"نظرة أخرى" تعاين الشخصيات المهزومة في الرواية العربية
القاهرة ـ من أحمد رجب
يتوهم المبدع وهو يطرح أسئلته عبر نصه التخييلي، أن مجرد فعل الكتابة قد يفتح له أبواب المغارة، لكن الحياة بتعقيداتها وتشابكاتها تبدو أكثر غموضا من أن يفك طلاسمها نص إبداعي، ينفتح بطبعه على احتمالات متعددة، ويحتمل أكثر من تأويل، هنا يأتي دور الناقد الذي يطرح قراءته "نظرته الأخرى" فالنص الأدبي في النهاية مجرد حامل لأسئلة المبدع وهواجسه، وليس بوسعه أن يمنحنا إجابات يقينية عن تلك الأسئلة الكبرى المرتبطة بالكينونة، فالكاتب يتماس مع لحظة إنسانية فريدة لحظة حدوثها، ويقدم رؤيته الجمالية لها، ويبقى محتاجا لنظرة أخرى من قارىء متعمق أو ناقد متمرس ليكشف عن جوهر النص، وهذا ما فعلته الدكتورة لنا عبدالرحمن في كتبها النقدية، حيث تتحاور مع النصوص السردية ولا تحكم عليها، كما في كتابها "نظرة أخرى… الروائي والمخيلة والسرد" الصادر مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، ضمن سلسلة كتابات نقدية.
يقدم الكتاب ثماني دراسات عن الفن الروائي، "فالرواية تمكّنت من بناء تواجدها الأدبي متجاوزة الفنون النثرية الأخرى، من خلال تقديم انعكاس التفاعل الفني والمعرفي والحدثي، والثقافي والاجتماعي الذي برعت في تسجيله عبر صفحاتها".
الروايات تجمع على النهايات المهزومة، في مواجهة الإرهاب، حيث ينكسر الأبطال الذين يمتلكون الوعي، وينهزمون؛ إما بالموت، وإما بالسفر أو بالمرض النفسي
وتوضح في المقدمة أنها تتبع المنهج التحليلي النفسي والاجتماعي في تناول الدلالات الزمانية والمكانية، وفي الإضاءة على اختيارات الأبطال ومصائرهم؛ لأنّ التداخل بين الزمان والمكان في الروايات التي تتناولها، أسفر عن وجودٍ متجاورٍ للحكايا يكشف عن عالم ناقص في كل عمل روائي يبدأ السعي السردي من أجله.
هزائم متشابهة
تشترك روايات "ميرامار، الكرنك، يوم قتل الزعيم" وكلها لنجيب محفوظ، وقد كتبها خلال فترات زمنية متباينة، في تقديمها لنماذج بشرية تتشابه في هزائمها، وهذه الشخصيات ذات دور تاريخي فاعل في العمل الروائي، يكشف حضورها عن صميم تأزمات الحياة بشكل تصاعدي مما يجعل منها شاهدا على تحولات الزمان والمكان، كما أنها تشترك في التنقيب الباطني عن فكرة الضمير، الذي يشبه خيطا خفيا تسعى بعض الشخصيات الروائية للفكاك منه، ويسعى البعض الآخر للإمساك به، رفضا للانجراف القيمي والأخلاقي، تلك الشخصيات في الروايات الثلاثة تتحرك ضمن أطر متشابهة، يجمع بينها الشعور بالهزيمة، والانتماء إلى طبقة اجتماعية تواجه خطر الاندثار في مواجهة طبقات اجتماعية صاعدة، لذا توحد بينهم جميعا أزمة فكرية طاحنة.
في الروايات الثلاثة ثمة رؤية واضحة للثورة، للتمرد، لانهيار القيم في المجتمع المصري؛ "ربما تُمكّننا قراءة هذه الموضوعات أيضاً في كتب التاريخ، لكنّ محفوظ لا يسجّل التاريخ بل يقدم روح المرحلة الزمنية من خلال إدراكه الخاص لها".
نجد الراوي في "الكرنك" منتميا لزمن مضى، يكتشف المقهى بالصدفة ثم يجتر ذكرياته عن صاحبة المقهى، لا تشي الرواية بعمره لكن تصرفاته توحي بتقدمه في العمر، أما عامر وجدي في "ميرامار" فهو رجل في الثمانين يرحل من القاهرة إلى الإسكندرية، تاركا خلفه تاريخا صحفيا وشكوكا حول عقيدته الدينية، ومثله في "يوم قتل الزعيم" الجد الثمانيني محتشمي زايد، وتحفل الروايات الثلاث بهزائم نفسية لشخصياتها، وأيضا هزائم مادية ناتجة عن تهاوي الجسد أو انسحاقه تحت أقدام السلطة.
