نيه شياو يانغ: التبت باب سميك يحجبه الخيال

كتاب "المدونات الصغيرة" يسعى لتجربة القراءة الجيدة في البئية الإعلامية الجديدة، واستخدام أدق الكلمات لاستدعاء التبت الحقيقية التي في قلوب الناس الأعمق تفهمًا للتبت.


من الضروري رؤية التفاصيل الخفية الدقيقة التي يتسم بها التبتيون حتى يمكن إلقاء الضوء على نبضات حياتهم اليومية.


آ ما لآ لي قالت ذات مرة، إن الكثير من الناس ما زالوا يعتقدون أن التبت "غامضة". "لماذا؟


عليك التعرف بشكل أعمق على الكثير من الأشياء الظاهرية حتى يمكنك رؤية قلوب التبتيين

مقاطعة التبت وعاصمتها لاسا تسمى بأرض الرهبان ومدينة الشمس، تقع في جنوب غرب الصين، تعد أعلى هضبة في العالم ولذلك تسمى بـ "سقف العالم"، وهذا الكتاب "رحلة إلى التبت" لـ "نيه شياو يانغ وترجمة د. نينت نعيم ود. جان إبراهيم، يمثل رحلة شيقة للتعرف على عادات وتقاليد التبت، من خلال سرد تفاصيل دقيقة في مدونات، فهو بمثابة مفتاح، يفتح بابًا سميكًا يحجبه الخيال والتحيز، وتساعد الناس على دخول الغرفة والحصول على لمحة دقيقة عن التبت الحقيقية.
الابتكار في شكل هذا الكتاب الصادر عن دار صفصافة هو استخدام ما يسمى بـ "المدونات الصغيرة". السبب في ذلك وفقا للمؤلف "ليس لأن الكثير من الناس أصبحوا معتادين على قراءة هذه (المدونات الصغيرة) التي هي أكثر ملاءمة للتصفح، وإعادة الإرسال، والانتشار فحسب، هذا بالإضافة إلى أن هذا الشكل من الكتابة له قدرة أكبر على الرؤية والتفهم، من البداية تعرف النهاية، أكثر ملاءمة لاكتشاف وتقديم كل الموضوعات حول التبت؛ فمن خلال الكثير من التفاصيل المفعمة بالحياة، يمكن أن تلمس التبت المليئة بالبهجة والحزن والأمل بل والتي تواجه التحديات. فأنا مقتنع بأن التبت الحقيقية هي التبت الأكثر جمالًا، وأن هذا الجمال موجود في عدد كبير من التفاصيل الحية، الواردة في عدد كبير من الخطب العميقة المقنعة، وهي – أيضًا - مضمون عدد كبير من القصص القصيرة الشيّقة والفريدة".
ولفت نيه شياو يانغ موضحا أنه يمكن رؤية الجبل المغطى بالثلوج من بعيد، ولكن من الضروري رؤية التفاصيل الخفية الدقيقة التي يتسم بها التبتيون حتى يمكن إلقاء الضوء على نبضات حياتهم اليومية، هناك حاجة إلى التعمق والنظرة القريبة وأيضًا المشاعر الغنية والحب العميق لهذه المياه وهذه الأرض. الكتاب الذي يسعى لتجربة القراءة الجيدة في البئية الإعلامية الجديدة، واستخدام أدق الكلمات لاستدعاء التبت الحقيقية التي في قلوب الناس الأعمق تفهمًا للتبت".

