نجاحات مغربية توقظ دبلوماسية العداء الجزائرية في إفريقيا

الجزائر تعود لتنشيط دبلوماسيتها في افريقيا في خطوة تذهب أبعد من مجرد ضمان مصالحها إلى محاولات لتشكيل حزام دعم جديد للبوليساريو والتشويش على الحل السلمي للنزاع.
تقارب جزائري مع الخرطوم في خضم أزمة طاحنة في السودان
وفد عسكري سوداني في الجزائر للاستفادة من تجربة مواجهة الحراك الشعبي
سعي جزائري لاستعادة نفوذ في إفريقيا أضعفته نجاحات مغربية اقتصادية وأمنية

الجزائر - تسعى الجزائر لتنشيط دبلوماسيتها في قضايا إقليمية تشمل المنطقة العربية من الشرق الأوسط (المصالحة الفلسطينية) إلى الفضاء المغاربي وصولا إلى إفريقيا وهو أمر لافت في خضم التوتر مع المغرب وضمن سياق محاولات جزائرية لا تهدأ لتشكيل حزام دعم جديد لجبهة البوليساريو الانفصالية التي باتت تواجه عزلة بعد تواتر الاعترافات بمغربية الصحراء خاصة منها الافريقية التي كان يراهن عليها الجانب الجزائري للتشويش على حل النزاع المستمر منذ عقود.

ويبدو أن الجارة الشرقية التي فقدت تأثيرها في هذا الملف بعد الزيادة القياسية في عدد الدول التي اعترفت بمغربية الصحراء وعدد الدول التي سحبت اعترافها بالكيان غير الشرعي المسمى الجمهورية الصحراوية، تحاول في هذه الفترة استعادة تأثيرها على دول افريقية لاستقطابها عبر إغراءات مالية لصفها وطروحاتها في قضية نزاع الصحراء.

ويبدو أيضا أن الالتفاتة الجزائرية لإفريقيا مدفوعة برغبة جامحة في كبح نجاحات المغرب السياسية والاقتصادية والأمنية في العمق الإفريقي والتي أرست منذ إنهاء العاهل المغربي الملك محمد السادس سياسة الكرسي الشاغر واستعادة مقعد بلاده في الاتحاد الافريقي، نموذجا لتعاون واسع.

ودأبت الدبلوماسية الجزائرية في السابق قبل استعادة المغرب لعضويته في الاتحاد الافريقي على ترويج خطاب معاد للمملكة، ووجدت في جنوب افريقيا سندا لها في إسناد سياسة العداء المغلفة بدعوات تقرير المصير كحق للصحراويين في تغذية للنزعة الانفصالية.

وقد أثار نجاح المملكة المغربية في بضع سنوات في التحول السريع إلى شريك وازن على مختلف المستويات الاقتصادية والأمنية، حفيظة الجانب الجزائري الذي تراجع ثقله في المنطقة بحكم انشغاله في مشاكل داخلية منذ 2019 ومركزا أكثر جهوده على شمال مالي.

 

الحضور المغربي في العمق الإفريقي تحول هاجسا للجارة الشرقية التي كانت غارقة في أزمات داخلية

وكان تأثير الجزائر بحكم الواقع الجغرافي والحدودي مقصورا على جزء من منطقة الساحل الافريقي وتحديدا في شمال مالي وبعض من محيطها وهو ما يفسر إلى حدّ ما الرغبة في استثمار أزمات اقتصادية ومالية لبعض الدول الافريقية كمدخل للانسياب والتمدد وأيضا لتشكيل تحالفات وسط مخاوف من عزلة في محيطها الافريقي.   

وفي خضم هذا التوجه، تبدو السودان التي تعاني من اضطرابات اقتصادية وسياسية النموذج الأقرب بعد تونس والذي يسلط الضوء على محاولة التغلغل الناعم.

وخلال زيارة نادرة من نوعها، حلّ رئيس هيئة الأركان السوداني محمد عثمان الحسين، بالجزائر رفقة وفد عسكري وصف بـ"الهام"، التقى خلالها نظيره سعيد شنقريحة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي.

وفيما تبدو الزيارة ذات طابع عسكري، يسود اعتقاد بأن السلطة في الجزائر تمثل منذ عقود واجهة لحكم الجنرالات حتى بعد محاولة الرئيس الجزائري الأسبق الراحل عبدالعزيز بوتفليقة تحجيم دور المؤسسة العسكرية وتدخلاتها في الشؤون السياسية والسياسات الخارجية.

وتزامنت زيارة الوفد العسكري السوداني للجزائر مع إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبدالفتاح البرهان (وهو قائد الجيش)، في 13 نوفمبر، أن "الجيش يريد توافقا وحكومة مدنية يحرسها، بعيدا عن المحاصصة الحزبية".

