نعم سلطنة عُمان ليست على الخريطة!

تحدث إلى زميل دراسة قديم لم أقابله منذ سنوات وسألني عبر الفيس بوك: أين أراضيك الأن؟

فقلت له أقيم في سلطنة عُمان حيث أعمل، ولم أكمل باقي جملتي حتى فاجئني بعبارة تنم عن سطحية وجهالة متفشية في قطاع عريض من أدعياء الثقافة من النخبة التي صارت مع الزمن نكبة حقيقية، حيث قال: "هي عُمان فين، هل هذه دولة، عُمان غير موجودة أصلاً على الخريطة"؟ قالها بحماس وحسم ملحوظين.

لم يفاجئني القول فقد سمعته من قبل غير مرة من آخرين لا يستحقون مجرد النقاش معهم، لكنني حرت هذه المرة في الرد على ابن بلدي العريق صاحب السبعة آلاف سنة حضارة، سبب حيرتي أن شهادتي مجروحة لو طال حديثي حال بلدي مصر خاصة وأنا خارجها، وشهادتي أيضاً مجروحة لو تحدثت عن عُمان البلد الذي أعيش فيه وارتزق منه الآن، فكل حرف قد يحسب في خانة الدفاع عن مصدر رزقي ولقمة عيشي وعيش أولادي وأسرتي.

سرعان ما تبددت حيرتي حين تركت الأرقام والحقائق تتحدث عن نفسها وعن عُمان من منظور عالمي وإقليمي وعربي خليجي، ولأن لغة الأرقام لا تكذب ولا تتجمل، بل هي لغة حاسمة قاطعة لا تعرف العاطفة ولا الأحكام السطحية، فقد قلت لزميل الدراسة في أوائل السبعينيات والثمانينات، نعم يا عزيزي عُمان ليست على الخريطة فعلاً، ففي حين تلتهب الأوضاع ويضرب الإرهاب الأسود بوحشية لا ترحم ولا تميز في دول الجوار العربي في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وفي ليبيا وتونس ومصر والسودان وتركيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من أصقاع الأرض، تنعم عُمان وشعبها بأمان نادر نسأل الله أن يديمه على هذا البلد الطيب وأهله الأوفياء؛ فقد حصلت السلطنة على درجة الصفر في المؤشر العالمي للإرهاب، وهي الدرجة التي تمثل ذروة الأمان من التهديدات الإرهابية، بحسب تقرير صادر عن معهد “الاقتصاد والسلام” في مؤشره الدولي الثالث للإرهاب لعام 2015.

حجزت عمان لنفسها موقعاً على خريطة تضم أكثر مناطق وبلدان العالم أمناً وأماناً، في حين تصدرت دولة عربية شقيقة هي العراق القائمة لأكثر الدول تعرضاً لمخاطر الإرهاب في العالم، بينما تصدرت المملكة المتحدة القائمة الأوروبية لأكثر الدول تعرضاً لمخاطر الإرهاب بالمنطقة بينما حلت في المركز الـ 28 عالمياً، تعقبها اليونان (29) وفرنسا (36) وإيرلندا (48) وألمانيا (53)، أما الولايات المتحدة فحلت في المرتبة الـ 35.

وقفت السلطنة رأساً برأس مع 37 دولة أخرى حصلت على درجة الصفر لتمثل ذروة الأمان من التهديدات الإرهابية منها اليابان وفنلندا وكوريا الجنوبية وسنغافورة.

وهكذا صدقني يا عزيزي أن عمان ليست على خريطة الإرهاب التي ربما تقصدها أنت!

عُمان يا عزيزي ليست على خريطة التخلف الاقتصادي ولا الفساد المالي ولا ضعف الجاهزية التقنية ولا هي على خريطة المتخلفين عن ركب التنافسية الدولية، فقد كشف التقرير السنوي لمؤشر التنافسية العالمي لعام 2015 -2016 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) في سويسرا، عن ترتيب الدول العربية والعالمية في مجالات التطور وتعزيز الكفاءات الاقتصادية حيث حصلت سلطنة عُمان على المرتبة السادسة عربيًا والـ 62 عالميًا فيما تراجعت دول عمرها قرون لتتزيل هذه القائمة التي تقيس كفاءة مستويات التعليم العالي والتدريب، وأسواق المال والعمل والسلع، ومدى الاستعداد التكنولوجي، بالإضافة إلى تحديد عوامل تطور الابتكار والنجاح في تعزيز الكفاءات المهنية لدى سوق العمل.

