هل تفقد منظمة الصحة العالمية شرعيتها؟

عمرو عبدالعاطي يؤكد في دراسته "مستقبل مضطرب للمنظمات الدولية في عصر الأوبئة" أن جائحة كورونا كشفت عن ملامح مستقبل مضطرب للتنظيم الدولي.


على الرغم من الوظائف الحيوية التي يفرض أن تؤديها المنظمات الدولية فإن واقع مواجهتها للجائحة قد أثار جدالا واسع النطاق 


المنظمات الدولية عليها أن تعيد هيكلة ذاتها كي تنشط على الساحة العالمية بغرض التعامل مع الأزمات الدولية الطارئة

أكد الباحث المتخصص في الشئون الأميركية د.عمرو عبدالعاطي في دراسته "مستقبل مضطرب للمنظمات الدولية في عصر الأوبئة" أن جائحة كورونا كشفت عن ملامح مستقبل مضطرب للتنظيم الدولي، فعلى الرغم من الوظائف الحيوية التي يفرض أن تؤديها المنظمات الدولية في ضبط التفاعلات العالمية وتحفيز التعاون الدولي وتنسيق الاستجابة للأزمات العابرة للحدود، فإن واقع مواجهتها للجائحة قد أثار جدالا واسع النطاق حول مدى فاعليتها في إدارة الأزمات واحتواء تأثيراتها، نتيجة للهوة المتسعة بين مستوى التوقعات المرتفع لأدوار هذه المنظمات من جانب الفاعلين الدوليين والواقع الفعلي لقدراتها ومواردها والصلاحيات الموكلة إليها، فضلا عن انتقادات أخرى تتعلق بكفاءة الإدارة وتخصيص الموارد والشفافية والمحاسبة وأدوار القيادات داخل المنظمات الدولية.
وقال في دراسته الصادرة عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو/آيار من هذا العام 2020 إنهاء علاقة أميركا بمنظمة الصحة العالمية، أكد تفاقم الأزمات التي تواجهها المنظمات الدولية خاصة فيما يتعلق بشرعية الدور والمصداقية ومستوى الثقة من جانب الدول الأعضاء بها. وأضاف "لهذا يتوقع أن تخفق المنظمات الدولية في التعامل مع الجائحة، وهذا الاخفاق لم يكن وليد الأزمة الراهنة، ولكن انتشار فيروس كورونا بصورة متسارعة وغير متوقعة في معظم إن لم يكن كل دول العالم جاء ليؤكده، ويحمل تأثيرات كبيرة على مستقبل تلك المنظمات، حيث سيدفع تراجع دورها وفاعلياتها في مواجهة انتشار الفيروس، وارتفاع حالات الوفاة به، إلى البحث عن سبل لتطوير هياكلها مستقبلا، لكي تكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المستقبلية التي تكون على مستوى جائحة كوفيد 19 وتلك الأكثر تهديدا مما تشكله راهنا، أو يسعى أعضاؤها إلى تأسيس منظمات بديلة إذا كانت لديهم القدرة والموارد وكذلك الرغبة لفعل ذلك".
وأوضح عبدالعاطي أنه قبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية في 11 مارس/آذار أن الفيروس يندرج تحت فئة الجائحة، قدمت إرشادات وصفت بأنها متضاربة ومرتبكة، وتم اتهامها بالتحيز أو إخفاء المعلومات، وأصبحت وظيفتها موضع استقطاب عالمي وجزءا من صراعات القوى الكبرى، مما أسهم في تحول الفيروس من كونه أزمة محلية إلى الكارثة العالمية الأعظم راهنا، في الوقت الذي تراجعت فيه القيادة الأميركية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب لتوحيد الجهود الدولية لمواجهة تلك الأزمة.

