نقيب الصحفيين التونسيين يتهم الرئاسة باستهداف حرية التعبير

هل تراجع عن تعهده بحماية حرية الإعلام؟

اتهم رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ناجي البغوري الخميس الرئاسة التونسية بـ"ممارسة ضغوطات على الصحفيين" وأنها اتصلت بالمديرين العامين للمؤسسات الإعلامية العمومية من أجل إلحاق صحفيين اثنين عن كل مؤسسة، وإقامة فريق للعمل بالقصر لتلميع صورة رئيس الدولة، موضحا أن هناك مؤسسات وافقت على هذا العرض، فيم امتنع عدد آخر.

وأثارت تصريحات البغوري بين الإعلاميين التونسيين موجة من "الجدل" حول حرية الإعلام خاصة وأن البغوري قال إن النقابة "ورد عليها أكثر من لفت نظر من الزملاء الصحفيين في الإعلام العمومي وبشكل أساسي في الإذاعة والتلفزة، حيث يهاتفهم أشخاص من السلطة التنفيذية، ويتكلمون معهم بلغة العتب أو النصح أو التوجيه أو الإرشاد".

ونبه البغوري إلى مخاطر "محاولات السيطرة على الإعلام من قبل السلطة التنفيذية" فيما نفت مصادر رسمية "أي توجه للهيمنة على الإعلام"، مشددا على أن حرية الإعلام "خط أحمر".

يأتي ذلك في وقت يعتبر فيه التونسيون أن "حرية الإعلام" هي المكسب الوحيد لثورة يناير 2014 حيث تسلح الصحفيون والإعلاميون بكثير من الجرأة والنضال من أجل الدفاع عن ممارسة مهنتهم بكل حرية بعيدا عن شتى أشكال الضغوطات التي مارستها الحكومات المتعاقبة.

بدأ "الجدل" حول حرية الإعلام العمومي حين كشف نقيب الصحفيين التونسيين ناجي البغوري أن عددا من الصحفيين والإعلاميين اتصلوا بالنقابة ولفتوا نظرها إلى "أن أشخاصا من السلطة التنفيذية ما انفكوا يتصلون بهم هاتفيا ويتكلمون معهم بلغة العتب أوالنصح أوالتوجيه أوالإرشاد". وحذر البغوري من "محاولات السيطرة على الإعلام من قبل السلطة التنفيذية سواء رئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية.

وقال البغوري إن المكلف بالاتصال بالرئاسة التونسية معز السيناوي يتصل بالمؤسسات الإعلامية لعدم تمرير صور للرئيس إلا بعد القيام بعملية المونتاج، وهي ممارسات انتهجها النظام السابق، مشيرا إلى أن هذه الممارسة ثابتة وموثقة.

وأوضح أن الدعوات التي توجهها الرئاسة التونسية لتغطية سفرات رئيس الجمهورية إلى الخارج تتم بصفة انتقائية وخاصة في الإعلام المكتوب لنرى عناوين على شاكلة \'\'شمس تونس تشرق في باريس وغيرها\'\'، ثم يبدأ الإشهار العمومي في الظهور في تلك الوسائل الإعلامية بشكل مفضوح.

وأثارت تصريحات البغوري "مخاوف جدية" لدى الصحفيين والإعلاميين من "تدجين" مهنتهم وتجريدها من حريتها ونزاهتها وموضوعيتها في التفاعل مع الشأن العام، بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وردّ المكلف بالإعلام والاتصال في الرئاسة معز السيناوي على البغوري بالقول إنه لم يتحد نقابة الصحفيين لكنه طلب منها أن تمده بإثباتات ملموسة حول الاتهامات التي تم توجيهها إليه بخصوص ممارسته ضغوطا على الإعلاميين.

وقال السيناوي الخميس إن رئيس نقابة الصحفيين التونسيين ناجي البغوري قدم مغالطات بخصوص مسألة اعتماد صحفيين بقصر الرئاسة، مشيرا إلى أن اللجوء إلى الصحفيين المعتمدين هو إجراء معمول به في الديمقراطيات العريقة.

