نوبل للطب توسّم مكتشفي آليات تمييز المناعة بين الصديق والعدو
ستوكهولم – في إعلان تاريخي الاثنين، كشفت هيئة جائزة نوبل في الطب عن منح الجائزة لهذا العام للعالمة الأميركية ماري برونكو والعالمين فريد رامسديل وشيمون ساكاجوتشي، وذلك تقديراً لاكتشافاتهم الرائدة في مجال التحمل المناعي الطرفي، وهي آلية حيوية تساهم في منع الجهاز المناعي من مهاجمة أنسجة الجسم السليمة.
أسهمت أبحاث هؤلاء العلماء في فهم أعمق لكيفية تمييز الجهاز المناعي بين الخلايا الذاتية وغير الذاتية، مما يساهم في الوقاية من الأمراض المناعية الذاتية.
وقد شكلت هذه الاكتشافات أساسًا لفرع علمي جديد في المناعة، مما فتح آفاقًا جديدة لتطوير علاجات مبتكرة لأمراض مثل السرطان والأمراض المناعية الذاتية.
منحت جمعية نوبل بمعهد كارولينسكا في السويد الجائزة للفائزين، والذين سيحصلون على مبلغ قدره 11 مليون كرونة سويدية (حوالي 1.2 مليون دولار أميركي)، بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تُقدّم تقليديًا من قبل ملك السويد. ومن المقرر أن تُقام مراسم توزيع الجوائز في 10 ديسمبر/تشرين الثاني 2025، تزامنًا مع ذكرى وفاة مؤسس الجائزة، ألفريد نوبل.
وماري برونكو عالمة أميركية متخصصة في علم المناعة، عملت على فهم آلية التحمل المناعي الطرفي، وأسهمت بشكل كبير في تطوير هذا المجال.
اما فريد رامسديل فهو عالم أميركي في مجال المناعة، اكتشف دور بروتين FOXP3 في الخلايا التائية التنظيمية، مما ساعد في فهم كيفية تنظيم الجهاز المناعي.
وشيمون ساكاجوتشي عالم ياباني في مجال المناعة، يُعتبر من الرواد في اكتشاف الخلايا التائية التنظيمية ووصف دورها في الجهاز المناعي.
أهمية الاكتشافات في الطب الحديث
تُعد هذه الاكتشافات أساسية لفهم كيفية تنظيم الجهاز المناعي، وقد فتحت آفاقًا جديدة لعلاج الأمراض المناعية والسرطانية. فقد ساهمت في تطوير استراتيجيات علاجية تهدف إلى تعزيز قدرة الجهاز المناعي على التمييز بين الخلايا السليمة والخلايا المريضة، مما يقلل من خطر الإصابة بالأمراض المناعية الذاتية.
يشير مصطلح "التحمل المناعي الطرفي" إلى قدرة الجهاز المناعي على التمييز بين خلايا الجسم السليمة والخلايا الغريبة أو الضارة، ومنع مهاجمة الجسم لأنسجته الخاصة بعد نضوج الخلايا المناعية.
ويعتبر التحمل المناعي الطرفي مرحلة متقدمة من آليات التنظيم المناعي، ويأتي بعد مرحلة "التحمل المركزي"، التي تحدث في الغدة الثيموسية حيث تُتَعلم الخلايا التائية كيفية التعرف على الأجسام الذاتية أثناء تكوينها. وعندما تصل الخلايا التائية إلى مرحلة النضج الكامل في الأنسجة المحيطية، يتم ضمان عدم مهاجمتها لخلايا الجسم عبر آليات التحمل الطرفي.
تعتمد هذه العملية على مجموعة من الخلايا والجزيئات المسؤولة عن تنظيم الاستجابة المناعية. أبرز هذه الخلايا هي الخلايا التائية التنظيمية (Tregs)، التي تعمل على كبح الاستجابات المناعية المفرطة، وتمنع حدوث أمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة الحمراء والتصلب المتعدد. كما أن البروتين FOXP3 يلعب دورًا محوريًا في تحديد هوية ووظيفة هذه الخلايا، وهو ما اكتشفه العلماء ماري برونكو وفريد رامسديل وشيمون ساكاجوتشي، وحظي بفضل هذه الاكتشافات بتقدير عالمي من خلال جائزة نوبل للطب 2025.
وتُعد دراسة التحمل المناعي الطرفي من الركائز الأساسية للبحوث الطبية الحديثة، إذ توفر فهماً عميقاً لكيفية الحفاظ على توازن الجهاز المناعي. هذا الفهم لم يسهم فقط في تفسير أسباب بعض الأمراض المناعية الذاتية، بل فتح الطريق لتطوير علاجات مبتكرة، مثل العلاج المناعي للسرطان الذي يستفيد من تعديل استجابة الجهاز المناعي، والعلاجات الخلوية والتدخلات الجزيئية لتعزيز أو تثبيط نشاط الخلايا التائية حسب الحاجة الطبية.
من الركائز الأساسية للبحوث الطبية الحديثة
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التحمل المناعي الطرفي ليس آلية ثابتة، بل يتأثر بالبيئة الداخلية للجسم وبالمؤثرات الخارجية، مثل الالتهابات المزمنة والعوامل الوراثية، مما يجعل فهمه ضرورياً لتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أكثر دقة وفاعلية.
ويقول خبراء المناعة إن الاكتشافات حول التحمل المناعي الطرفي أثرت بشكل مباشر في صياغة علاجات متقدمة لأمراض المناعة الذاتية، كما مهدت الطريق لأبحاث مستقبلية تهدف إلى تصميم لقاحات أكثر أماناً وتقليل مخاطر الالتهابات المزمنة.
يُتوقع أن تُسهم هذه الجائزة في تحفيز المزيد من الأبحاث في مجال المناعة، وتُعزز من التعاون بين العلماء والمؤسسات البحثية حول العالم. كما يُتوقع أن تُسهم في تحسين فهمنا للأمراض المناعية والسرطانية، وتُسارع من تطوير علاجات أكثر فعالية وأمانًا.
تُعد هذه الجائزة تأكيدًا على أهمية البحث العلمي في تحسين صحة الإنسان، وتُبرز الدور الحيوي للعلماء في تقدم الطب والعلوم الصحية.