هداليخاندرا بيثارنيك .. انعكاس المرايا المحطمة 

روح الشاعرة الأرجنتينية ستظل متقدة في عوالم الكتابة، رغم رحيلها الباكر، لتخلد في الذاكرة كأزل.
هداليخاندرا بيثارنيك ترّوض المجاز العابر للأنماط الشعرية الوارفة بين نثر ويوميات ورسائل
صراخ مضمّخ بسريالية أشدّ ضراوة من الموت

بقلم: هدى الهرمي

ستظل روح الشاعرة الأرجنتينية اليخاندرا بيثارنيك متقدة في عوالم الكتابة، رغم رحيلها الباكر، لتخلد في الذاكرة كأزل، بتلك القصائد المتفردة في نبرتها وطوافها في بؤر الشتات، كمن يرّوض ذاك المجاز العابر للأنماط الشعرية الوارفة بين نثر ويوميات ورسائل وصراخها المضمّخ بسريالية أشدّ ضراوة من الموت، وهو الذي ظلّ معربدا في تفاصيلها ليحيلها إلى جثة وردية تلّفها القتامة والضوع إلى "الأنا" المتمرغة في حياة عبثية وبوهيمية.
وتُعد مجموعة المراسلات بينها وبين طبيبها ليون اورستروف أثناء إقامتها في باريس (1960-1964) ثيمة إبداعية، لا مناص من الاعتراف أنها الأكثر تدفقا أدبيا وفلسفيا خصوصا وأنها كانت تعتبره الملاذ والخلاص في أوقات اليأس المتربص بهدوئها وأحلامها، فأهدته قصيدة "البراءة الأخيرة" وإحدى قصائدها من كتاب "المغامرات الضائعة". 
لقد كان الشعر "صوتها العميق والبطيء الذي ترتجف فيه كل المخاوف" ومن خلال الرسائل يمكن الولوج إلى هواجسها وحالات القلق التي عذبت الشاعرة وكبّلتها برعب قاتل ألا وهو الجنون. لكنها كانت تنطوي على نبرة حميمة ومناجاة في منتهى التجلي لنقتفي أثر روحها المنفرطة بين الأوراق ونبصر ما هو مرّوع في هذا العالم الغريب عنها، فتتخبط كلماتها في صراع محتدم مع صمتها ووعيها المُحطّم لتخترقها المتاهة، ثم تنعكس تلك المرايا المتشظية في مفترق حياتها فتتحول إلى متصوفة وهي تتضرّع: 

لا شيء

"رباه، لا أريد أن اُترك مركونة في الجنون ولا أن أذهب إلى حيث أردت الذهاب منذ أبصرت النور ..."
ولا شيء، لا شيء ينقذها وينتشلها من هوة سحيقة نسفت ذاكرتها وقوتها لتجد نفسها غريقة وغير قادرة على الصمود رغم مغامراتها العاطفية القصيرة وشغفها بالأدب إضافة إلى محاولة تخطي عزلتها بالأصدقاء والدراسة في جامعة السربون. 
ومن الواضح والجلي ونحن نقرأ لاليخاندرا أننا أمام لغة تتخطى السائد وترواغنا بأنواع أدبية متعددة، فنصوصها شاردة ومترحّلة ولا تتوقف أبدا.
في قصيدتها "تلك التي اُجلسها على عتبة نظرتي" تقول: 
لا أعرف شيئا عن سيرة الطيور 
ولا عن تاريخ النار
لكني أفكر في أن يكون لعزلتي جناحان 
ثمة بحث عن الخلاص، عن الهوية، عن موسيقى تطرد صمتها وتشردها فكانت في انجذاب كلي للقصيدة، مفتدية. 
كل عبارة بأيام وأسابيع، نافخة فيها من روحها المصلوبة كقربان في طقوس الكتابة لتأخذها إلى التخوم بعيدا عن مساكن الأحياء، هؤلاء الغرباء. لقد كانت في طواف لا إشارات فيه ولا زمن.
تقول في قصيدة "جسد أخرس يتفتّح":
في الطواف الآخر كساعة رمليّة 
تسقط الموسيقى على الموسيقى 
حزينة أنا في ليل أنياب الذئاب.
وظلت تكتب كي لا تموت مؤلفة بين جسد القصيدة وجسدها المنهك. رغم سخطها وغرقها في مياه اللغة من دون حدود تنصاع اليها وهي تجهل أين تسير حين ترحل ولا تعود، فكانت مبهورة ومفتونة من غرابة وغموض ما هي عليه، من كل اللواتي تكوّنهن، وهي تبحث في حشد المحروقين عن عظم الذراع الذي يلائم عظم الساق.
إنها مبتلاة بهوس لعين قوامه الحزن فلا تقدر إلا أن تتكلم عنه. كأنها آتية من عوالم عجيبة لا تنفك تسحبها بشدة مثل تيار دائم بين الأمل واليأس، فيرصدها النظام أحيانا بينما تلتهمها الفوضى أغلب الوقت لتمتلىء ذاكرتها بانكسار غريب فتهرب إلى القصائد وتشعر معها بحاجة إلى الملائكة والورود عسى أن تملأ بالأصوات صمتها وتهرب من العيون الصمّاء المخاتلة تحت نوافذ خوفها ليخيّم عليها رعب أبدي يعلقها على بابه كجثة وردية. 
شاعرة وقاصة تونسية