نوبل الموازية تمنح نسختها الوحيدة لحكايا البشر في الكاريبي
القاهرة ـ من أحمد رجب
فور الإعلان عن فوز مغني الجاز الأميركي بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب للعام 2016، عقب الروائي البيرواني ماريو فارغاس يوسا الذي علق ساخرا : "السنة القادمة سوف يمنحونها للاعب كرة قدم"، كانت سخرية يوسا وغيره دليلا إضافيا على اهتزاز صورة الجائزة، وفقدانها للثقة بسبب تحيزاتها الجلية للآداب الأوروبية والأميركية، وأيضا لارتهان الجائزة بتصورات أعضاء الأكاديمية للأدب، فكثيرا ما يخلطونه بالسياسة، فتتحكم دوافع سياسية في منح الجائزة مثلما حدث مع نايبول الذي منحوه الجائزة لعدائه للإسلام، وذلك على خلفية أحداث سبتمبر/أيلول 2001.
وجاء إبريل/نيسان 2018 ليعصف بالجائزة ويزلزلها، إثر فضيحة أخلاقية تسبب فيها زوج الشاعرة كتارينا فروستنسن العضو في الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة ، فقد تبين في إطار الحملة العالمية "مي تو" أنه تحرش بعدة نساء، مثلما تبين اعتياده إفشاء أسرار اللجنة وتسريب أسماء الفائزين، وعقب ذلك استقالت سكرتيرة اللجنة وعدد من الأعضاء، مما دفع الأكاديمية إلى إلغاء جائزة هذا العام، وإرجائها للعام التالي، على أن تمنح الجائزتين معا عن 2018 و2019.
عقب هذا القرار شكّل عدد من المثقفين السويديين لجنة موازية لمنح نسخة خاصة من الجائزة هذا العام. وأكدوا على أن مهمتهم مؤقتة، فهم مستمرون فقط حتى الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول القادم، فى اليوم التالى لتسليم الجائزة فى احتفال رسمى، سيتم حل الأكاديمية الجديدة، وأُعلن التنافس هذه المرة حول ثيمة أدبية تقوم على "حكايا البشر في العالم"، وقد أعلن مؤخرا عن منح الجائزة للكاتبة ماريز كوندي (1937) من غواديلوب الفرنسية، وهي الكاتبة التي تتّسم أعمالها بالحكائية القادمة من السرديات الشعبية لجزر الكاريبي.
الاهتمام بالأطعمة والبحث عن مرجعياتها الثقافية، رافقها طوال حياتها ككاتبة فقد كان الطبخ موضوع بحث متواصل كفن وعنصر ثقافي مهم في التعرف على الشعوب وتاريخها
وللأسف فهذه الكاتبة التي قرأها العالم أجمع لم يترجم أي من كتبها للغة العربية حتى الآن فلعل الجائزة الاستثنائية تكون دافعا للمترجمين العرب لينقلوا إبداعها للغة الضاد.
ماريز كوندي
"شغلتها الأفكار النمطية حول الشخصيات السوداء في الأدب" هكذا وصف بيان الأكاديمية أعمال كوندي مضيفا بأنها "تسرد ويلات الاستعمار وفوضى ما بعد الكولونيالية بلغة دقيقة وبالغة التأثير على حد سواء"، بينما "تستحضر رواياتها الأموات إلى جانب الأحياء في عالم يتم فيه تناول قضايا الهوية الجنسية والعرق والطبقة باستمرار في قوالب جديدة".
أما كوندي نفسها فقالت "إن أكثر ما أسعدها هو أن اسم بلادها غوادلوب لن يظهر هذه المرة في أخبار الفيضانات والكوارث بل في أخبار ستُسعد شعبها المهمّش على أجندة العالم، وتمنح صوتاً لأولئك الذين أدانهم التاريخ ثم نسيهم".
ولدت ماريز كوندي في 1937 في جزر "جوادلوب" وهي مستعمرة فرنسية بالبحر الكاريبي، كانت تعاني من نظام الاسترقاق الذي أقره نابليون في 1802 عقب نجاحه في قمع ثورة العبيد بالجزيرة، وكانت جدتها تعمل كطاهية لدى أسرة بيضاء، وهو ما وضعها في قلب نظام الاسترقاق لذا قررت، وهى في سن السادسة عشرة مغادرة وطنها إلى باريس، حيث درست الأدب في جامعة السوربون، في عام 1960، تزوجت من مامادو كوندي الممثل الغيني المعروف فأصبحت "ماريز كوندي".
