هل أصبح متنفس التونسيين من حر الصيف غير آمن

تونس المطلة على سواحل البحر الأبيض المتوسط تحاول استعادة المصطافين للسباحة بشواطئها الرملية.

تونس - لطالما كانت تونس المطلة على سواحل البحر الأبيض المتوسط جاذبة بشواطئها الرملية، للمصطافين في فصل الصيف، إلا أن حادثة غرق طفلة عمرها ثلاث سنوات على شاطئ "عين غرينز" بقليبية شمال شرق البلاد أثارت موجة خوف لدى التونسيين في هذا الموسم.

وفي 28 يونيو/حزيران، كانت تسبح الطفلة مريم مع عائلتها، على متن عوّامة مطاطية إلا أن تيارات بحرية قوية سحبتها إلى عمق البحر، ما جعل مهمة الإنقاذ معقدة منذ اللحظات الأولى لوقوع الحادث، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

وبعد يومين أعلن الحرس البحري التونسي أنه عثر على الطفلة التي فقدت بسواحل "عين قرينز" التابعة لقليبية من محافظة نابل مفارقة الحياة في نقطة تبعد 47 كلم من مكان الغرق.

ودعا الحرس البحري في بيان، المواطنين إلى التحلي بأقصى درجات الحذر واليقظة عند اصطحاب الأطفال إلى الشواطئ، والتقيد بإجراءات السلامة والرقابة المستمرة.

وإثر ذلك بث رواد على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد تعكس قلة عدد مرتادي أشهَر الشواطئ مثل "غار الملح" ورفراف ببنزرت شمالا وشواطئ مدينة سوسة شرقا.

وأثارت الحادثة تفاعلاً واسعًا على المنصات، حيث أكد رواد مسؤولية مسؤولي المنطقة في عدم تجهيز المناطق الساحلية بوسائل الإنقاذ.

أمام شاطئ بدا مهجورا في فصل الصيف، وقبالة منازل أُعِدت خصيصا للمصطافين، وقف التونسي مكرم تنبان أمام بيته، وقد أفاد "أنا من مواليد قليبية أقطن عين غرينز وأرض جدي هنا، الإقبال كان كثيفا سابقا لأنه مكان تحبذه العائلات التي تسبح دون خوف".

وأضاف متحسرا "البحر الآن خال من المصطافين، هناك إشاعات حول براكين، وهناك من يقول البحر سيتقدم إلى اليابسة، وهناك من يقول هناك أمراض وهذا غير صحيح".

وحول غرق الطفلة مريم، تابع تنبان في حديثه للأناضول "غرق بنت الثلاث سنوات أثّر كثيرا، لكن البحر آمن وخاصة في عين غرينز رغم الإشاعات الكثيرة التي بُثّت حتى عبر وسائل إعلام عربية حول المخاطر في منطقتنا".

وزاد "هذا البحر ليست فيه تيارات كبيرة، لكن عند ريح البْحَارِي (تسمية محلية للرياح التي تهب من البر إلى داخل البحر) تكون السباحة بالعجلات المطاطية فيها مخاطر، فالبحر يمكن أن يفتك منك ابنك".

وأردف "البحر الآن عادي ولم يتغير، هو مثلما كان منذ سنوات وتونس معروفة بشواطئها الجميلة، وسياحتنا بنسبة 80 في المئة شاطئية"، موضحا "نحن هنا في عين غرينز يقصدنا إخواننا الجزائريون سنويا لأن المكان آمن وفيه تُحتَرمُ تقاليد العائلات، أريد أن أطمئن الناس أنه لا يوجد ما يبعث على الخوف".

وفي نفس محافظة نابل، وبجانب عدد قليل من المصطافين في شاطئ "دار علوش" بمنطقة حمام الأغزاز، تحدث ختام الناصر لاعب وطني سابق في رياضة الصيد بالغوص وغواص محترف، عن واقعة غرق بنت الـ3 سنوات في عين غرينز.

وشرح الناصر "كنت أتابع الموضوع مثل الجميع عبر الأخبار من شبكة فيسبوك خلال اليوم الأول كان هناك أمل أن يجدوها حية"، مضيفا "البحث تمّ في الأول على سطح البحر بالزوارق والحوامات لكن معروف أن الشخص إذا شرب ماء البحر ينزل إلى القاع ويعلق بالأحجار والأعشاب والتيارات لا تحركه". كما يرى أن "الجسم الطافي يتحرك ويمكن أن يقطع مسافة 40 كلم في اليوم".

