نواب صفوي... وخطة الإخوان المسلمين لإنقاذه

أين فدائيان إسلام بعد الثورة الإسلامية؟

أطلعنا، في المقال الماضي، على شيء يسير من سيرة «مجتبى نواب صفوي» (أُعدم 1955)، منشئ وقائد «فدائيان إسلام» بإيران، وخطابه وقسمه وسط بغداد، في مسجد أبي حنيفة، بأنه يصل إيران وسيزلزلها على الشَّاه ووزرائه، وما أن وصلها (مطلع 1955) حتى أقدمت حركته على محاولة اغتيال رئيس الوزراء حسين علاء، فأصيب بكتفه. إثرها أُلقي القبض على صفوي وحكم عليه وعلى آخرين بالإعدام. فتحرك «الإخوان المسلمون» لإنقاذه ولو باختطافه من سجنه، وبتوسيط ملك العراق ومرجعية النجف، وقد حصل هذا، في ما بعد أيضاً، بتحرك إسلاميين سُنّة وشيعة لإنقاذ سيد قطب (أعدم 1966)، وفي القضيتين تم الرجاء من المرجعية بالنجف مناشدة الحكومتين (سنخصها بمقال في ما بعد)، الإيرانية والمصرية، بغض النظر عن هوية المرجو إنقاذه المذهبية.

نقرأ في كتاب الشيخ معن العجلي «الفكر الصحيح في الكلام الصريح» (طبعة خاصة 2012)، كيف تنادى «الإخوان المسلمون»، من مختلف الفروع، لإنقاذ صفوي بالتخطيط لاختطافه من معتقله، ولهذا الغرض حضر إلى بغداد الناشط الإخواني كامل الشريف (ت 2008) والشيخ علي طنطاوي (ت 1999) مع جماعة من «فدائيي الإخوان المسلمين».

يقول الشَّيخ العجلي: «لقد علمتُ من الأخ المرحوم كامل الشريف أنه كان على رابط مع أحد السجانين للمساعدة في مغامرة الاختطاف، ومن أجل التداول في إنجاز هذه المهمة العسيرة التقى في جمعية الأخوة الإسلامية ببغداد زمرة فعالة من قادة الإخوان المسلمين جمعهم الشيخ محمد محمود الصواف يؤامرون بإنقاذ نواب صفوي بأخطر ما يمكن من ركوب الأهوال والمخاطر، فأقروا بينهم خطة الجسارة والإقدام المرسومة من قبل كامل الشريف الجدير المحنك لمراس هذه المعاضل» (المصدر نفسه). لكن الخطة لم تنفذ.

استنفر قادة «الإخوان المسلمين»، وبغداد كانت مقر التَّحرك، إلى جانب خطة الإنقاذ بالاختطاف، ساعين لدى الحكومة العراقية والمراجع الشيعية، لما لها من تأثير بحكم المذهب على حكومة إيران، ولدى الحكومة العراقية بما لها من علاقات ممتازة آنذاك مع المملكة الإيرانية التي كانت تتهيأ للانضمام لـ«حلف بغداد» (أبريل 1955)، الذي ضمّ أيضاً العراق وتركيا (فبراير 1955).

فقام مراقب «الإخوان» العراقيين محمد محمود الصَّواف (ت 1992) وكامل شريف وعلي طنطاوي بزيارة رئيس الوزراء العراقي محمد فاضل الجمالي (ت 1997)، فأظهر لهم الاستعداد لإنقاذ «نواب صفوي»، ونصحهم أن يأتوا برسائل من مراجع النجف وبينهم: الشيخ عبد الكريم الجزائري (ت 1962)، والسيد محسن الحكيم (ت 1970)، على أن تكون موجهة إلى الملك فيصل الثاني (قُتل 1958) تحثه على التوسط لدى الشاه، ورئيس الوزراء سيدخلها إلى الملك ويطلب منه الاهتمام بالأمر.

كلف الصواف «معن العجلي» بهذه المهمة، فتوجه إلى النجف، وزار مجالس المراجع وحصل على رسالتين من مرجعين مهمين، أحدهما الجزائري، لكنه ظل يبحث عمَن يوصله إلى الحكيم، فالأخير، حسب معلومات العجلي، كان لا يحب حركة «فدائين إسلام» ولا صفوي، وربما بقي مراجع التقليد لهم هذا الموقف، كونها حركة ثورية سياسية والمرجعية ضد هذا التوجه، وهناك من حسبها لعلاقة الحكيم بالدولة الإيرانية، وبرقية شاه إيران إليه معزياً بالمرجع حسين البروجري (ت 1961) إيذاناً واعترافاً بمرجعيته (رفسنجاني، حياتي).