وأقر أنه طلب قائمة بصحفيين تتم دعوتهم لتغطية نشاط رئيس الدولة وأنه لم يطلب صحفيين متفرغين بالعمل لدى رئاسة الجمهورية.

كما نفى إشرافه على عمليات المونتاج المتعلقة بنشاط رئاسة الجمهورية، مضيفا أنه لا حاجة له بتلميع صورته.

وأطلقت الإعلامية بالتلفزة التونسية الحكومية أمال الشاهد نداء إلى السلطات والهيئات بما فيها الحكومة ورئاسة الدولة والبرلمان وكذلك إلى الصحفيين والإعلاميين يدعو لاحترام حرية الإعلام واستقلاليته "بعيدا عن لوبيات المال والسياسة".

غير أن الرئاسة التونسية سارعت إلى التأكيد على احترام حرية الإعلام إذ صرح فيصل الحفيان المكلف بمتابعة المؤسسات الخاضعة إلى قصر قرطاج بأن "رئاسة الجمهورية تتعامل بصفة ايجابية مع كل وسائل الإعلام وتعتبر الإعلام سلطة رابعة وجب احترامها وبالتالي كل ما قيل او ما يقال خلاف ذلك لا صحة له". ودعا نقابة الصحفيين إلى "مزيد التحري".

وقال معز السيناوي معلقا على تصريحات نقيب الصحفيين "هم لم يذكروا أسماء، ولم يذكروا لا الزمان ولا المكان، بصفة عامة رئاسة الجمهورية لا تتعامل بهذه الصفة مع أيّ صحفي أو إعلامي، وإذا ورد أي تشكيك فليقل المشككون اسم وصفة من قام معهم بهذه التصرفات، نحن لسنا مع هذا التمشي مطلقا، بل بالعكس نتعامل مع الإعلام العمومي أو الخاص بصفة شفافة، ونحن ليس لدينا أي استعداد لكي نرجع بالإعلام إلى الوراء، مهجتنا في حرية التعبير.. فإذا كان هناك مكسب في تونس ربحناه من الثورة، هو حرية التعبير، ولا تراجع فيها، وهو الركيزة الأساسية للديمقراطية للجمهورية الثانية".

غير أن مدير التلفزيون الحكومي مصطفى بن لطيف اعتبر أن "النزعة للتدخل أو للتعقيب تأتي من السلطة وهذا ليس غريبا، فكل سلطة تريد أن يكون الإعلام في خدمة تصوراتها، وهذه الظاهرة موجودة في العالم"، مضيفا "نحن نعيش فترة مخاض في البلاد بين نزعة تريد القطع مع الماضي ويكون الإعلام العمومي مرفقا عاما وليس إعلاما حكوميا، هناك بعض الموظفين أو المستشارين لديهم مبالغات.. حرية الإعلام من المكاسب، نحن ندافع عنها، وهناك من يريد الجذب إلى الوراء وهناك من يدفع للأمام".

ويقول الصحفيون والإعلاميون التونسيون إن طبيعة مهنتهم ووعيهم بالمرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد تستوجب الوقوف على نفس المسافة من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، مشددين على أن "استقلاليتهم وشفافية المهنة" لا تتعارض مع توجهات الإعلام العمومي الذي يبقى في خدمة الدولة، غير أنهم يلاحظون أن "خدمة الدولة لا يضمنها إعلام مدجن بل يضمنها إعلام حر يتحلى بالجرأة والنقد ليكون مرآة تعكس مشاغل التونسيين".

وشدد البغوري على ضرورة التيقظ حول المظاهر التي بدأت في العودة لتدجين القطاع الإعلامي. وقال إن من شهد الانفتاح الإعلامي في الثمانينات ثم انغلاقه في التسعينات يجب أن يكون واعيا بإمكانية عودة ذلك الأمر واستنساخها بنفس الممارسات والأساليب.