نهاية عصر شيء أسمه سياسة

انتفت الحاجة إلى السياسي اليوم، ولم يعد مرغوبا به في عالم "اتصالي" متغير، فهو الشكل القديم، المتآكل الذي فشل في الانسجام مع كيانه الإنساني. ولم يعد ذلك النموذج الآلي المتماثل والعنصر التبادلي القابل للاندماج بكفاءة مع ما تتطلبه الأنساق المعاصرة.

السياسي كائن ممقوت، يتلقى اللعنات كل يوم، مرقونة بحروف طباعية راقية تتصدر صفحات الجرائد، أو مكتوبة بحروف مرتعشة في منشور أو مختبئة بين طيات ورقة بيضاء كتبت بالحبر السري، وتحاصره صفات القمعي، الاستبدادي، الديكتاتوري.. القابع في برج عاجي، لا يسمع، لا يرى، لا يتكلم إلا عبر قنوات تسلط القوة فمساحات التباعد شاسعة بينه وبين شرائح المجتمع التي تحيا استلابا جبريا لحقها المشروع المدون في لوائح الارتقاء بالمكانة الانسانية.

السياسي في عصر ما بعد التاريخ، العصر الراهن هذا أضحى كائنا قديما، أفلت من قبضة سبارتكوس محرر العبيد.. أما السياسة التي تجري في ملاعبها أمام أنظار جمهور محاصر في مقاعده المعزولة بأسلاك حديدية شائكة فهي النظام المتآكل الآتي من رحم العصور المظلمة.

والكل ولى واندثر، والشمس غيرت موقع إشراقها، ومواقيت القمر ضربت موعدا جديدا للناس... وركن السياسي أثرا "ملعونا" في مربع بلوري يزين قاعات المتاحف!

إلغاء السياسة

منذ عصر النهضة.. والمفاهيم تتوالد في قارة أوربا، المفهوم السياسي يسعى لإلغاء السياسة!

هكذا رؤية سياسية تلغي قانون العلاقات السياسية، وتحنط السياسي الممقوت.

لقد ولد في أوروبا مفهومان سياسيان، سعى كل منهما إلى إلغاء السياسة عبر إلغاء وجودين يكمل أحدهما الآخر.. فكان الهدفان:

الهدف الأول: إلغاء الموضوع السياسي بذاته.

والمعني هنا المجتمع المدني والمعاملات التجارية وكل ما يعقد الحياة المشتركة ويولد نزاعات مصلحية فردية أو جماعية وعدم مساواة "تغييب العدالة" وتعميم الظلم، ومن دعاة هذه "اليوتوبيا" روسو وكارل ماركس.

إن اختفاء الأمة يحمل في طياته موت السياسة..

هذا يرى المفكر الأوروبي جان ماري جوينو إذ "مهما كانت التقاليد التي نرتبط بها فالنقاش السياسي يفترض وجود جسم سياسي.. ولا يمكن أن يكون هناك تعبير عن السيادة دون تشكل جسم سياسي يتيح من خلاله للمواطن أن يعبّر عن وطنيته المؤسساتية بطاعته للقوانين الموضوعة.."

ففي زمن الاتصالات الشبكية لا تنفرد علاقة المواطن بالجسم السياسي المفروض عليه.. وتتعرض هذه العلاقة الى المزاحمة من قبل كم هائل من الاتصالات التي يجد ذاته سابحا في فضائها خارج هذا الجسم السياسي "المحلي".. حتى تبدو السياسة وكأنها لم تعد ذلك المبدأ التقليدي الذي ينظم الحياة في المجتمع.. إنها هذا النشاط الثانوي الذي فقد أولويته.. هي ذلك "البنيان المصطنع الذي لا يتلاءم مع حل المشاكل الجوهرية للمجتمع المعاصر".

الهدف الثاني: السعي نحو إلغاء الدولة.

فهي المجال الرحب، الشاسع لممارسة التعسف والاستبداد.. كما جاء في آراء المفكرين الفوضويين والفيلسوف كانت.

إلغاء الدولة.. هو العودة إلى الجوهري أو هو المقاربة السياسية التي تجسد الانتهاء من أداء مهمتها التاريخية بعد أن فقدت القدرة على تحقيق الآمال وعجزت عن إيجاد الإجابة عن أسئلة هذا الزمن المعقد..

لكن أليس هو التناقض بعينه.. حين تثار مسألة نهاية الدولة.. والقوميات المتناثرة من جراء انهيار الاتحاد السوفياتي تندفع نحو انتزاع مكانتها كدولة في منظمة الأمم المتحدة الآخذة في الاتساع؟!

قد ينتفي شرط التناقض في عصر تعدد الأمم التي تترافق مع زمن نهاية وموت جسمها السياسي.. حين ندرك أن نزوع الأمم إلى الاستقلال هو النزوع الأول لشعوب الكرة الأرضية نحو الحرية والانعتاق..

المحركان في مسيرة الكفاح الإنساني، والالتقاء الذي نما في أوروبا قديما بين التأكد على الهوية الوطنية والمطالبة بالديمقراطية امتد على امتداد الأرض فكانت الصلة المتجددة بين الهوية الوطنية والمطالبة بالاستقلال.