وتنتهي لنا عبدالرحمن بعد تحليل الروايات الثلاث إلى أن "قراءة نجيب محفوظ في ضوء جديد تمكن القارىء من توسيع قنوات التواصل الفني المؤدي إلى تنوع في الرؤى، مما يسمح للقارىء بالتفاعل المباشر بحيث لا يكون مجرد متلق، بل يكون مشاركا وفاعلا في تحليله لفعل الثورة، حيث لا منتصر ولا مهزوم، فكأن محفوظ أراد مشاركة القارىء التغيرات الحتمية التي نالت الحياة عموما، ليستمد من واقع الأبطال رؤية أكثر رحابة تساعده في التعبير عن موقفه من العالم الذي يتغير من حوله".
روايات في مواجهة العنف
نفس المنهج تتبعه لنا عبدالرحمن في بقية الدراسات: رواية "قمر على سمرقند" لمحمد المنسي قنديل وتوق الرحيل في مواجهة الأسئلة، الذاكرة والتاريخ في رواية "بيت الديب" لعزت القمحاوي، التخييل الحكائي في رواية "أنبئوني بالرؤيا" لعبدالفتاح كيليطو، "غرفة أبي" لعبده وازن والبحث عن زمن غائب، ثنائية الأنا والزمن في رواية "حيث لا تسقط الأمطار" للشاعر أمجد ناصر، "سيدات القمر" لجوخة الحارثي.
وكما بدأ الكتاب بفصل مميز، ينتهي الكتاب بفصل مميز عن "روايات في مواجهة العنف" حيث تكشف الروايات التي تناولتها الناقدة فيه أن النسخة الحالية التي تتراءى من مشاهد الإرهاب، "هي النسخة الأكثر نزقاً وتطرفاً في منظور الإبداع؛ لأنها مصنّعة على غير قياس، وليست وليدة مصادفة أو نتاج ظروف فقر وجهل فقط، بل الجهل والفقر وكل موبقات المجتمعات ما هي إلا المادة الخام التي استحضرت ليعدّ منها هذا المزيج المُرّ لما يسمى بالإرهاب".
ومن هذه الروايات: "الأفيال" لفتحي غانم، وهي من الأعمال الأولى التي واجهت ظاهرة الإرهاب، وترصد ظهور الحركات التكفيرية وتكشف عن الوسائل التي تمكن الفكر الإرهابي من الانتشار، وكان فتحي غانم قد سبق أيضا بتناول شخصية الإرهابي في روايته "تلك الأيام".
كذلك تناولت الناقدة "أساطير رجل الثلاثاء" لصبحي موسى، الذي يعتمد على تفاصيل ووقائع تاريخية، ومع ذلك فإنه تمكّن من نسج الجانب التخييلي الفني، مع الجزء الواقعي في إيقاع منسجم مع السرد، الذي ابتعد عن الجفاف الذي يفرضه موضوع الرواية التي تتبع صعود أسامة بن لادن وسقوطه.
وعن الحرب ودورها في تهيئة المناخ للإرهاب تدور أحداث روايتي "الحفيدة الأميركية" لأنعام كجه جي، و"فرانكشتاين في بغداد" لأحمد السعداوي، وفي ذات السياق عرضت لراوايات "مغلق للصلاة" لمصطفى سعيد، و"الزلزال" للطاهر وطار، و"مملكة الفراشة" لواسيني الأعرج، و"الأسود يليق بك" لأحلام مستغانمي، وأخيرا "تاء الخجل" لفضيلة الفاروق، حيث تواجه مأساة أكثر عمقاً وتشعباً، فهي من خلال شخصية خالدة التي تعد تحقيقاً صحافياً يتناول قضية النساء اللواتي تعرضن للإرهاب عبر خطفهن من جيش الإنقاذ واغتصابهن، ومن خلال شخصية يمينة، تعرِّي المجتمع، كاشفة عن تخاذل الدولة في مساندة النساء المغتصبات.
وفي النهاية تلاحظ الناقدة أن الروايات العربية في تناولها لظاهرة الإرهاب تكاد تنتهي جميعها عند نقطة واحدة تتقاطع مع غياب الأفق التنويري الذي يؤدي لتحجيم عوامل نشوء العنف، فالروايات تجمع على النهايات المهزومة، في مواجهة الإرهاب، حيث ينكسر الأبطال الذين يمتلكون الوعي، وينهزمون؛ إما بالموت، وإما بالسفر أو بالمرض النفسي. (وكالة الصحافة العربية)