وللمرة الثانية أقول لك يا عزيزي نعم عُمان ليست على خريطة المتخلفين عن معايير التنافسية الاقتصادية والتعليمية وتنافسية سوق العمل والتدريب والجاهزية التقنية، وربما تلك هي الخريطة التي تعيها أنت!

عُمان يا عزيزي وللأسف الشديد ليست على خريطة الحياة التعيسة، فقد حصلت السلطنة على المركز الثاني عربياً في مؤشر السعادة العالمي لعام 2015 الذي تضمنه التقرير الثالث لمستوى السعادة حول العالم 2015 والذي أصدرته شبكة حلول التطوير المستدامة التابعة للأمم المتحدة «SDSN» واستند التصنيف على عوامل متعددة مثل الحصة الحقيقية لكل فرد من إجمالي الناتج المحلي ومعدلات الفساد والحريات والرعاية الصحية وغيرها وشمل التصنيف 158 دولة. ووقفت السلطنة على قدم المساواة مع دول مثل سويسرا وايسلندا ثم الدنمارك ثم النرويج ثم كندا ثم فنلندا، بينما تخلفت عدة دولة عربية أوفر حظاً وأقدم تاريخاً من عمان.

وللمرة الثالثة أجدني أتفق معك عزيزي في أن سلطنة عمان ليست على خريطة التعاسة العربية ولا الإقليمية أو الدولية التي ربما تقصدها أنت مع الأسف!

وعالمياً حصلت السلطنة على المركز السابع في جودة الحياة بحسب قاعدة البيانات الدولية الإلكترونية “نمبيو” كما ورد في تقرير موسع نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية.وقد صنف هذا المسح العالمي السلطنة في المرتبة السابعة من خلال معايير عدة منها معيار جودة الحياة الذي يقوم على نظافة البيئة والأمن والسلامة والقوة الشرائية لدى السكان وغيره من المعايير.

وهنا أيضاً اتفق معك عزيزي للمرة الرابعة في أن السلطنة ليست على خريطة التلوث والعجز الشرائي وسوء الحياة في الوقت الذي غرقت دول عدة أخرى – ربما تعيها أنت جيداً - في وحل التلوث وانعدام الأمن والامان وضعف القدرة الشرائية على الوفاء بأبسط الاحتياجات اليومية للمواطن المطحون!

عُمان ليست على خريطة التخلف، في هذا معك حق عزيزي أيضاً، فقد حلت السلطنة في المرتبة الخامسة عربيا والـ69 عالميا في مؤشر الابتكار العالمي 2015، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية وجامعة كورنيل بالتعاون مع منظمة الانسياد، حيث يرتب أداء 141 بلدا اقتصاديا في أرجاء العالم، وذلك استنادا إلى 79 مؤشرا، يأتي هذا بينما تهرب العقول المبتكرة من خريطة دول تعرفها أنت جيداً، باتت شعوبها تبحث لنفسها عن فرصة في أرض الله الواسعة، ما بين لاجئ هنا ونازح هناك وباحث عن هجرة وجنسية دولة أخرى، في وقت تراجع معدل الابتكار والاختراع في دول هذه الخريطة الطاردة للعقول والتي ربما تقصدها أنت!

عُمان ليست على خريطة البيروقراطية وطرد المستثمرين يا عزيزي، فقد حققت السلطنة تقدما في مؤشرات سهولة استخراج تراخيص البناء، سهولة تسجيل الملكية وسهولة بدء النشاط التجاري وسهولة الحصول على الكهرباء وحماية المستثمرين، حيث حصلت السلطنة على المركز رقم 6 بين الدول العربية والرقم 5 بين دول مجلس التعاون وفقاً لسهولة ممارسة الأعمال للعام الجاري، وفي هذه المرة أيضاً اتفق معك يا عزيزي في أن سلطنة عمان ليست على خريطة إعاقة الاستثمار!