بعد ذلك تركت باريس متوجهة إلى أفريقيا برفقة زوجها، حيث عملت بالتدريس لمدة اثني عشر عاما في المدارس الثانوية بغينيا وغانا ونيجيريا والسنغال. وخلال هذه الفترة كتبت عددا من المسرحيات والدراسات عن الأدب الكاريبي. ثم عادت إلى باريس للحصول على الدكتوراه في الأدب المقارن بجامعة السوربون: "الصورة النمطية عن السود في الأدب الكاريبي" بعدها التحقت بالعمل بجامعة باريس، ولم تكتب الرواية إلا بعد أن شارفت الأربعين من العمر، فنشرت ثلاث روايات مستوحاة من أفريقيا هي: "حريماخونون" (1976) و"موسم في ريهاتا" (1981) و"سيجو" التي ترجمت إلى اثنتي عشرة لغة، بجزئيها "أسوار الأرض"، عام 1984، و"الأرض المشتتة"، 1985.
وتتسم لغة كوندي بمخاطبة القارئ مباشرةً، مستوحية بذلك الطريقة الحكواتية الكاريبية التي تعتمد على مجموعة من المفردات التي تبدأ بها قصصها التي تشبه الطريقة الحكواتية العربية بعبارات "في يوم من الأيام"، و"كان يا ما كان".
النكهات والكلمات
دعيت كوندي للتدريس في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة في عام 1985، وأسست مركز الدراسات الفرنسية والفرنكوفونية بها، وفي عام 1986 عادت إلى غوادلوب بعد ثلث قرن من الرحيل عنها، وكتبت عن وطنها روايات مثل "حياة خسيس" و"عبور القرم".
ومن أشهر أعمال ماريز كوندي كتاب "الحياة دون مساحيق"، وهو سيرة ذاتية لها، أردفتها بجزء ثان "أطعمة وعجائب". وهي في الكتابين تتحدث عن القضايا الاجتماعية والأدب والسياسة والتاريخ، بأسلوب أنيق وسهل. ولا نجد الطبخ، بوصفاته ونكهاته، موضوعا للكتاب، فحسب. ولكن هناك أيضا كتابة عن الأسفار وخبرات الحياة المهنية الغنية، عن التنوع الثقافي والاثنى والواقع الاجتماعي للشعوب، التي زارتها الكاتبة وكتبت عنها.
وهي تخلط عمدا بين الأدب والطبخ، بهدف الجمع بين ملذات الطعام واللغة. هذه التجربة بدأتها في 2006 بكتاب "النكهات والكلمات"، وفيه رسمت صورة لجدتها لأمها، التي تقول عنها "كانت أمية إلا أنها تشبه أعظم الشعراء، فقد كانت مبدعة حقيقية في الطبخ. فوصفاتها تضاهي سوناتات بودلير، وتنسجم فيها الروائح والألوان".
هذا الاهتمام بالأطعمة والبحث عن مرجعياتها الثقافية، رافقها طوال حياتها ككاتبة فقد كان الطبخ موضوع بحث متواصل كفن وعنصر ثقافي مهم في التعرف على الشعوب وتاريخها: "إن الطبخ يعكس في أي بلد شخصية وخاصيات سكانه، كما أنه يثري الخيال"، لذلك اهتمت في رحلاتها إلى بلدان العالم المختلفة بما يقدم إليها من أطعمة ففي الهند مثلا حيث أطباق الطعام التي تغلب عليها البهارات بألوانها فتبدو وكأنها ترتدي أقنعة عن الألم والأمل، كما انتبهت إلى أنه في كل مكان زارته تجد البيتزا تحل محل الأطعمة التقليدية التي تحتفظ بنكهات التاريخ والأصول والهوية. فعبرت عن تخوفها من التهجين الذي يحدث للوجبات التقليدية المميزة لدول دون سواها. والتي قد تنقرض بصفة نهائية فيختفي معها عمل متقن ومعرفة فريدة. (وكالة الصحافة العربية)