هل تأثر محمود درويش بالشعر العبري؟

بقلم: السيد نجم
ثراء شعري

الشاعر محمود درويش، له مكانته المرموقة باعتبار منجزه الشعري يعد تعبيرا عن مرحلة تاريخية، لقضية ارتبطت بمصير أمه بأكملها، إلا أن السؤال الآن: هل لنشأته الأولى حيث تعرف على الشعر العبري ومعطياته، تأثير ما يمكن البحث عنه وتحليله؟
أظن أن درويش قرأ الأدب العبري، قراءة الدارس، وتابع ما أخرجته المطابع العبرية منذ أن بدأت الهجرة الأولى المكثفة والمنظمة، بعد مؤتمر "بال" عام 1897. كما أظن أنه تأثر بهذا الشعر العبرى أكثر كثيرا من تأثره من المعطى الشعري العربي خلال القرن الماضي، وحتى وفاته.
وليس في هذا الملمح مأخذ عليه، ولكنه قد يضيف أكثر كثيرا إليه، فبالإضافة إلى شعره (المقاوم) يملك الذكاء اللازم لكل رائد في مناحي الحياة وفنونها، وأعنى الذكاء الاجتماعى والثقافي الذي قد يختصر السنوات من عمر الأديب/الفنان في البحث والإجادة.
قد يظن البعض أن الظرف التاريخي الآن، لا يسمح لنا أن نقرأ الأدب العبري بموضوعية علمية محايدة. وهي نظرة خاطئة، فليس أجدى لنا أن نتعرف على الآخر المعتدي، من أن نقرأ أشعاره ونثره، ونتعرف على رؤيته الثقافية، وكذا حركته الثقافية ليس فقط من منظار (اعرف عدوك) فقط، وإنما أيضا (اعرف كيف يعرف عدوك نفسه؟) لذا كانت تلك المقاربة بين أشعار محمود درويش والشعر العبري، من خلال صورة "الأب" ودلالاتها.
لقد اعتبر النقد العبري الشاعر خاييم نيكمان بياليك، رائدا للشعرية العبرية الحديثة، التي بدأت في القرن الماضي. وان تحلى بياليك بسمة توظيف الشعر في خدمة الأيديولوجيا الصهيونية الفتية في تلك الفترة، فإن المراحل التالية تخلت عن تلك الأيديولوجيا تدريجيا، خصوصا بعد إعلان دولتهم في 1948، ومن ثم جملة الانتصارات العسكرية التالية، حيث كان السؤال: هل يمكن الاحتفاظ بالأرض العربية المحتلة التي اتسعت؟
أما وقد كانت معارك أكتوبر 1973، والانتفاضة الأولى ثم الثانية، وبعدها معارك جنوب لبنان وانتصار المقاومة اللبنانية في 2006، بات السؤال هو البحث عن إجابة شافية حول سؤال (الهوية)، هوية العبري. فأصبح الشعر العبري متشككا في مقولات جاهزة قديمة، مثل (أرض الميعاد)، وبالتالي بدا الشاعر العبري وكأنه يبحث عن إنسان جديد، فكانت القصائد الوجدانية المعبأة بمفاهيم الاغتراب، حتى نظر البعض إلى (اليهودي) وكأنه الضحية التاريخية في أوروبا وفى إسرائيل.. بين الأوروبيين وبين العرب.
وقد لعب التوجه الشعري الجديد بالبعد عن الدور التقليدي للشعر العبري من قبل، من حيث التعبئة بالأفكار الصهيونية، والبعد عن دور اجتماعي ما، وهو ما أسهم في إعلان دولتهم من قبل. بل بدت القصائد وكأنها ألغاز شعرية، منغلقة على ذات الشاعر، واتسعت الهوة بين القارئ العبري وشعره.
فقد تتلمذ جيل شعراء الغموض (في الثمانينيات) على رواد جيل الخمسينيات (جيل ما بعد الدولة وفي مقدّمتهم يهودا عميحاي (١٩٢4)، نتان زاخ (ولد 1930) ودافيد أفيدان (1943) الذين ثاروا على قوالب الشعر العبري في النصف الأول من القرن العشرين، ثم تمرد. الأب وصوره عند درويش والشعر العبري يعد "الأب" في العمل الإبداعي، سواء في النثر أو الشعر، من العناصر الفنية التي يوظفها المبدع، كل حسب رؤيته وأفكاره. تم الاتكاء على فكرة "الأب" لمعالجة القضايا التراثية والمعاصرة معا. سواء كان ذلك في الأدب العالمي أو العربي، وبالتالي في الأدب العبري، ونتخير "صورة الأب في الشعر العبري" و"صورته في شعر محمود درويش" للبحث من خلال تلك المقاربة عن عناصر التشابه والاختلاف، مع ملاحقة صورة الأب مع كل رؤية وظيفية مختلفة. وهى في مجملها وظيفة اجتماعية، ميتافيزيقية، نقدية، وغيرها.
