هل تتجه تونس لنظام سياسي جديد أم لأزمة أعمق

أربعة أحزاب تشكل جبهة موحدة لمواجهة ما وصفته بـ"الانقلاب على الدستور" بعد أن ألغى الرئيس التونسي العمل بأغلب فصول الدستور الحالي وهي الفصول التي تخص تنظيم السلطتين التشريعية والتنفيذية وتكليف لجنة لإعداد التعديلات والإصلاحات السياسية اللازمة.


أربعة أحزاب تشكل جبهة لمواجهة قرارات الريس التونسي  


قرارات قيس سعيد تثير مخاوف من "الانحراف" إلى الاستبداد

تونس - أدخلت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد بإلغائه العمل بأغلب فصول الدستور الحالي وهي الفصول التي تخص تنظيم السلطتين التشريعية والتنفيذية وتكليف لجنة لإعداد التعديلات والإصلاحات السياسية اللازمة، في منعطف حاسم وشكلت اختبارا حقيقيا لقدرة الرجل على المضي في تنفيذ رؤيته المتعلقة بإصلاح أو تغيير النظام السياسي وما يتطلبه ذلك من تعديلات دستورية.  

وقد أعلنت أربعة أحزاب تونسية اليوم الخميس أن الرئيس سعيد "فقد شرعيته". ودعت لمواجهة ما وصفته بـ"الانقلاب على الدستور". وقال النائب غازي الشواشي أمين عام حزب التيار الديمقراطي الذي يمثل الكتلة الثالثة في البرلمان المجمد منذ إعلان التدابير الاستثنائية في 25 يوليو/تموز الماضي باعتماد المادة 80 من الدستور، إن الرئيس سعيد خرج عن الشرعية وإن الحزب وقوى أخرى معارضة لن ترضى بدستور على المقاس يخيطه الرئيس.

والأحزاب التي أصدرت بيانا مشتركا كجبهة موحدة ضد قرارات سعيد هي التيار الديمقراطي (اجتماعي ـ 22 نائبا من أصل 217) وآفاق تونس (ليبرالي ـ نائبان) والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" (اجتماعي بلا نواب) والجمهوري (وسط ـ بلا نواب).

ويزيد موقف هذه الأحزاب الضغوط على الرئيس الذي كان قد جمّد أعمال البرلمان وعزل رئيس الوزراء في 25 يوليو/تموز ضمن إجراءات استثنائية قال إنها تهدف لإنقاذ البلاد من الانهيار.

لكن هذه الأحزاب لا تملك ثقلا سياسيا ولا قدرة على التأثير، بحسب عدد من المحللين وأن تشكيل هذه الجبهة يُعتبر فعلا سياسيا رمزيا.

وقال الرئيس التونسي أمس الأربعاء إنه سيتولى التشريع عبر أوامر رئاسية وكذلك الصلاحيات التنفيذية والتشريعية، ملغيا بذلك أغلب فصول الدستور.

وقال إنه ينوي تغيير النظام السياسي، في خطوة أثارت على الفور معارضة خصومه السياسيين، حيث قالت الأحزاب الأربعة في بيان اليوم الخميس إن هذه الخطوة تكرّس الانفراد المطلق بالحكم".

وقوبل قرار سعيد أمس الأربعاء برفض من قبل حركة النهضة الإسلامية التي تمتلك أغلبية برلمانية ضعيفة لكنها تعتبر الكتلة الأكبر في البرلمان الذي مدد سعيد تجميد أعماله. وقال رئيس الحزب راشد الغنوشي إن "خطوة سعيد هي إلغاء للدستور ونحن لن نقبل بذلك".

وينفتح المشهد السياسي التونسي على كل السيناريوهات مع استمرار الأزمة الراهنة بكل تعقيداتها السياسية والدستورية وفي ظل الجدل القائم حول "شرعية" قرارات الرئيس.

ولاقت قرارات قيس سعيد وهو أستاذ قانون دستوري، دعما شعبيا واسعا وسط آمال معقودة على إنهاء منظومة الحكم السابقة ومكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين.   

ويرى خبراء أن الرئيس التونسي الذي عزّز صلاحياته الأربعاء بموجب قرار رئاسي يسعى إلى إرساء نظام سياسي جديد، ما يثير قلقا لدى معارضيه والمجتمع المدني.

وسيصدر بموجب هذه الصلاحيات، التشريعات في أوامر رئاسية، الأمر الذي كان من صلاحيات البرلمان المجمّدة أعماله منذ 25 يوليو/تموز.

ونشرت الإجراءات الجديدة الأربعاء في الجريدة الرسمية وهي "تدابير استثنائية" لتنظيم السلطتين التنفيذية والتشريعية وتتألف من 23 فصلا.