التبتيون ينظرون للحياة والموت بعدم اكتراث، حتى لو كان المرض لا يمكن علاجه، ينظر إليه على أنه الإفراج من هذه الحياة إلى الآخرة

وأرجع الفضل في إعداد هذا الكتاب إلى "الأم التبتية - آ ما لآ، الأديبة المشهورة في الأدب الشعبي التبتي ديمن. داتشينغ دجوجا. في إحدى الليالي قبل عامين، في منزلها بالقرب من معبد جوكانغ في لاسا، أخبرتني عن قصتين سمعتهما من جليسة الأطفال التي عادت لتوها من زيارتها العائلية. في ذلك الوقت، فكرت أنه سيكون من الجيد أن نجمع ما يكفي من القصص لتأليف كتاب يقود القراء إلى عمق قلوب التبتيين، وأن هذا سيكون عملًا رائعًا. في ذلك اليوم، اصطحبتني آ ما لآ البالغة من العمر 76 عامًا لنشرب الخمر، وتناولنا لحم البقر المجفف، وغنينا ورقصنا بفرح، وغنت هي عدة أغنيات من أغاني الحب التبتية من قبل الدلاي لاما. لقد كان الوقت متأخرًا جدًّا عندما جلسنا بهدوء وانتظرنا حتى أتت المربية تشو تجين لجمع المائدة. في هذا الوقت، قالت لي آ ما لآ فجأة "ألست تريد أن تفهم الشعب التبتي جيدًا؟ سأحكي لك قصتين هما الأكثر حداثة وحقيقية قد روتهما لي تشي تجين بالأمس".
قالت آ ما لآ لي ذات مرة، إن الكثير من الناس ما زالوا يعتقدون أن التبت "غامضة". "لماذا؟ لأن ما لا تفهمه، يبدو غامضًا، عندما تفهمه، لماذا يكون غامضًا؟ إذا كنت ترى فقط التبت من الظاهر، فهذا يجعلك تشعر بالغموض، لذا أعتقد أن عليك التعرف بشكل أعمق على الكثير من الأشياء الظاهرية حتى يمكنك رؤية قلوب التبتيين".
وحكى نيه شياو في مقدمته قصة قال إنها صدمته وأثرت فيه كثيرا، وهي "في قرية تشي تجين، ذهبت فتاة تبلغ من العمر أكثر من عشر سنوات إلى البلدة لشراء بعض الأشياء، قُتلت في الطريق بسيارة أحد الجيران. كانت والدة الطفلة حزينة للغاية ولم تغادر المنزل لمدة ثلاثة أيام، وكان مرتكب الجريمة – أيضًا - حزينًا للغاية. لم يكن من المتوقع في صباح اليوم الرابع، أن تذهب أم الطفلة الصغيرة إلى منزله، ليس لطلب التعويض، ولكن لتهدئته وتطلب منه ألا يلوم نفسه. 
"كيف يمكن لوالدة الطفلة أن تذهب له وتواسيه؟ قالت الأم: كل شخص له أسبابه وعواقبه، ما حدث لابنتي ليس بسبب خطئك، لكن – أيضًا - بسبب حياتها الماضية. حادث السيارة مجرد سبب ظاهري، حيث إن أفكار وسلوكيات ابنتي في كل دقيقة وثانية قبل الوفاة هي سبب هذه النتيجة. لذا، دعونا نقبل هذه الحقيقة، فيجب على الأحياء عدم الندم، حتى يكون المتوفي أكثر راحة".
