'هايش مايش' أوّل رواية لهشام العسري بالدارجة المغربية
لم تعرف الرواية المغربية، على امتداد تاريخها، أن تنزل إلى لغة الشارع وتجعل منها مادّةً أدبية خالصة، كما فعل المخرج والكاتب هشام العسري في عمله "هايش مايش" الصادر عام 2025. ليس لأن الدارجة عاجزة عن الحمل، وإنما لأن الجرأة كانت تنقص. فجاء العسري ليملأ هذا الفراغ بكلّ ثقة واقتدار، مُثبتاً أن اللغة الحيّة على الألسنة قادرة على أن تكون حيّةً على الورق أيضاً. وفي هذا الاختيار الجريء ما يشبه الإعلان: إعلان أن الأدب لا يحتكره أصحاب الفصحى وحدهم، وأن الهامش يستطيع أن يكتب ويُبدع.
"هايش مايش" ليست رواية بالمعنى الكلاسيكي المحكم، هي مونولوغ متدفّق بالدارجة المغربية الخالصة، صوتٌ واحد يتكلّم ويتكلّم، يشكو ويسخر ويضحك من جرحه. شخصية لطفي، بطل الحكاية، تجلس في الهامش وتصف المدينة وناسها وأحلامها المعطوبة، بلغة يفهمها الجميع لأنها لغتهم هم. وفي هذا الصوت الواحد المتدفّق ما يكفي لرسم عالم كامل، عالم لا يُزوَّر فيه شيء ولا يُجمَّل، بل يُقال كما هو، بكل تعقيداته وتناقضاته وجراحه الصغيرة.
تكمن الجرأة الحقيقية في هذا العمل في توظيف لغة الأزقة والأحياء الشعبية، لغة من يعيشون على الهامش ويُحكم عليهم يوميًا بالصمت. هذه اللغة تصبح هنا أداةً للنقد والجمال معًا، إذ لا تكتفي بالوصف بل تحكم وتعري وتُضحك وتُبكي. "هايش مايش" احتفاءٌ بهذا الصوت الذي ظلّ طويلاً مُهمَّشاً في الأدب الرسمي، وهو بذلك يردّ الاعتبار لكل من ظنّ يوماً أن لغته لا تستحق أن تُكتب.
هشام العسري، المعروف بأفلامه الاستفزازية التي لا تُهادن، ينقل هنا بصمته السينمائية إلى الورق. الإيقاع سريع، المشاهد مقطّعة كاللقطات، والشخصية مليئة بالتناقضات الإنسانية التي تجعلها قريبة من كل قارئ. حين يُقرّر مُخرج أن يكتب رواية يُثار السؤال دائماً: هل سيظل أسير الصورة أم سيتحرّر إلى الكلمة؟ العسري في "هايش مايش" لا يختار، يجمعهما في تجربة نصيّة فريدة تشعرك وأنت تقرأ أنك أمام سيناريو وقصيدة ومرافعة في آنٍ واحد. هذا ليس كتاباً يُقرأ فحسب، هذا كتاب يُسمَع.
الكتاب الذي وُصف في مقدمته بأنه يبحث لنفسه عن تصنيف خاص، تصنيف يتموقع بين الكتابة الروائية والقص والتدبيج السيري، يجعل من هذه الصعوبة التصنيفية ذاتها أكبر مؤهّلاته. إنه نص يرفض القفص الأجناسي ويشقّ طريقاً خاصاً. والكاتب هنا جزء من المجتمع الذي يصف، لا ناقداً من الخارج، بل هو واحد من الذين يعيشون بين الحلم والواقع، بين ما أرادوا أن يكونوه وما صارت إليه الأحوال. هذا الصدق العميق هو ما يجعل الكتاب يحرق الحروف.
من الدار البيضاء إلى أحياءها الشعبية، من المقاهي إلى الهامش، تسير الرواية في جغرافية مغربية خالصة، لكنها في الوقت ذاته إنسانية بالكامل. لا تحتاج المدينة في "هايش مايش" إلى وصف، فهي حاضرة في كل جملة، في إيقاع الكلام وفي نوع الألم. هشام العسري لا يصف المدينة من بعيد كأجنبي يزورها، بل يكتب من داخلها، من ضواحيها وعشوشها وأزقتها التي أُخرج منها ناسها وأُسكنوا بعيداً عمّا كان يجب أن يكون لهم. وكل قارئ عربي سيجد في لطفي شيئاً من نفسه، لأن الألم لغة مشتركة.
منذ عقود والجدل محتدم حول مكانة الدارجة في الأدب؛ المدافعون عنها يرون أنها اللغة الحيّة الحقيقية للمغاربة، والرافضون يخشون على الفصحى وعلى الوحدة الثقافية العربية. وبينما تتواصل النقاشات، جاء هشام العسري وفعل ذلك عبر رواية "هايش مايش"، مُقدِّماً إجابة عملية على سؤال طالما بدا نظريًا: هل يمكن للدارجة أن تحمل نصاً أدبياً جادًا؟ الجواب في هذا الكتاب قاطع وجميل. الدارجة قادرة على الشعر، قادرة على النقد، قادرة على بناء عوالم سردية متماسكة.
الكاتب في مقدمة الكتاب لا يُدافع ولا يعتذر، يقول ببساطة إن هذا نص مكتوب بلغة مغربية عامية أي الدارجة، تبحث لنفسها عن جمهورها الخاص، جمهور من حقه أن يقرأ نصوصاً مكتوبة باللغة التي يتحدث بها ويتواصل من خلالها. وهذه الجملة وحدها تستحق أن تُقتبَس في كل نقاش عن اللغة والهوية. الشخصيات في هذا النص ليست بطولية بالمعنى الروائي التقليدي، بل هم أناس عاديون بتناقضاتهم وأحلامهم الصغيرة التي تكسّرت على صخرة الواقع، بضحكاتهم على أنفسهم وعلى العالم.
ما يُميّز هذا السرد هو غياب البطولة المصطنعة؛ لطفي لا يدّعي أنه فهم الحياة أكثر من غيره، هو يتكلّم لأنه لا يستطيع الصمت، ويحكي لأن الحكي هو الشكل الوحيد من أشكال المقاومة المتاحة له. وفي هذا الكلام الحرّ يُشيّد العسري معمارَه السردي. و"هايش مايش" لن يُرضي الجميع، وهذا جزء من قيمته؛ سيضايق من يرى في الدارجة تهديداً، وسيُفرح من ظلّ ينتظر كتاباً يُكلّمه بلغته. وفي كلتا الحالتين سيبقى هذا الكتاب علامة فارقة في تاريخ الأدب المغربي المعاصر.
ومن يقرأ "هايش مايش" سيخرج بإحساس غريب ومحبّب: كأنه جلس ساعة مع شخص حقيقي يتكلّم بصدق كامل، لا زخرفة لغوية ولا ادعاء. فقط صوت بشري واحد يحمل ثقل مدينة كاملة، ويُعبّر عن جيل كامل ظلّ يبحث عمّن يقول ما يشعر به بالطريقة التي يشعر بها. في "هايش مايش" وجد هذا الجيل صوته مكتوباً، وليس ذلك بالأمر الهيّن في أدب يبحث دائماً عن المسافة الآمنة من الواقع. هشام العسري أزال هذه المسافة تماماً.