وجاء فيها "يتمّ إصدار القوانين ذات الصبغة التشريعية في شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية".

كما ورد في فصل آخر "يمارس الرئيس السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس الحكومة" و"تتكوّن الحكومة من رئيس ووزراء وكتّاب دولة يعيّنهم رئيس الجمهورية".

والسلطة التنفيذية، بموجب دستور 2014، في يد الحكومة التي تكون مسؤولة أمام البرلمان، لكنّها، بموجب التدابير الاستثنائية، ستكون مسؤولة أمام رئيس الجمهورية مستقبلا.

ويرى أستاذ القانون الدستوري شفيق صرصار أن ما قام به سعيّد "أقرب إلى تنظيم مؤقت للسلطات وهذا ما يعني الاستعداد للانتقال إلى دستور أو نظام دستوري آخر".

وأضاف "لم يعد هناك رئيس حكومة. أصبح هناك رئيس وزراء وتمّ إلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين وهذا ليس استثناء".

ويؤكد صرصار أنه "أصبح هناك دستور صغير"، معتبرا أنه "تقريبا حلّ للبرلمان مع تأجيل التنفيذ ولم يتم استعمال كلمة حلّ"، بينما يعتبر المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي أن الرئيس "هو أكثر رجل واضح في أهدافه".

وقال الجورشي "جاء لتغيير ليس فقط النظام الرئاسي، وإنما أيضا طبيعة العلاقات بين رأس السلطة وعامة الشعب". وتمثل الأحزاب والمنظمات في تقدير سعيّد "عنصرا معرقلا" لمشروعه.

ويمنح دستور 2014 الذي تم إقراره إثر ثورة 2011 صلاحيات أكثر للبرلمان على حساب باقي السلطات، لكن ساهم ذلك في ظهور نزاعات وخلافات شديدة بين السلطات حول هذه الصلاحيات، ما عرقل عمل الدولة، لا سيما أن الانتخابات النيابية أفرزت في العام 2019 برلمانا مشتتا ومنقسما واجه صعوبات في الوصول إلى توافقات في خصوص العديد من القوانين. وعلّل مراقبون سبب ذلك القانون الانتخابي الذي يسعى سعيّد إلى تغييره.

ويوضح الجورشي "لا شك أن هناك العديد من الإخلالات داخل دستور 2014، خصوصا في ما يتعلّق بالنظام البرلماني"، لكن "كان بإمكان رئيس الجمهورية توفير أرضية لتعديل الدستور وإشراك المجتمع المدني والأحزاب"، لكي "لا يصبح منصب رئيس الجمهورية المنصب الذي تدور حوله الدولة".

ويقدّر الباحث في العلوم السياسية فينسون جيسير "أن الأمر الرئاسي يُشرّع للنظام الرئاسي والحكم الفردي الذي انخرطت فيه تونس منذ تاريخ 25 يوليو".

كما يرى الباحث الفرنسي أن التدابير التي تم إقرارها "تهمّش البرلمان والأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية مسندة حصرا للرئيس ولحكومة في خدمة الرئيس".

هل هذه التدابير استثنائية؟

وعُنونت التدابير "بالاستثنائية" وأدخلت تغييرات على بابين هامين في الدستور هما السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، كما نصّت على إنشاء لجنة للنظر في مشاريع التعديلات القانونية بإشراف سعيّد.

واعتبر الرئيس التونسي منتصف الشهر أنّ "الشعب سئم الدستور والقواعد القانونية التي وضعوها على المقاس ولا بدّ من إدخال تعديلات في إطار الدستور".

ويبين الجورشي في هذا السياق أن "جزءا هاما من مشروع سعيّد بدأ يتبلور أكثر فأكثر وهو التوجه نحو نظام رئاسي"، بينما يؤكد جيسير أن التدابير "تبسط الطريق لنظام سياسي جديد".

ردا على القرارات، قال القيادي وعضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة محمد القوماني الأربعاء "وضع الرئيس في الحقيقة تنظيما مؤقتا للسلطات، هو عبارة عن دستور جديد وصغير وبذلك ينتقل الرئيس من شبهة الانقلاب والخلاف حول خرق الدستور يوم 25 يوليو/تموز إلى الانقلاب السافر على دستور 2014".

وأكد القوماني رفض حزبه القرارات الرئاسية، لأنّ الرئيس "يضع نفسه في موضع الحكم الفردي المطلق ويدفع بتونس إلى منطقة المخاطر العالية".

ويحظى سعيّد "بثقة كبيرة لدى منظمات المجتمع المدني"، حسب جيسير الذي يؤكد أن "الرئيس لديه دعم من جزء من النخبة ومن قوات الأمن وهو رئيس قوّي جدا".