقيقي الذي ربطت به الرياض أي مسار تطبيعي والمتمثل في حل الدولتين وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وخلال مؤتمر صحفي عقده مساء الثلاثاء في مكتبه بالقدس، علّق نتنياهو على ما وصفه بـ"التغير" في مواقف السعودية الإقليمية، معتبرا أن "من يريد التطبيع لا ينبغي أن ينضم إلى جهات تسلب إسرائيل شرعيتها"، في تصريح بدا وكأنه يضع المملكة في موقع الطرف الساعي إلى الاتفاق، في تجاهل متعمّد للموقف السعودي الرسمي الذي شدّد مرارا على أن التطبيع غير مطروح خارج إطار قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وجاءت تصريحات نتنياهو ردًا على سؤال لمراسل صحيفة تايمز أوف إسرائيل أشار فيه إلى التقارب السعودي الأخير مع تركيا وقطر، وسأله عما إذا كان لا يزال يرى التطبيع ممكنًا في المستقبل القريب. وردّ قائلا "لا أريد أن أكون معلّقًا على الشأن السعودي… لكن من الواضح أننا نتوقع من كل من يريد اتفاق تطبيع أو سلام معنا ألا ينضم إلى جهود تقودها جهات وأيديولوجيات تناقض السلام وتهاجم إسرائيل وتسلب شرعيتها"، مضيفا "سأكون سعيدًا بتوقيع اتفاق مع السعودية، على افتراض أن السعودية تريد اتفاق تطبيع مع إسرائيل آمنة وقوية".
ويعكس هذا الخطاب، بحسب مراقبين، محاولة إسرائيلية واضحة لنقل عبء المبادرة إلى الجانب السعودي والإيحاء بأن العقبة تكمن في "شروط خارجية"، في حين أن الرياض أعلنت بشكل صريح ومتكرر أن أي تطبيع مرهون بموافقة إسرائيل على قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وهو شرط ترفضه الحكومة الإسرائيلية الحالية وأطرافها اليمينية المتطرفة.
وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد أعلن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي رفضه القاطع لأي تطبيع مع السعودية إذا كان ثمنه إقامة دولة فلسطينية، مستخدمًا عبارات مسيئة بحق المملكة. ورغم اضطراره لاحقًا للاعتذار تحت ضغط نتنياهو، إلا أن تصريحاته تركت أثرا سلبيا بالغا على مسار التطبيع الذي تدعمه الولايات المتحدة.
كما سبقه وزير الطاقة وعضو المجلس الوزاري الأمني المصغر إيلي كوهين الذي قال بوضوح إن إسرائيل "ستتخلى عن التطبيع مع دول عربية وإسلامية إذا كان الثمن قيام دولة فلسطينية"، في موقف يعكس جوهر السياسة الإسرائيلية الراهنة التي ترفض الاستحقاقات السياسية مقابل أي انفتاح إقليمي.
في المقابل، واصلت السعودية تموضعها السياسي الداعم للقضية الفلسطينية ولعبت دورا محوريا في الدعوة إلى عقد قمة بالأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية وهي خطوة أسهمت في إعلان دول مؤثرة مثل فرنسا وبريطانيا نيتها الاعتراف بفلسطين، ما أثار غضبا واضحا في تل أبيب.
ويُذكّر هذا الموقف بدور المملكة التاريخي في إطلاق مبادرة السلام العربية خلال قمة بيروت عام 2002، والتي نصّت على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 مقابل الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها، وهي المبادرة التي ما زالت تل أبيب تتجاهل جوهرها السياسي.
وإلى جانب ذلك، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من تنامي التعاون الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن، خصوصا في المجالين العسكري والدفاعي، بعد موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على صفقة لبيع مقاتلات إف-35 للمملكة إضافة إلى حزمة تسليحية ضخمة تشمل مئات الدبابات وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدا محتملا لتفوقها العسكري في المنطقة.
وبينما يحاول نتنياهو تصوير التطبيع كخيار سعودي مؤجل بشروط سياسية، تؤكد المعطيات أن المأزق الحقيقي يكمن في الرفض الإسرائيلي المستمر لأي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وهو ما يجعل خطاب "الرغبة السعودية" مجرد أداة تضليل ومناورة سياسية أكثر منه توصيفا دقيقًا للواقع.