وأخيراً وصل العجلي إلى صاحب كتاب «الغدير» الشَّيخ عبد الحسين الأميني (ت 1970)، وكان المعروف عنه أنه يؤيد «فدائيان إسلام»، وتربطه صداقة مع صفوي نفسه، وكان الأخير قد درس بالنجف، وتركها قافلاً إلى إيران للرد على كاتب يُدعى أحمد كسروي (قُتل 1946)، بعد أن أفتى بضلاله، ثم رتب لقتله ونُفذ به علي يدي اثنين من حركته، واعتقل صفوي وأفرج عنه، فتحول تنظيمه إلى السرية.

لم يبق للعجلي في الوصول إلى الحكيم وإقناعه بكتابة رسالة لإنقاذ صفوي غير الشيخ الأميني، رغم أنه كان يعتقده سيتطير من اسمه وكتاباته ونشاطاته آنذاك. وكان العجلي قومياً عربياً، وله كتاب «دروس القومية»، حتى أنه يكنى «أبا المهلب»، وهو اسم نجله الأكبر، وهي كُنية نادرة بين العراقيين، إن لم تكن معدومة، نسبة إلى المهلب بن أبي صفرة (ت 83 هـ) والي خراسان والقائد الأموي المعروف في حروبه مع الخوارج.

الإخوان وفدائيان يدا بيد
يقول العجلي: «وإذا بالأميني، وهو شيخ مهيب وقور يهبط الدرج بلباسه التَّام، وهو يقول: أهلاً يا معن... أنت واحد من الذين يجب علي أن أخلص الود لهم، كل ما تريد أن تكون في بيان أفكارك، مصيباً أو مخطئاً، فلقد أخبروني من بغداد بغايتك التي جئت لها. ثم أخذ يعانقني، وهو ينشد أبياتاً من الشعر في مدح قبيلة بني عجل، وأخذ يبالغ بالترحيب، وعلمت أنه على معرفة تامة بموقف الإخوان المسلمين من هذه المسألة الرَّهيبة» (الفكر الصحيح في الكلام الصريح).

اطلع الأميني على رسالتي المرجعين، إلا أنه لم يُشجع على زيارة الحكيم لأنه حسب الأميني يكره «فدائيان إسلام». لكن أثناء ذلك اللقاء انتهت قصة «نواب صفوي»، فقد قرع الباب قرعاً شديداً، ناقلاً النَّبأ، فما أن فتح الشيخ الأميني حتى عاد منتحباً باكياً قائلاً: «أيها الأخ العجلي لقد نفذ القضاء وأُعدم المجتبى نواب صفوي وأخوته قبل ساعة من زمان، لقد جاءتني برقية من طهران بذلك» (المصدر نفسه).

كانت هناك صلة بين الشيخ الأميني ومراقب «الإخوان» العراقيين الصَّواف، فالأخير أبلغه بمهمة العجلي، والأميني أطلع على خطة اختطاف صفوي مِن سجنه، وكان مهد «مستلزمات التفاهم مع بعض السَّجانين، وتهيئة المتطلبات». يقول العجلي: «واستكتمني ذلك»! فالأميني على سفر بين العراق وإيران.

إنها قصة مثيرة يُشكر الشَّيخ العجلي على إخراجها مِن صدره، ونحثه لإخراج ما تبقى، وحسب لقائي به وقراءتي لكتبه، وجدته صاحب ذاكرة لم تضعفها التسعون.

ما يستنتج من هذا الدرس: إذا كان الإقصاء المتبادل، بين السنَّة والشيعة، تفرضه السياسة فالتلاقي، بين أهل الأحزاب، غير بريء منها. فينسب لصفوي نفسه أنه قال في حفل خطابي بدمشق (1954)، بوجود مراقب «الإخوان» السُّوريين، مصطفى السُّباعي (ت 1964): «مَن أراد أن يكون جعفرياً حقيقياً فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين» (خامه يار، إيران والإخوان المسلمين عن إبراهيم، الشِّيعة والسُّنَّة ضجة مفتعلة).

يبدو أن الإسلاميين عموماً، من دون إفصاح، المسلم الحقيقي لديهم هو الملتزم فكرياً وتنظيمياً، لأنه الطليعة!

رشيد الخيُّون

كاتب عراقي