لم يخل الشعر العبري من نمط "الأب" بدلالاته وتوظيفاته المختلفة، مثلما لم يخل شعر محمود درويش، وتخيرنا منها ثلاث قصائد هي: أبي، أغنية ساذجة عن الصليب الأحمر، وأنا يوسف يا أبي.
"الأب" في قصائد محمود درويش.. قصيدة "أبي": غض طرفا عن القمر/ وانحنى يحضن التراب/ وصلى.. لسماء بلا مطر / ونهاني عن السفر!/ أشعل البرق أوطية/ كان فيها أبي/ يربي الحجار/ من قديم.. ويخلق الأشجار!/ جلده يندف الندى/ يده تورق الشجر/ فبكى الأفق أغنية:/ - كان أوديس فارسا../ كان في البيت أرغفة/ ونبيذ، وأغطية/ وخيول، وأحذية/ وأبي قال مرة/ حين صلى على حجر:/ غض طرفا عن القمر/ واحذر البحر.. والسفر! يوم كان الإله يجلد عبده/ قلت: يا ناس! نكفر؟/ فروى لي أبي.. وطأطأ زنده:/ في حوار مع العذاب/ كان أيوب يشكر/ خالق الدود.. والسحاب!/ خلق الجرح لي أنا/ لا لميت.. ولا صنم/ فدع الجرح والألم/ وأعنى على الندم! مر في الأفق كوكب/ نازلا.. نازلا/ وكان قميصي/ بين نار، وبين ريح/ وعيوني تفكر/ برسوم على التراب/ وأبي قال مرة:/ الذي ما له وطن/ ما له في الثرى ضريح/ .. ونهاني عن السفر!" بضمير المتكلم، منح درويش شعره للتعبير عن الملل والإحساس بالقهر والتعبير عن الحزن والأسى ثم التمرد. بدت صورة الأب صورة نمطية للعربي المسلوب الحيلة، في مقابل صورة الابن الذي يبدو راغبا في "السفر".. والسفر هنا ليس الارتحال التقليدي وحسب، هو الرفض السلبي، والشعور بقلة الحيلة، والرغبة في التمرد بما هو ممكن ومتاح، ومع ذلك لم يسافر نظرا لسطوة الأب.
لعل تلك القصيدة من القصائد الأولى التي كتبها درويش في بكرة شبابه، حيث البحث عن طريق، عن سبيل للخلاص، عن رفض الواقع المعاش دون يقين بطريق يسلكه ويتمناه. تلك المرحلة التي كتب فيها درويش قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية": "سجل!/ أنا عربي/ ورقم بطاقتي خمسون ألف/ وأطفالي ثمانية/ وتاسعهم... سيأتي بعد صيف! الرابط الخفي الظاهر لتلك المرحلة التي كتب فيها درويش أشعاره، هي مرحلة البحث عن الذات، فكان البحث من خلال "الأب" و"الهوية".
قصيدة "أغنية ساذجة عن الصليب الأحمر" هل لكل الناس، في كل مكان/ أذرع تطلع خبزا وأماني/ ونشيدا وطنيا؟/ فلماذا يا أبي نأكل غصن السنديان/ ونغني، خلسة، شعرا شجيا؟/ يا أبي!/ نحن بخير وأمان/ بين أحضان الصليب الأحمر!/ عندما تفرغ أكياس الطحين/ يصبح البدر رغيفا في عيوني/ فلماذا يا أبي، بعت زغاريدي وديني/ بفتات وبجبن أصفر/ في حوانيت الصليب الأحمر؟
يا أبي! هل غابة الزيتون تحمينا إذا جاء المطر؟/ وهل الأشجار تغنينا عن النار، وهل ضوء القمر/ سيذيب الثلج، أو يحرق أشباح الليالي/ انحني أسأل مليون سؤال/ وبعينك أرى صمت الحجر/ فأجبني، يا أبي، أنت أبي/ أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر؟!/
يا أبي! هل تنبت الأزهار في ظل الصليب؟/ هل يغني عندليب؟/ فلماذا نسفوا بيتي الصغير!/ ولماذا، يا أبي، تحلم بالشمس إذا جاء المغيب؟/ وتناديني، تناديني كثيرا/ وأنا أحلم بالحلوى وحبات الزبيب/ في دكاكين الصليب الأحمر/ حرموني من أراجيح النهار/ عجنوا بالوحل خبزي.. ورموشي بالغبار/ أخذوا مني حصاني الخشبي/ جعلوني أحمل الأثقال عن ظهر أبي/ جعلوني أحمل الليلة عام/ آه من فجرني من لحظة جدول نار؟/ آه، من يسلبني طبع الحمام/ تحت أعلام الصليب الأحمر!