تعثر أدوار المنظمات الدولية خلال الأزمات الطارئة يهدد شرعيتها وقدرتها على البقاء، الأمر الذي يضعف امتثال أعضائها، ويهدد المكاسب التي يفترض أن تنجم عن التعاون الدولي

ورصد عبدالعاطي أبرز الإشكاليات والأزمات التي تواجهها المنظمات الدولية في ظل جائحة كورونا، والتي كان لها أكبر الأثر على تعاملها مع تلك الجائحة، وتراجع فاعليتها، وعدم تحقيقها ما يتوقع أن تقوم به، وفي مقدمة هذه الإشكاليات احتدام الاستقطاب بمجلس الأمن الدولي الذي فشل في اتخاذ خطوة إيجابية رغم ارتفاع عدد الاصابات وارتفاع عدد الوفيات "يرجع عدد من المسئولين السابقين بمنظمة الأمم المتحدة محدودية دور مجلس الأمن في التعامل بفاعلية مع جائحة فيروس كورونا إلى المواجهة بين عضوين "الولايات المتحدة والصين" من الأعضاء الخمسة الدائمين به الذين يتمتعون بحق النقض "الفيتو"، بشأن أصل الفيروس، حيث لا تريد بكين التي ظهر بها الفيروس بمدينة ووهان أن يُنظر إليها على أنها مذنبة، وفي المقابل أصرت واشنطن على أن بكين كانت بطيئة في الاستجابة لانتشار العدوى، وسعت لتحميلها المسؤولية عن انتشاره في معظم دول العالم". 
الاشكالية الثانية أزمة السيولة المالية التي واجهتها منظمة الأمم المتحدة حيث أدى انتشار الفيروس في عديد من الدول وتأثيراته على اقتصاداتها إلى تأخر الدول الأعضاء التي تعاني من ضائقة مالية وأزمات اقتصادية جراء الفيروس في دفع مستحقاتها المالية. ويتوقع مسؤولو المنظمة أن تؤدي تداعيات الفيروس إلى زيادة استنزاف مخصصات المنظمة المالية. والاشكالية الثالثة تمثلت في الجدل حول فاعلية منظمة الصحة العالمية حيث اتهمت العديد من الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، المنظمة بمقاومتها وصف تفشي فيروس كورونا على أنه جائحة عالمية قبل منتصف مارس/آذار 2020 رغم ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس حول العالم، وحديث العلماء عن أن العالم من الواضح قد يسقط في براثن وباء عالمي خطر يسببه فيروس كورونا. 
الإشكالية الرابعة المزاعم حول دعم سرديات الدول الأعضاء حيث تشير الانتقادات الغربية والأميركية إلى أن إشادة المنظمة بأداء الصين وقدراتها على احتواء انتشار الفيروس دفعت الدول الأخرى إلى الشعور بالرضا والارتياح، وهو الأمر الذي أفضى إلى تأخر استجاباتها لأسابيع، وانتشار الفيروس بصورة كان من الممكن مواجهتها إذا تعاملت المنظمة بحيادية مع ما يصدر عن بكين بشأن الفيروس، وذلك على حد انتقادات الدول الغربية. وتوجه انتقادات متعددة كذلك لمنظمة الصحة العالمية بدعوى إخفائها معلومات ضرورية ودعم السردية الصينية حول الفيروس لعدم رغبتها في الضغط على الصين.
وأشار عبدالعاطي إلى إن الحديث عن مستقبل المنظمات الدولية في أعقاب جائحة فيروس كورونا، وقدرتها على مواجهة الأزمات الصحية العالمية الطارئة يرتبط بقضيتين رئيستين أولهما حتمية إصلاح المنظمات الدولية لافتا إلى أن رئيس المنظمة يذكر خمسة أسباب تؤكد حاجة العالم إلى المنظمة في جهودها لمكافحة جائحة كورونا: مساعدة الدول على الاستعداد والاستجابة، تقديم معلومات دقيقة والتصدي للتضليل المعلوماتي، ضمان وصول الامدادات إلى الفاعلين في الخطوط الأمامية، تدريب وتعبئة الكوادر الصحة، تحفيز عمليات تطوير اللقاحات والأدوية.