ويرى مراقبون أنه من المرجح أن يحاول رئيس الأركان السوداني الاستفادة من تجربة الجيش الجزائري في قيادة مرحلة "الانتقال السياسي" وتسليم السلطة للمدنيين مع الحفاظ على وحدة الجيش والبلاد.

وبعد استقالة بوتفليقة في 2 أبريل/نيسان 2019 إثر احتجاجات شعبية وضغط من قيادة الجيش، رفض قائد الأركان الراحل أحمد قايد صالح، الاستيلاء على السلطة أو اقتسامها مع المدنيين وإنما فضل احترام نص الدستور، لكن في الغرف المغلقة كان الراحل قايد صالح هو من يدير دفة الحكم مع الحرص على إبقاء الواجهة السياسية في دائرة الضوء.

وتتشابه التجربة السودانية في بعض النقاط مع نظيرتها الجزائرية وخاصة ما تعلق بإجبار الجيش الرئيس عمر البشير على الاستقالة، بعد 9 أيام من استقالة نظيره الجزائري، تحت ضغط مظاهرات شعبية دامت أشهرا وسقط خلالها عشرات القتلى.

غير أن نقطة الخلاف الجوهرية تتمثل في النتيجة، إذ لم يتمكن السودان لحد الآن من الخروج من المرحلة الانتقالية التي كان من المقرر لها أن تنتهي في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بإجراء انتخابات قبل أن يتم تمديدها 14 شهرا.

فالجيش السوداني يبحث عن مخرج من الأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد والتي تهدد بتفكك الجيش بل وانقسام البلاد مجددا على غرار تحركات قبائل البجا في الشرق وتلويحها بالانفصال تماما كما ما حدث في جنوب السودان (1955-2011).

ولا شك أن التحديات الأمنية للجيش السوداني أصبحت بالغة التعقيد داخليا وخارجيا، فالأزمة السياسية تزيد الوضع تعقيدا في شرق البلاد بعدما هدد مجلس قبائل البجا، بعدم الاعتراف بالحكومة المركزية في الخرطوم وتشكيل حكومة محلية للانفصال عن السودان.

كان تأثير الجزائر بحكم الواقع الجغرافي والحدودي مقصورا على جزء من منطقة الساحل الافريقي وهو ما يفسر إلى حدّ ما الرغبة في استثمار أزمات اقتصادية ومالية لبعض الدول الافريقية كمدخل للانسياب والتمدد

وإقليم دارفور في غرب البلاد يعيش استقرارا هشا وليس من المستبعد أن ينهار السلام به، إذا لم يتم حل الأزمة السياسية في الخرطوم. والأخطر من ذلك أن يغري الوضع الأمني الصعب الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل خاصة داعش الصحراء الكبرى وبوكو حرام، للزحف من بحيرة تشاد إلى إقليم دارفور.

ويواجه السودان في الوقت ذاته أزمة مع اثيوبيا بسبب خلافات حول سد النهضة والانقسام السياسي والأمني في ليبيا والوضع غير المستقر في الجارتين جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وانتشار تهريب البشر والسلاح والمخدرات عبر الحدود.

وهذا الوضع المتأزم، يدفع بالجيش السوداني للبحث عن حليف قوي لدعمه في مواجهة كل هذه التحديات المتزامنة.

ويواجه الجيشان السوداني والجزائري عدة تحديات مشتركة وعلى رأسها الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا، ما يحتم عليهما التنسيق في هذا الملف رغم أنه كان سببا في فتور العلاقات بينهما في 2016، عندما صدرت تقارير تتحدث عن دور سوداني في دعم أحد أطراف النزاع في ليبيا "بالسلاح"، الأمر الذي تعارض مع مساعي الجزائر لإيجاد حل سياسي في البلاد.

ويمثل ملف تجارة البشر وتهريب السلاح والمخدرات إحدى القضايا المشتركة للجزائر والسودان، باعتبارهما جزءا من منطقة الصحراء الكبرى التي تتحرك عبرها قوافل المهاجرين غير النظاميين وتجار السلاح والمخدرات والمنقبين عن الذهب.

وأوقفت الجزائر في السنوات الأخير أعداد كبيرة من المنقبين عن الذهب نسبة كبيرة منهم سودانيون. كما أصبح عدد من المهاجرين غير النظاميين يفضلون المسار الغربي باتجاه إسبانيا، بعدما كان المسار الشرقي عبر مصر نحو اليونان وإيطاليا وحتى إسرائيل، الذي يفضله أغلب المهاجرين السودانيين خاصة من دارفور.