قدم الشاعر محمود درويش "الأب" كمكانة اجتماعية، وكعون نفسي وجسدي، واشتكى إليه آلامه وعجزه، وإن علم أن أبيه يحمل أثقاله أيضا، ولكنه الابن عليه أن يحملها عنه.. وفي كل الأحوال، ومع كل المنغصات، تبرز السخرية من الواقع المعاش.. حيث يتولى "الصليب الأحمر" مهمة "الأب" رعاية اللاجئين أو رعاية الفلسطينيين (أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر؟!)، بينما البيوت تتهدم، والأطفال يحرمون من اللعب والأراجيح!
تلك النظرة النقدية، تعد مرحلة جديدة في رؤية الواقع المعاش والتعامل معه شعريا، واستخدم الشاعر "الأب" متكئة وأدار حوارا ذكيا معه. لم يعد الأب مفعولا به فقط، بل قابل للتحاور والتعامل والمشاركة. بينما بدا "الأب" في قصيدة "الأرض" لدرويش (التي كتبت أثناء الانتفاضة الأولى أو انتفاضة الحجارة) هو التاريخ، يقول:
"وفي شهر مارس/آذار، قبل ثلاثين عاما وخمس حروب/ ولدت على كومة من حشيش القبور المضيء/ أبي كان في قبضة الإنجليز. وأمي تربى جديلتها/..."
قصيدة "أنا يوسف يا أبي" "أنا يوسف يا أبي. يا أبي، أخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم يا أبي. يعتدون علي ويرمونني بالحصى والكلام. يريدونني أن أموت لكي يمدحوني. وهم أوصدوا باب بيتك دوني. وهم طردوني من الحقل. وهم سمموا عنبي يا أبي. وهم حطموا لعبي يا أبي. حين مر النسيم ولاعب شعري غاروا وثاروا على وثاروا عليك، فماذا صنعت لهم يا أبي؟ الفراشات حطت على كتفي، ومالت على السنابل، والطير حطت على راحتي. فماذا فعلت أنا يا أبي؟، ولماذا أنا؟ أنت سميتني يوسفا، وهموا أوقعوني في الجب، واتهموا الذئب، والذئب أرحم من أخوتي.. أبت! هل جنيت على أحد عندما قلت إني: رأيت أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر، رأيتهم لي ساجدين.
لعل هذه القصيدة من أكثر القصائد تفعيلا فنيا لصورة "الأب"، حيث هنا "الأب" هو "التراث"، هو "امتداد الذات"، هو "نقد الواقع السياسي المعاش". فقد استعان الشاعر بقصة النبي "يوسف"، وطرح سؤاله الاستنكاري الرافض للواقع، من خلال مساءلة الأب (النبي) والشكوى إليه أيضا يريد الشاعر أن يقول للعرب إن أبانا واحد، ودمنا واحد، لماذا اعتراضكم.. لماذا رفضكم.. لماذا الاختلاف؟ "هل جنيت على أحد عندما قلت أني: رأيت أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر، رأيتهم لي ساجدين. لعله شاء أن يبرر ما فعله واعترضوا عليه، أنه قال بالمقاومة حتى تسجد له القوى الأخرى! إنه عمل شعري راق وجميل، دال ومعبر وقريب إلى قلب وعقل القارئ، لانتماء القارئ إلى قصة "النبي يوسف" وحبه لها وتفهمه أيضا. صورة الأب في الشعر العبري قصيدة "أبي" للشاعر "خاييم نيكمان بياليك"، وهو يمثل بداية الشعر العبري الحديث، بل ورائده في النصف الأول من القرن العشرين، وظهرت حتى الآن عدة موجات جديدة صعودا وهبوطا، كلها تتسم بالتمرد على الجماعة السابقة عليها، وإن بقى "بياليك" رائدا.
مطلع قصيدته (أبي): غريبة كانت طريقة حياتي وعجيبة كانت أحوالها/ بين البوابة الجرداء والعربة الملوثة هي دورة أيامي: من الانغماس بالتعبد إلى الفساد، ومن الطهارة إلى القذارة.