نماذج من المدونات
مركز التبت: 
يوجد في لاسا ثلاثة مسارات دائرية قديمة، تنقسم إلى "نانغ خور" (يسمى المسار الداخلي) يحيط بالقاعة الرئيسة لمعبد جو خانغ، "بار خور" (يسمى المسار الأوسط) يحيط بمعبد جو خانغ، ثم "لين خور" (يسمى المسار الخارجي) ويحيط بالمدينة القديمة لاسا؛ هذه المسارات الثلاثة تشكل ثلاث دوائر متحدة المركز، في منتصف القاعة الرئيسة لمعبد جو خانغ يوجد تمثال بالحجم الطبيعي لساكياموني وهو في عمر 12 عامًا؛ هذا التمثال قد أحضرته الأميرة ون تشنغ وهو في مركز معبد جوخانغ، مركز لاسا، مركز التبت كلها. 
 تقديم هادا إلى صنبور المياه:
التقليد الأكثر أهمية في الصباح الباكر من اليوم الأول من السنة الجديدة في التبت، هو أن تُملأ مياه السنة الجديدة، طبقًا للأعراف يُعد هذا من مهام المرأة. في الماضي، في اليوم الأول من السنة الجديدة، يتجمع عدد غير قليل من النساء اللاتي يرتدين ملابس جديدة عند البئر، تحملن المياه في دلاء على ظهورهن، أيضًا في الوقت الحاضر على الرغم أن المياه تصل إلى المنازل عبر الأنابيب، إلا أن هذا التقليد لم يتوقف: على ربة المنزل أن تقدم إلى صنبور المياه الوشاح "ها دا"، تُشعل بخور التوت وتتعبد بتقوى قبل تشغيل الصنبور.
تحية للآلهة:
في التبت، عندما يذهب الناس في رحلة، في كل مرة يجتازون فيها الجبال عليهم أن يخلعوا قبعاتهم احتراما لآلهة الجبال. على التلال، الناس – أيضًا - تريد "إطلاق أعلام الصلاة"، وهي عبارة عن ورق من خمسة ألوان مزخرفة بصور الخيول، تعبر عن تقدماتهم المقدسة لآلهة الجبال، في الوقت نفسه يهتفون "لا جيا لو"، بمعنى انتصار الآلهة، للتعبير عن تحياتهم واحترامهم لآلهة الجبال؛ حيث يعتقد التبتيون أن هناك إلهًا لكل جبل وهو الذي يحدد مصيرهم.
رقصة الجماجم:
تعد رقصة الجماجم واحدة من فعاليات الاحتفالية في مهرجان ساغا داوا، حيث يرتدي الراقصون أقنعة عظمية وملابسهم ذات طابع به شراسة، يقول رجل عجوز قام برقصة الجماجم في أربعينيات القرن العشرين، إن الرقص هو الروح التي تحرس ساحة الدفن السماوي، على الرغم أنه يبدو مخيفًا، لكنه طيب القلب يقول: "إن رقص الجماجم يجعل الناس تفهم اللادوامية في البوذية". ويضيف "أن الموت أمر لا مفر منه وينبغي أن ينظر إليه على أنه بداية لوجود آخر".