وتشكل الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل على غرار "داعش في الصحراء الكبرى" والجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة بالإضافة إلى تنظيم بوكو حرام، تهديدا حقيقيا للبلدين خاصة بعد الفراغ الذي من الممكن أن يتركه انسحاب القوات الفرنسية والأوروبية من مالي، وحتى بوركينا فاسو في المستقبل القريب.

وهذا يتطلب تنسيقا بين الجيشين وتعاونا حقيقيا رغم أنه سبق للجزائر وأن دربت دفعات عسكرية وأمنية سودانية خاصة منذ 2010، وليس من المستبعد أن يتعزز هذا التعاون في مجال التدريب سواء من حيث تأمين العمليات الانتخابية والتعامل باحترافية مع المظاهرات الشعبية أو في مكافحة الجماعات المسلحة.

الالتفاتة الجزائرية لإفريقيا مدفوعة برغبة جامحة في كبح نجاحات المغرب السياسية والاقتصادية والأمنية في العمق الإفريقي والتي أرست منذ إنهاء العاهل المغربي الملك محمد السادس سياسة الكرسي الشاغر، نموذجا ناجحا لتعاون واسع

وفي المقابل يبحث الجيش الجزائري عن أسواق لتصدير بعض الأسلحة المصنعة لديه، خاصة العربات المدرعة والشاحنات العسكرية متعددة المهام والسودان أحد هذه الأسواق المحتملة، فالتنسيق الأمني ضمن سياق إقليمي ودولي مضطرب، شكل محور النقاش بين قائدي أركان البلدين.

وذكرت وزارة الدفاع الجزائرية في بيان، أن الطرفين تطرقا خلال اللقاء إلى "السياق الأمني الإقليمي" وأكدا على ضرورة تنسيق الجهود من أجل رفع التحديات الأمنية المشتركة، وإيجاد السبل الكفيلة بتعزيز علاقات التعاون بين البلدين.

وتحدث شنقريحة عن تبادل وجهات النظر "حول الوضع السائد في الساحة الدولية عموما والقارة الإفريقية خصوصا".

وتوسطت الجزائر عبر وزير خارجيتها رمطان لعمامرة في ملف سد النهضة بين إثيوبيا والسودان ومصر، ما يمكنها من لعب دور في منع تدهور الوضع بين أديس أبابا والخرطوم، إلى مواجهات عسكرية، بسبب عدة ملفات على غرار منطقة الفشقة الحدودية.

والملفت أن زيارة رئيس هيئة الأركان السوداني إلى الجزائر جاءت بعد نحو ثلاث أسابيع من مشاركة البرهان في القمة العربية التي عقدت بالجزائر وبالتزامن مع حراك ملحوظ في العلاقات بين البلدين.

وعقدت لجنة التشاور السياسي اجتماعاتها في مايو/أيار الماضي ومن المرتقب عقد اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة، مطلع 2023.

وزارت وفود رسمية جزائرية في الأشهر الأخيرة السودان لبحث فرص التعاون والاستثمار خاصة في قطاعات التنقيب واستخراج النفط والغاز والمعادن.

وفيما يسعى السودان لرفع إنتاجه من النفط من نحو 86 ألف برميل يوميا في 2020، إلى 155 ألف برميل يوميا خلال الأعوام القليلة المقبلة، لتخفيف أزمته المالية، ليس من المستبعد أن تقدم الجزائر مساعدات مالية للخرطوم إذ سبق لها في 2013، أن أسقطت عنه ديون مستحقة على غرار عدة دول إفريقية.

وكان من المنتظر أن تضع الجزائر وديعة لدى البنك المركزي السوداني بملياري دولار في عهد وزير المالية عبدالرحمن بن خالفة (2015-2016)، وفق مصدر مطلع، لدعم الاقتصاد السوداني من الانهيار بعد انفصال جنوب السودان في 2011، لكن تراجع أسعار النفط منذ 2014، وتآكل احتياطات النقد الأجنبي الجزائري من المرجح أن يكونا حالا دون الاستجابة لهذا الطلب.

لذلك فزيارة قائد الأركان السوداني تأتي في سياق حركية شاملة للعلاقات بين البلدين تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية وتعكس رغبة جزائرية للتغلغل في السودان مجددا بعد تحسن وضعها الاقتصادي والمالي.

ومنذ 2016 بعد عودة المغرب للحضن الإفريقي وإنهاء سياسة الكرسي الشاغر، تمكنت الرباط من ضمان حضور وازن على جبهات استفردت بها الدبلوماسية الجزائرية وكانت توظفها في دعم جبهة البوليساريو.

وبعد نجاح المملكة في بناء جسور تعاون على المستوى الافريقي وكسبت الرهانات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تحول الحضور المغربي في العمق الافريقي هاجسا للجارة الشرقية التي كانت غارقة في أزمات داخلية.