نرى الرعب وما يلاحظه الطفل في الخان المليء بالمخبولين غير اليهود،/ الرزق الأبوي، والكرب التالي عندما يغادر حضن الله كل صباح،/الربيع التام لحياته، عندما يضع جانبا كساءه المقدس: التاليت والتوتافوت" (أسماء ملابس دينية يهودية).
وظف الشاعر ذاكرته الشخصية وأنشد لأبيه كنموذج لرجل الدين الطاهر، بينما يعاني الشاعر من الانغماس في التعبد إلى الفساد. الأب إذن هو التراث الديني، هو اليهودية، هو البعد التاريخي. هذه المرجعية الأخلاقية عند الشاعر وجيله، هي نفسها ما كانت الحافز للتوجه المختلف عند الأجيال التالية. خصوصا لأن الشاعر يستخدم لغة عبرية توراتية، ومستعينا بكل ما يعبر عن اليهودية النمطية حتى في الملابس والكلمات. إنه جيل الشعراء المهاجرين الأوائل، والمحملين بالحلم الصهيوني.
ثم جاء جيل شعراء فلسطين (وهم من ولد في فلسطين، بعد استقرار إقامة الجيل الأول)، تمردوا على بيالك وجيله، ونزعوا نحو مزيد من الحرية والاستقلال لنزعتهم الشعرية، وبعيدا عن الرؤية الأخلاقية، والنزعة التوراتية، حتى قال رائد الجيل التالي أبراهام شلونسكي في عام 1931. أن شعر بيالك شعر قديم ومحافظ.
بدت المدرسة الحديثة تلك ذات نزعة غربية، ففضلت الرقة في العاطفة والرموز الميالة للوضوح والنصوص ذات المسحة الغربية على العواطف والانفعالات، خصوصا شعر شرق أوروبا. وان بدت على مدارس مختلفة: مدرسة الزراعيين التي نشأت في بدايات القرن العشرين، وهى التي تعنى بشعراء الأراضي الزراعية أو الفلاحين. ومدرسة الشعراء الاجتماعيين الذين كتبوا أغاني وطنية واحتفوا بالروح الريادية. القصائد الأكثر تذكرا، خصوصا قصائد الشاعر راحيل بلوشتين التي لحنت وأصبحت أغنيات شعبية. ومع ذلك فقد فضل شعراء "مدرسة المدنيين" مدنيتها وذلك القلق واليأس الذي يأتي معها.
جاء الجيل التالي، وعلى رأسهم الشاعر ناتان زاخ ومعه يهودا عميحاي، ودان باغيس، وداليا رابيكوفيتش، وديفيد أفيدان. وابتكر هؤلاء الشعراء ما يسمى بالانسحاب من اليقينية، وتوظيف السخرية في أشعارهم، وكلا الأمرين يمكن أن تجدهما في قصيدة يهودا عميحاي (أبي): وبعينه جمع الأموات الذين لا أسماء لهم / عدد وفير منهم جمعهم باسمي / حيث أستطيع تمييزهم في نظرته الخاطفة وأحبهم./ الموت لا يكون هكذا.. بالخوف القاتل / لقد ثبت عينيه معهم وما زال يخطئ قائلا: لكل معاركي أنا متيقظ. كما تناول الشاعر أبا كوفنر (1918 - 1987) الأب في قصائده، يقول: كان أبونا / شاكرا لله / يأخذ خبزه من نفس الفرن لأربعين سنة./ لم يكن لي، / بل أبدا أن أناسا سالمين/ قد يقضون في الأفران وفي هذا العالم / توكل على الله وتابع السير. وفي قصيدته "الطفل أسند رأسه" يقول: الطفل أسند رأسه على الشجرة/ من الأفضل أن يسنده على كتفي/ إذا أضناه التعب، أو على كتف أمه./ ولكن عندما يقف أبوه وأمّه/ كتفا لكتف/ ويحدّقان صامتين/ كيف يسند الطفل رأسه إلى الشجرة / ويبكي مستفسرا في حضنها/ثمّ يرى / الشمس تشرق/ ومن خلال الشمس/ قد/
يرى أيضا/ أباه وأمّه /والشجرة تقف، هذا جوابها.
تبدو رؤية "أبا كوفنر" أكثر شعرية، وأكثر ذاتية أيضا. وقد يبدو للوهلة الأولى أن "الأب" فقد سطوته ومكانته، أن "الأب" الحائر عاجز عن توفير إجابة.