وتوقع الغواص أن جسد البنت سيطفو في اليوم الثالث بعد تغيرات تحصل للجسم بحكم الانتفاخ بغاز الميثان ومصيره يصبح بيد التيارات تحمله في كل اتجاه.

وفعلا، يواصل الناصر: وجدناها في شاطئ "بني خيار" حوالي 45 كلم جنوب نقطة غرقها في عين غرينز بقليبية وهي مسافة طويلة تدل على قوة التيار البحري.

وحول السؤال الذي يتردد على كل الألسن في تونس هل أصبحت الشواطئ غير آمنة، قال الناصر "الحوادث تقع كل سنة والمتسبب الأول هو الإنسان بنقص الوعي ونقص القدرات في السباحة في بحر قوي وهائج والتوعية هي الأساس".

أما المتسبب الثاني في حوادث الغرق فهي، "الطبيعة، فالبحر عالم المتناقضات يمكن أن تراه هادئا ولكن فيه تيارات لا تُرى".

ورغم التقنيات الحديثة من أقمار صناعية وغيرها، لا يمكن اكتشاف التيارات البحرية إلا بالنزول للبحر وأكثر أناس يعرفون ذلك هم الغواصون والبحارة الذين يعيشون في البحر يوميا، وفق الناصر.

وأكد عامر بحبة، باحث في علم المناخ، أن "التيارات الساحبة تمثل خطرا فعلا ولكنها ليست جديدة بل موجودة في سواحلنا كل عام وتنشط أكثر في الصيف"، متابعا أن ظاهرة الغرق في البحر عادية تقع كل عام ويقع ضحيتها الذين لا يطبقون نصائح الحماية المدنية (الدفاع المدني).

وأوضح أن "السباحة في الأماكن التي فيها صخور مثل كاسرات الأمواج المقامة عند بعض الموانئ أو المواقع التي يهددها الانجراف، خطيرة وعند الرياح والأمواج يكون هناك غرقى".

وبخصوص التيارات الساحبة يقول الباحث: يمكن ملاحظتها بالعين المجردة عندما تكون في مكان مرتفع عن البحر قرب الشاطئ ونرى أمرا غريبا فيه منطقة هادئة بين مكانين تنشط فيها يسارا ويمينا أمواج ظاهرة، فالمكان الهادئ تكون فيها تيارات ساحبة قوية تدفع بالأجسام داخل البحر.

وأضاف "هذا التيار يكون عادة بسرعة 2 متر في الثانية ومهما كان الجهد البشري المبذول تصعب مقاومته لذا يفضل السباحة بالتوازي مع الشاطئ حتى الخروج من تلك المنطقة الخطرة".

وتابع "والتيارات الساحبة تنشط خاصة عند الرياح سواء في الشطوط الرملية أو الصخرية وعندما يكون البحر ساخنا"، مشيرا إلى أن "هناك دراسات تقول إن الحرارة تغير التيارات البحرية وتتغير مساراتها ويمكن تتقوى وتغير اتجاهها لذلك تظهر فجأة لأن فيزياء الماء تغيرت".

وقال بحبة "حرارة مياه المتوسط السطحية زادت لأن الطقس ساخن وهناك موجات حر في فرنسا وإسبانيا والمغرب وحتى الجزائر وتونس ما أعطى موجة حر بحرية أي احترار مياه المتوسط البحرية وهي مخاطر متعلقة بالطقس والمناخ".

وحول الحديث عن التسونامي والزلازل في المتوسط، أوضح الباحث في علم المناخ "التسونامي والزلازل هي مخاطر جيولوجية ليست متعلقة بالمناخ"، مضيفا "الخلط في تونس وقع من قبل صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي يديرها غير مختصون، وليس هناك أي خطر في السباحة في الشواطئ".

وشهد يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2023 مصرع 52 شخصا غرقا في شواطئ تونس، مقابل 48 خلال نفس المدة من العام 2024، في ما لقي 69 مصرعهم غرقا في أغسطس/أب 2024، وفق عامر بحبة ناقلا عن إحصائية للحماية المدنية.