مفهومان متوازيان

إلغاء الدولة وإلغاء السياسة.. هما المفهومان المتوازيان ويمتلك أحدهما بالضرورة دولة..

الدولة هي المفهوم الماركسي الذي يلغي الموضوع السياسي، عاشت في مجتمع مدني في حالة بدائية لكنها مراقبة لأجهزة القوة..

أما مفهوم إلغاء الدولة الذي ينفذ في الولايات المتحدة الأميركية، فهو المجتمع المدني الذي يحول الدولة والمؤسسات باسم حقوق الإنسان إلى وظيفة "الحارس الليلي" و"ضابط الأمن" الذي يراقب مساعي الدولة في أداء دورها في ميدان الأخلاق والميدان السياسي.. والسياسي الخارجي، فتظهر الدولة هنا وكأنها تؤدي دور الوكالة الاجتماعية المتجهة في مسارات مغايرة لا تمت إلى قوانين الدولة بصلة.

ـ انه الاختيار المعاصر لطريق حضاري عصري آخر.

لقد فشلت أوروبا الغربية في تطبيق أحد هذين المفهومين، وكان فشلها ناجما عن عدم رغبتها في تحقيق هذين الحلمين الفوضويين.

لقد رفض البناء الموروث عن روما مفهومي إلغاء الدولة أو إلغاء الموضوع السياسي، وظلت الكنيسة الفاعلة في أوروبا تتمسك بمبادئ ذلك الموروث الحي في الزمن المعاصر.

واجتازت فكرة إلغاء السياسة الهادفة كوجهة نظر مبدئية إلى بناء عصر ذهبي أكثر رقيا كل الطرق المعقدة لتستقر في موسكو "سابقا" و"واشنطن" حاليا.

إلغاء الدولة.. إلغاء السياسة، الأفكار التي تعاني منها أوروبا اليوم وتهدد خصائصها الموروثة، قد ولدت فيها، لكنها لم تتحقق إلا خارجها.. لذلك تتحمل عاقبتها الآن: قوات أميركية تشغل المواقع في الخارطة الأوروبية.. وتؤثر ثقافيا من خلال وسائل الاتصال وأسلوب الحياة وحتى الأخبار المعلنة والمتعلقة بالأخلاق والصور الفاعلة بفعلها في عقل المتلقي..

إنه المشروع الأميركي "أميركانالوجيا" مناهج فيما وراء المحيط الأطلنطي للتأثير في العالم، والتأثير في حياة الناس وتحديد شبكة القوانين الجديدة وتعيين طرق التجارة ودور التكنولوجيا في المدرسة والبيت وتعميم أسس الثقافة المنمطة..

وهكذا يكون التأثير الذي تمارسه أميركا على أوروبا المبتلية بمواجهة التحديات المعاصرة.. التي كونت أفكارها فيما مضى.

الظاهرة الأميركية اكتشاف فرنسي

الظاهرة الأميركية.. أو "أميركانالوجيا" كانت نسيا منسيا، أو فكرة مجهولة لم تخطر على بال أحد، قبل أن تكتشفها أوروبا المنشغلة دوما في البحث عن الظواهر الجديدة.

الأميركيون أنفسهم لم ينتبهوا لخاصية ظاهرتهم..

لقد جاء شارل اليكسي دوتوكفيل وهو كاتب ورجل سياسي فرنسي ولد في باريس عام 1805 وتوفي في مدينة كان عام 1859، مارس مهنة القضاء ودرس في الولايات المتحدة نظام الاصلاحيات قبل أن يعود بمؤلف سياسي ضخم عنوانه "الديمقراطية في أميركا 1840 ـ 1835" والذي أصبح فيما بعد الكتاب المقدس لأنصار الليبرالية.. عين دوتوكفيل وزيرا للخارجية الفرنسية للفترة من 2 يونيو/حزيران إلى 30 أكتوبر عام 1849.. ونشر كتابه بعنوان "نظام الثورة القديم" أشار فيه إلى أن الثورة أنهت اتجاهات الملكية الفرنسية العميقة (المركزية الإدارية وتفكك السلطات)>

اليكسي دوتوكفيل المفكر الأوروبي الأول الذي نقب عن الظاهرة الأميركية منذ زمن بعيد ومؤلفه الكبير عن الديمقراطية في أميركا يكتسب اليوم قيمته الكبرى.. حيث يكشف عن الآلية الذاتية للوجود..

مشروع قابل للتصدير

لقد وجه دوتوكفيل تحليلاته في هذا المعنى الذي أدرك مشروعا يقود إلى تغيير معطيات الشرط الإنساني، مشروعا قابلا للتصدير لأنه يتمثل كايديولوجيا خلاصا للإنسان يحصل عليه بقواه الخاصة.. وهكذا تصبح الولايات المتحدة الأميركية وهي تمثل الهدف الإنساني الأوحد في كوكب الأرض بما يحتم عليه إدخال الآخرين في قالبها الخاص بكل الوسائل.. والقبول بمبادئ ورؤى "العصر الأميركي".. ولا مجال للحديث عن التوازنات بين القوى المتوزعة في هذه القارة أو تلك.. فالتوازنات مفقودة أصلا إزاء "الإمبراطور الأميركي الأوحد" وتبقى أوروبا المجبرة على مواصلة مسيرتها عبر الطريق الأميركي للحياة..