التعايش في سلام وهدوء:
في بعض مناطق التبت، اندمجت ديانة "بن" البدائية مع البوذية التبتية، في نفس المدينة، صباحًا وليلًا، أنت تلف يمينًا، وأنا أتجه يسارًا، نجد التعايش في سلام وهدوء؛ لذلك، ونحن ذاهبون إلى التبت، يجب أن تأخذ معك قلبًا متواضعًا ومتسامحًا مثل التبتيين، تترك كل شيء جانبًا وتراقب وتتأمل هذه الأرض.
أزياء التبت:
يقول مصمم الأزياء ما يانلي: "لقد تأثرت كثيرًا بالقوة الجاذبة للأزياء التبتية؛ هي ملابس ذات قوة تأثرية عميقة، خاصة ملابس النساء التبتية، ألوانها غنية، تستخدم الكثير من الإكسسوارات المصنوعة من الحجارة، تعطي تأثيرًا بصريًّا قويًّا جدًّا. أزياء التبت تبلور ثقافة قومية التبت وتعطي الناس نوعا ًمن التمتع النفسي؛ هي نوع من الثقافة يمكنك ارتداؤها". 
ملاءمة التناسخ:
يسمى الدفن السماوي في اللغة التبتية "تشيا تو"، ومعناها تغذية الطيور، بعد وفاة الشخص ينتظرون ثلاثة أيام، ثم يتم طي جسده بوضع رأسه بين ركبتيه ويلف في قطعة من القماش الأبيض، يشبه وضع الجنين داخل الأم قبل ولادته، يقال إن هذا يكون أكثر ملاءمة للتناسخ في العالم الآخر. يرسل الموتى إلى مقبرة الدفن ليقطعوا إلى قطع ثم تخلط جيدًا بالحثالة، ويشعل دخان سانغ لجذب النسور. يعتقد الناس أنه كلما يؤكل الجثمان كله، كان له فائدة في تناسخ الروح.
أول معبد بوذي في التبت:
دير سانغيا هو أول معبد بوذي تبتي في التبت، ويقال إن المعلم بادماسامبهافا (الواعظ الأول للبوذية التبتية) هو الذي قام ببنائه بنفسه وقد اتخذ هذا المعبد اسمه عندما صرخ الملك التبتي منزعجًا "سانغيا" (بمعنى 'لم يكن متوقعًا'). بعض الناس يصفون: في التبت تنتشر أصوات تلاوة رهبان لاما للكتب المقدسة خارج المعبد وكأنها عاصفة تتسلل واضحة من أعماق السنين. فجأة، شعرت كما لو كان الوقت يأخذني ببطء إلى الماضي.
معبد جوان يو:
يوجد في لا سا معبد معروف ومشهور هو معبد جوان يو، بُني في عهد أسرة تشينغ (اشتهر معبد جوان يو خلال فترة الممالك الثلاث في الصين)، التبتيون العاديون، عادة ما ينظرون إلى جوان يو على أنه تجسيد لبطل التبت الشهيد "الملك جيسار"، ويطلق علماء قومية هان على ملحمة الملك جيسار أيضًا "الممالك الثلاث".
قصة شعبية:
هناك قصة شعبية تبتية مشهورة: يعيش بجوار نهر ييتشي شاب راعي أغنام يدعى منغباي تجيوه ومحبوبته تشيونغ تشينغ نيما، لكن أم الفتاة زوجت ابنتها لرجل أعمال، ظلت الفتاة شديدة التعلق بمنغباي، والشاب لم يعد يرغب الأكل والشرب، عرفت الحماة هذا الأمر واجتمعت الأسرة للتشاور، وطلبوا من الشاب أن ينضم للأسرة، وتكون تشيونغ تشينغ نيما زوجة له مع التاجر، وعاشوا حياة سعيدة. 
كُتب الموت في التبت: 
في التبت، عند انطلاق الروح في أغلب الأوقات يُقرأ الكتاب المقدس "كتب الموت في التبت" تأليف المعلم ليان خواشنغ: المحترم فلان الفلاني، لقد جاءك هذا الأمر الذي يسمى الموت، لقد تركت عالم الفناء، لكنك لست الوحيد، ما دامت توجد الحياة لا بدَّ أن يوجد الموت، الناس جميعهم هكذا، لا تتشبث بهذه الحياة، حتى لو كنت حزينًا، لا يمكنك البقاء طويلًا. لا توجد طريقة أخرى سوى استمرار الحياة في التناسخ، لا يصعب عليك الفراق، لا تكن جبانًا.
ثقافة الحدائق:
تصميم العديد من الحدائق في التبت يحمل آثار ثقافة قومية هان. تشير السجلات إلى أن الدالاي لاما الثالث عشر أرسل الحرفيين إلى بكين للدراسة، لذلك تعبر أشكال وأنماط النوافذ المصممة في القصر الصيفي للدالاي لاما عن المهارات الزخرفية الموجودة في البر الرئيس؛ حيث تشمل زخرفة النوافذ على الثمانية الخالدين الذين عبروا البحر، آلهة السعادة والجاه وطول العمر والسرور، التنين والعنقاء وغير ذلك.
علاج الأمراض:
عندما يمرض التبتييون، يذهب بعضهم لزيارة الطبيب، والبعض يذهب لاستشارة العرافين. في التبت، الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للطبيب ليس وجود مهارات طبية رائعة أو بالنسبة للعراف ليس وجود القوة الخارقة، لكن الأهم هو وجود القلب الطيب الرحيم؛ الإيمان يجعل التبتيين ينظرون للحياة والموت بعدم اكتراث، حتى لو كان المرض لا يمكن علاجه، ينظر إليه على أنه الإفراج من هذه الحياة إلى الآخرة؛ لذلك، تعد التبت مكانًا ذا طبيعة علاجية خاصة.