وقال "في إطار الحديث عن إصلاح منظمة الصحة العالمية لتكون قادرة على مواجهة الأزمات الصحية الطارئة، اقترح البعض أن يكون هناك منتدى يجمع قادة الدول الكبرى والفاعلة في النظام الدولي بانتظام، لتسهيل التعاون بينهم في مجال الصحة العامة، حيث تلعب المؤتمرات السنوية متعددة الأطراف لمعالجة القضايا دوراً مهما في تعزيز التعاون بين الدول لمواجهة الأزمات الدولية، فعلى سبيل المثال، يسمح الاجتماع السنوي لمحافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ووزراء المالية، بإجراء حوار منتظم رفيع المستوى حول القضايا الاقتصادية، ولذا، فإن تعزيز التعاون العالمي بشأن الأوبئة تطلب أن تكون هناك آلية تشبه منتدى سنوي للصحة العالمية كمنتدى الاقتصاد العالمي بدافوس، لتسهيل الاجتماع السنوي لرؤساء الدول، أو على الأقل وزراء الصحة.
وتوقف عبدالعاطي عن تأثير الانعزالية الأميركية على التنظيم الدولي، قال "تاريخيا أسهمت القيادة الأميركية في دعم المنظمات الدولية وتحديد الأولويات وتوحيد الاستجابات الوطنية المتباينة والمتضاربة غالبا لتجنب السيناريو الأسوأ وقت الأزمات الدولية الطارئة، ولكن مع تفشي فيروس كورونا في العالم، الذي يهدد الصحة والاستقرار والأمن الدوليين، غاب الدور الأميركي الفعال في مجلس الأمن الدولي، وفي باقي المنظمات الدولية التي كانت بحاجة إلى الولايات المتحدة لتوحيد جهودها لتكون أكثر فاعلية لمواجهة الجائحة. وبدلا من الإسهام في دعم استجابة المجتمع الدولي للجائحة، والضغط من أجل اتفاق عالمي على سبيل المساعدة في تخصيص الموارد، ورعاية استجابة طويلة الأمد في العلاجات واللقاحات، أعطى ترامب الأولوية للمصالح الوطنية لكونه يرى أن المنظمات الدولية تمثل تهديدا للسيادة الوطنية للدول.
ورأى مع تراجع الدور الأميركي داخل المنظمات الدولية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب فإن مستقبل المنظمات الدولية القادرة على تنفيذ استجابة سريعة للتهديدات الدولية الطارئة سيكون - من وجهة نظر سامانثا باور السفيرة الأميركية السابقة بالأمم المتحدة خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما - صعباً للغاية بدون أغنى وأقوى دولة في العالم، وأكبر ممول للمنظمات الدولية، ولكنها ترى أنه ليس من المستحيل أن تقوم المنظمات الدولية بمهامها بدون القيادة الأميركية في ظل تطلع العديد من الدول لملء الفراغ الناجم عن التوجهات الانسحابية للولايات المتحدة.
وخلص عبدالعاطي إلى أن تعثر أدوار المنظمات الدولية خلال الأزمات الطارئة يهدد شرعيتها وقدرتها على البقاء، الأمر الذي يضعف امتثال أعضائها، ويهدد المكاسب التي يفترض أن تنجم عن التعاون الدولي، وفي بعض الحالات قد يلجأ الأعضاء للتخلي عن المنظمات الدولية بدعوى تدني الفاعلية والتأثير، ويسعون إلى تأسيس منظمات جديدة بشكل توافقي وفقا لرغباتهم ومصالحهم، وذلك إذا افترضنا أن الدول قادرة على القيام بذلك. ولهذا فإن المنظمات الدولية ينبغي أن تعيد هيكلة ذاتها كي تنشط على الساحة العالمية بغرض التعامل مع الأزمات الدولية الطارئة، وصياغة استجابات تعاونية سريعة للتعامل معها. ويجب على القوى الكبرى تجنب الاستقطاب والصراعات، ودعم أدوار المنظمات الدولية، ويتصل ذلك بجعل المنظمات الدولية أكثر مساءلة ومراجعة القواعد المنظمة للعمل الداخلي بها، واختيار القيادات والتمويل وتخصيص الموارد، وفرض القواعد الدولية بهدف تعزيز فاعليتها في عالم "ما بعد كورونا".