أصوات شعرية (معاصرة لعلها لا تعطى للأب دورا البتة).."موشيه دور" (ولد في 1932 في تل أبيب، واعتنق رأي "زاخ" في الانسحاب من اليقينية. معبرا عن رفضه أنه يمكن للأب أن يزرع الإحساس بالأمان؟) يقول في قصيدة "في الضياع": أنا في ضياع على هذا الشارع ذاته الذي انتظمت بيوته وحدائقه كطاولات المقهى./ يدي ما تزال في يد ابني وما تزال نظرته محدقة في وجهي،/ قد لا تتزحزح سفينته../ فيما أنا أتظاهر بالشجاعة واللياقة. الشاعر الروماني اليهودي باول كيلان ليس أقل منه في قصيدة المعنونة بـ "مذكرات من فكرة باول كيلان" يقول مخاطبا الأب/الأبوان هذه المرة: اقتادوا والديك في عربة يقودها الثور/ إلى مكان لم يكن بعيدا/ وراء السبت الأخير./ خازيديم يرقص في السماوات،/ حيث لا كلام هناك،/ حيث الكلمات صامتة،/ وما من ساحات مكتظة بالناس. مقاربة بين صورة "الأب" في شعر محمود درويش، وفى الشعر العبري: أولا: تبدو صورة "الأب" في قصائد درويش حاضرة ولعلها فاعلة فنيا، وإن بدت مقهورة قليلة الحيلة غالبا. فيما جعل من (الأب) تراثا يثير عواطف القارئ ويوافقه على وجهة نظرة، كما جعله المخاطب الآني الذي يعاتبه الابن – ربما - لكنه أبدا لا يسقطه من وجهته، أما وقد جعله رمزا للعطاء، خاب ظنه لأنه رمز الصليب الأحمر، غير الراعي لأبنائه.
ثانيا: بدت صورة (الأب) في الشعر العبري الحديث، في البداية مع جيل المهاجرين الأوائل، كان أبا ورعا وتقيا له كل الإجلال، وإن كانت الأبناء أقل منه تقية وورعا.. ثم جاء الجيل التالي الذي جعل من الأب، العين الراصدة، المعاتبة حينا والمحفزة حينا، وفي كل الأحوال كان الأب بعيدا عن أرض الواقع المخيب لطموحاته، لأن الطفل يتكئ على شجرة ولا يريد أن يسند رأسه على كتف أبيه أو أمه. وجاء من أكد أن الأب فقد دوره، وعجز عن إعطاء الأبناء الإحساس بالأمان. وفى جيل الشاب وقال "صاموئيل شاتال": شكرا للحجر الذي يبني القصائد والجسور والبيوت، وجعل الحياة محتملة!! ثالثا: بقيت للأب مكانته، ولم يعرف عن درويش رفضه لدوره (دور الأب) الفني الإبداعي، لكنه لم يعد يذكره كلما كثرت الأيام، وتعددت سنوات العمر، حتى كانت النظرة إلى داخله في مقابل جيل كامل في الشعر العبري (جيل الشباب). بينما الشاعر العبري الشاب ما زال يحلم، يحلم بشواطئ مشمسة، وبارتداء الملابس القديمة (يحلم بالأجداد)، وبإطلاق النار على السنجاب الجاسوس العربي، وبينما يشكر الحجر البناء.
بدا محمود درويش يحلم بترميم داخله المهجور، يقاوم مازال، على الرغم من كل الهزائم، يرجو الترميم. يقول في قصيدته الطويلة "جداريه": سأحلم، لا لأصلح أي معنى خارجي./ بل كي أرمم داخلي المهجور من أثر/ الجفاف العاطفي. حفظت قلبي كله/ عن ظهر قلب: لم يعد متطفلا/ ومدللا. تكفيه حبة "أسبرين" لكي/ يلين ويستكين. كأنه جارى الغريب. رابعا: بقى للأب دوره "المقاوم" على كل أشكال التناول عند درويش، ولم يكن له دوره التحفيزي في الشعر العبري الحديث، إلا مع الجيل الأول من المهاجرين، ثم تحول إلى المتابع الراصد، ثم تلاشى هذا الدور.
خامسا: الراصد لمجمل أعمال محمود درويش، يتلمس تلك المسحة الخاصة بشعره المقاوم، غير الزاعقة، الراعية لفنيات الشعر وعوالمه، المتضمنة بعض من تراثه القرآني ومفرداته.
وأخيرا الحكائي، والذي يبدو أحيانا أقرب إلى بوح الاعتراف. أظن أن خصوصية درويش تلك ترجع إلى تعرفه على الشعر العبري مبكرا، فقد حمل الشعر العبري الحديث مجمل ملامح الشعر الأوروبي ومنجزاته.
يبقى الشاعر محمود درويش، من فرط ثرائه الشعري كما وكيفا، مقصد كل محبي الشعر، وكل صاحب قضية، وبابا ملكيا لدراسة "المقاومة" في الشعر العربي. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com