في عصر موت السياسة، والوقوف في محطة الكآبة لتوديع التاريخ بكل حصيلته من الإنتاج الإنساني العظيم (فكر، فلسفة، فن..) تشترط الكتابة أسلوبا شيقا، ومهارة فائقة وتفصيلا دقيقا لخطوط النهايات التي بلغتها عوالم الكرة الأرضية قبل بلوغ "عصر الاتصال" طوره التكويني..

عصر النهايات

موت السياسة.. وأفول نجم السياسي المضيء في سماء متعالية، كان التتويج المثالي لنهايات كل الأشياء.. الديمقراطية هذا الحلم الوردي الذي طالما داعب المخيلة، استحال إلى بضاعة قديمة في العالم الغربي.. وأقر المفكرون الغربيون نهاية "عصر الديمقراطية" التي ارتبطت بمرحلة تاريخية لنظام سياسي واقتصادي واجتماعي وارتبطت بشروطه وخضعت لتفاعلاته الداخلية والخارجية.. نهاية هادئة نتيجة التفاعلات الجديدة على الصعيد العالمي.

والدولة فقدت رونقها وأضحى حالها حال أية مؤسسة تجند موظفي العلاقات العامة فيها لإقناع الرأي العام بفوائدها وأهمية بقائها عبر حملات إعلانية كبرى..

وفكرة الحدود الوطنية لم تعد فكرة بديهية.. وأضحت خطوط الحدود الوهمية عقدة تجاوزها الزمن.. وحتى الأمم تسجل نهايتها باندماجها في عالم اتصالي متعاظم في شبكته صغير تلاقيه..

وهكذا يتبدل كل شيء عندما يتجاوز النطاق البشري نطاق مجالاته المحددة وعندما يؤدي تحرك البشر والاقتصاد إلى نسف الحدود والتقسيمات التجارية.. ويضحى المجتمع في كيانه متواجدا كآلة ضخمة.. طريق عملها لا تتطلب سياسيين عظماء أو فلاسفة وحكماء أو مواطنين وأعين، فالمطلوب فقط "نموذج آلي متماثل" وعنصر تبادلي قابل للاندماج بكفاءة ما تتطلبه الانساق المعاصرة.. إذ لم يعد بإمكان الأمة كما تزعم دمج قدراتها السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية كقوة تدافع عن وجودها، إنها بهذا إنما تفرض على ذاتها العزلة التي لا تضمن لها البقاء حتى ككيان اجتماعي تسمح به الايديولوجية الأميركية.

وإذ نودع عصر المؤسسات والسياسة.. ندخل طور عصر جديد لا يحتمل وجود نزاع، أو تفجر صراع.. انه عصر التماثل والتجانس عبر تداول المعلومات بوتائر مندفعة يكون موضوعها في الأساس إذابة النزاعات بأساليب من الإجراءات التصحيحية ولم يعد أي أحد يتحمل أعباء التخطيط للمستقبل، فكل الخطط الاستهلاكية جاهزة سلفا، وتبقى المهمة الإنسانية الكبرى هي مجرد الاكتفاء بتطوير قدرات التكيف مع المعطيات العصرية التي تشكل القيمة الجوهرية المثالية.

انطوى عصر السياسي واندثر، وجاء زمن الكائن البشري الجديد، المتوافق مع تفاصيل الموجود والمتكيف مع متغيراته والمتقبل لشروطه، هو المتجانس مع كل شيء.. باتجاه يتخطى ذروة الانفتاح المرن.. انهارات القيم الأخلاقية، وسحقت كل المبادئ، وما عاد الفكر مؤشرا للمسار السياسي، وما عاد الهدف في الانتظار، فالانتقالات الزمنية بديهية.. أو هي تحصيل حاصل لاستهلاكية القانون الزمني الراهن.. وداعا لعصر السياسة المندثر، وداعا للسياسي الذي فشل في ضمان تواصل وجوده القائم على موازنات قلقة..

أسئلة اليوم.. مقعدة، حائرة، مطلقها ضائع، هائم في مساحات شاسعة مفتوحة، لكنه لا يمتلك أي موطئ قدم.

الانقلاب الكوني، استكمل مراحل تحولاته، وتمركزت "الإمبراطورية الجديدة" في مراكز قوتها المطلقة وحيدت أصحاب الفعل المضاد ومسكت بزمام حركة الأرض واستحكمت دورانها التقليدي.. وانهارت أركان السياسة في حركة الانقلاب.. ولم يعد الإنسان فردا منتسبا لأمته، ولم تعد له مدينة.. ولم يعد السياسي إلا ذاك الثور الحجري المجنح.. أثرا ملعونا لعصر قديم.