هل المدن الغبية أفضل للبشر من الذكية؟

أصوات كثيرة تتعالى ضد المدن التي تستخدم أحدث التقنيات مثل الكاميرات وأجهزة الاستشعار لمراقبة كل شيء.


المدن الذكية معقدة للغاية في إدارتها ومعرضة لكل أنواع الثغرات


الحكمة في كيفية العيش بالتوازي مع الطبيعة في تشكيل مدن المستقبل


التقنيات القديمة حدّت من الكثير من الظواهر مثل الفيضانات وتقلبات الطقس

لندن - منذ أن ربطت الهواتف الذكية الناس ببعضهم بإمكانياتها غير المحدودة، لا تنفك البلديات ومجالس المدن حول العالم تطرح المزيد من الأفكار نحو التحول "الذكي"، ورفع شعارات "الديناميكية وجذب الاستثمار"، لكن تبقى التساؤلات الأساسية قائمة: هل يصب ذلك حقا في مصلحة السكان؟
وفي حين لا يوجد تعريف ملموس لما أصبح يعرف بالمدينة الذكية، إلا أن المفهوم الآن هو تلك المدن التي تستخدم أحدث التقنيات مثل الكاميرات وأجهزة الاستشعار لمراقبة كل شيء، من صناديق النفايات إلى الجسور، واستخدام البيانات التي يتم جمعها في المساعدة في إدارة المدينة بسلاسة. 
ولكن الصورة لا تبدو وردية للجميع، فهناك أصوات تتعالى ضد هذا النوع من الذكاء، إذ تقول الباحثة في جامعة تورنتو شوشانا ساكس لصحيفة "نيويورك تايمز" إن "المدن الذكية" ستكون معقدة للغاية في إدارتها، ومعرضة لكل أنواع الثغرات التي لا يمكن التنبؤ بها".
وتضيف أن "المنتجات التقنية تشيخ بسرعة، فماذا سيحدث عندما تفشل أجهزة الاستشعار؟ وهل يمكن للمدن تحمل كلفة الموظفين التقنيين باهظة الثمن؟ وكذلك الحفاظ على العمال الذين ما زال لهم دور أساسي؟ فمثلا إذا حددت البيانات الذكية أن هناك منطقة يجب ان يشق فيها طريق، فإن ذلك الطريق سيكون بحاجة لعمال يمهدونه".

المدن الذكية
المنتجات التقنية تشيخ بسرعة

وتدعو ساكس بشدة إلى إعادة توجيه بعض طاقتنا نحو بناء "مدن غبية ممتازة"، وتؤكد أنها ليست ضد التكنولوجيا، لكنها ترى فقط أن المدن الذكية قد تكون غير ضرورية، وتقول "بالنسبة للعديد من تحدياتنا، لا نحتاج إلى تقنيات جديدة أو أفكار جديدة؛ نحن بحاجة إلى الإرادة والبصيرة والشجاعة لاستخدام أفضل الأفكار القديمة".
ويبدو أن ساكس على صواب. ففي الواقع هناك تقنيات قديمة، وهناك الأثرية التي ساهمت في الحد من الكثير من الظواهر مثل الفيضانات وتقلبات الطقس، والكميات الزائدة من الكربون، والتلوث الخانق، والفصل غير الصحي بين البشر والطبيعة.
ومن الممكن بشكل كبير استخدام المعرفة القديمة حول كيفية العيش بالتوازي مع الطبيعة في تشكيل مدن المستقبل، قبل أن تضيع هذه الحكمة إلى الأبد. إذ يمكننا تطبيق حلول بيئية منخفضة التقنية على الصرف الصحي ومعالجة مياه الصرف الصحي والبقاء على قيد الحياة في الفيضانات والزراعة المحلية والتلوث، وهي تقنيات نجحت مع الشعوب الأصلية منذ آلاف السنين، دون الحاجة إلى أجهزة استشعار إلكترونية أو خوادم كمبيوتر أو ذكاء اصطناعي.

مزارع الارز في اندونيسيا
تقنيات نجحت مع الشعوب منذ آلاف السنين دون الحاجة للذكاء الاصطناعي

وتنقل صحيفة "غارديان" البريطانية عن الباحثة المعمارية جوليا واتسون قولها إنها زارت قبائل المعدان في العراق، والذين أقاموا المباني والجزر العائمة من القصب، وشعب زوني في نيو مكسيكو، الذين ينشئون "حدائق الوفل" لالتقاط وتخزين ومعالجة المياه لزراعة المحاصيل الصحراوية؛ واطلعت على شرفات الأرز في بالي، وعبرت جسورا من جذور الأشجار الحية يمكنها تحمل الطقس السيئ أفضل من أي هيكل من صنع الإنسان، والتي مكنت قبيلة خاسي في شمال الهند من الترحال بين القرى أثناء الفيضانات الموسمية.
وهذا الشهر، أطلقت واتسون، التي تحاضر في التصميم الحضري في جامعتي هارفارد وكولومبيا، كتابها تحت عنوان "لو تك: التصميم بجذور أصلية"، والذي تقول عنه إنه نتاج نحو 20 عاما من السفر للبحث في المستوطنات البشرية الذكية الأصلية، من خلال عين المهندس المعماري.
وتقول واتسون لصحيفة "غارديان" إن "هناك العديد من الطرق المختلفة التي يمكنك من خلالها إعادة بناء المدن، وهي ليست مجرد طرق لتطبيق نظام قديم في المدينة بل تكييف النظم الإيكولوجية المعقدة لأنواع مختلفة من الأماكن مع متطلباتها الفريدة الخاصة بها". 

ليس من الضروري الهدم كي نتقدم للأمام.. يمكننا القفز بواسطة الذكاء الطبيعي ودمجه في المستقبل

وتضرب واتسون مثالا بمدينة شنتشن ذات الأبراج الشاهقة والتي بنيت على مصب نهر اللؤلؤ في هونغ كونغ، وتقول "كانت المدينة ذات يوم قرية لصيد الأسماك، ثم مدينة للمنسوجات، ثم فجأة تحولت لمدينة أبراج شاهقة.. تم تدمير جميع أحواض الأسماك والسدود والأراضي الرطبة التي تمتص المياه، ما يعني أن المدينة تطورت بطريقة تمحو المرونة الأصلية في المشهد الطبيعي".
وتتابع قائلة "لكن ليس من الضروري الهدم كي نتقدم للأمام.. يمكننا القفز بواسطة الذكاء الطبيعي ودمجه في المستقبل باستخدام تقنية صينية تقليدية قائمة على الطبيعة ومرونة المناخ ومناسبة من الناحية البيئية والثقافية، ويمكننا أن نخلق مساحات حضرية جميلة في نفس الوقت".