نعم يا عزيزي عُمان ليست على خريطة التخلف البشري، فقد صنفت السلطنة ضمن مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة العام الماضي وجاء ترتيبها في المركز 56 بين 187 دولة وقد تقدمت 28 مركزاً عن السنة 2013 ويقوم دليل التنمية البشرية على ثلاثة أبعاد : مستوى حياة لائق، حياة مديدة وصحية، والمعرفة متكونا من ثلاثة ادلة فرعية : دليل توقع الحياة، دليل التعليم، ودليل الناتج المحلي الإجمالي. أما في دليل التنمية البشرية 2014 حصلت السلطنة على المركز 7 بين مجموعة الدول العربية والمركز 6 بين مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي.

نعم يا عزيزي عُمان ليست على الخريطة في معدلات النمو البطيئة الكسيحة التي لم تدركها دول عدة، فقد اوضحت دراسة للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالكويت ان سلطنة عمان تقدمت على باقي الدول العربية الاخرى باعتبارها الدولة العربية الاكثر نموا خلال الخمسين عاما الممتدة من 1960 الى 2008 وذلك بالنسبة لنمو الناتج المحلي الاجمالي حيث سجلت السلطنة نسبة نمو بلغت 9.6 بالمئة في حين بلغ معدل النمو للناتج الاجمالي للعالم العربي ككل 4 بالمئة خلال تلك الفترة. واذا وضع في الاعتبار ان مسيرة النهضة العمانية الحديثة انطلقت عام 1970 فان ذلك يوضح مدى الجهود والانجاز الذي تحقق على امتداد السنوات الماضية.

كذلك حصلت سلطنة عمان على المرتبة الاولى عالميا في معدل سرعة التنمية البشرية وعلى المرتبة الأولى عالمياً أيضاً في ارتباط التنمية البشرية بعناصر غير العائدات النفطية وذلك وفق تقرير سابق للتنمية البشرية صادر عن الامم المتحدة والذي صنف 135 دولة على مستوى العالم. وقد اشار التقرير الى ان تتويج السلطنة بالمركز الأول عالمياً من حيث سرعة معدل التنمية البشرية يعود لما حققته السلطنة في مجالات الصحة والتعليم ومن ثم فان مصدر هذا التقدم الذي تحقق ليس ايرادات النفط والغاز كما يفترض.

عُمان يا عزيزي ليست على خريطة الإرهاب والعنف وانعدام الأمان وسوء مستوى المعيشة وبطء معدلات النمو وانعدام الابتكار والبيروقراطية والفساد والقمع والتمييز العنصري والطائفية البغيضة، ولا هي على خريطة الدول الطاردة للعقول وللاستثمار، ولا هي على خريطة البيئة القذرة ولا الانهيار الأخلاقي وليس لها وجود من الأساس على خريطة التحرش الجنسي التي باتت مقرراً يومياً في دول عظمى غرقت في مستنقع الوحل والانهيار القيمي والأخلاقي.

عُمان يا عزيزي، ليست أغنى بلد في العالم، ولا هي جنة الله على الأرض، ولا تخلو من تحديات ومشكلات، لكنها صنعت لنفسها خريطة خاصة غير تلك التي ربما تقصدها أنت، الخريطة العمانية الخاصة صنعتها الدولة وصنعها الشعب بالصبر والعمل الدؤوب وليس بالكلام ولا الشعارات الطنانة، لتحجز السلطنة لنفسها موقعاً وسط كبريات الدول، موقعاً يضاهي يؤهلها لأن تكون سويسرا الدول العربية ونرويج الخليج، فهي دولة تقوم سياستها الخارجية على، الجنوح إلى السلام والمفاوضات والبعد عن لغة التهديد والصدام، التوازن في العلاقات مع دول الجوار والنأي بالنفس عن الصراعات، الاعتماد المتبادل والارتباط بمختلف الأطراف، الحفاظ على الأمن في منطقة الخليج ومضيق هرمز، وحماية مراكزها التجارية الهامة في مدخل الخليج، مع الثبات والاستمرارية في هذه السياسة عبر تاريخها، ولهذا يا عزيزي هي ليست على خريطة الدول التي سارعت لمعاداة دولة جوار خليجي، فلا هي أقدمت على سحب سفير ولا المشاركة في حرب، بل وقفت بعيداً عن خريطة الصراعات الإقليمية والدولية، وبعيدة عن خريطة التسول من الآخرين رغم محدودية مواردها، وهي أساساً خارج خريطة التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهي قبل ذلك وبعده مهندس كل العلاقات الدبلوماسية في المنطقة والعالم للفزاعة الإقليمية والدولية إيران، ولهذا هي ليست على الخريطة التي تقصدها أنت!