هل تنتقل إيران بعد الحرب من العتبة النووية إلى الردع النووي
غيرت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في الأشهر الماضية العديد من عوامل الصراع، فبالإضافة إلى العامل الاقتصادي الذي فرضته طهران بتعطيل العمل في مضيق هرمز، لا يبدو الملف النووي أقل أهمية. قبل أسابيع، لوّحت إيران، عبر مصادر إعلامية قريبة من الحرس الثوري وتصريحات منسوبة لمصادر عسكرية، بأنها لا تزال تملك أسلحة متقدمة لم تستخدمها بعد، وهو ما يفتح سؤالاً أوسع حول طبيعة الردع الإيراني وحدوده، وما إذا كان الملف النووي قد أصبح جزءاً من هذا الردع غير المعلن.
لا يتمحور الجدل اليوم حول ما إذا كانت إيران تمتلك القدرة التقنية النووية، بل حول ما إذا كانت قد اتخذت القرار السياسي بامتلاك سلاح ردعي نووي. في 25 مارس/آذار الماضي، عرضت إدارة ترامب خطة سلام على طهران، تضمنت قيودًا على البرنامج النووي الإيراني، مثل تفكيك جميع المنشآت النووية، وتسليم جميع المواد والمعدات النووية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعدم تخصيب اليورانيوم مجددًا. وردّت إيران بأنها مستعدة لتقديم جميع الضمانات اللازمة بعدم تطويرها لأسلحة نووية، والاحتفاظ بحقها في استخدام التكنولوجيا النووية سلميًا، وهو ما عكس ذات الموقف قي إتفاق عام 2015. ورغم ذلك شكلت الحرب على طهران فصلاً جديداً من فصول توتر العلاقات وانعدام الثقة الإيرانية بالطرف الأميركي، كما حدث ذلك من قبل بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في العام 2018، واستهداف منشأة نطنز في العام 2021، والذي اعتبر اعتداءً على سيادة إيران الوطنية، وهو الأمر الذي شكل مرحلة مهمة في ذلك التوتر.
تعتبر إيران دولة على العتبة النووية، بسبب امتلاكها لمقومات عديدة على رأسها مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ويحتاج الاستخدام السلمي لنسبة تخصيب تتراوح ما بين 3 و5 في المائة فقط. امتلكت طهران قبل الهجوم عليها نحو 440.9 كغم من هذا المخزون، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم يعرف إن كان قد تضرر بفعل الهجوم، وما هي نسبة ذلك التضرر. تمتلك إيران كذلك معرفة علمية نووية تراكمت ونضجت، خصوصا خلال العقدين الماضيين. اقترنت القدرة العلمية النووية الإيرانية ببناء بنية تحتية واسعة وتكنولوجيا تطوير أجهزة طرد مركزي ومعدات انتاج موزعة في أنحاء البلاد الواسعة، بعضها سري. وتشغل إيران العديد من مفاعلات الأبحاث والطاقة النووية، بما في ذلك مفاعل طاقة تديره روسيا في محطة بوشهر للطاقة النووية. وهناك أجهزة طرد مركزي مخزنة في منشآت سرية تحت الأرض. لم يتم التحقق من مدى وحدود تعطيل تلك القدرات بعد الهجوم الأخير بسبب سرية معظمها.
بعد وقف إطلاق للنار، صرّح ترامب بأن اليورانيوم الإيراني "مدفون في أعماق الأرض، وسيكون من الصعب على أي شخص الوصول إليه". كما تمتلك إيران قدرات صاروخية باليستية، ومساعي مستمرة لتطويرها، وهو ذلك النوع من الصواريخ القادر على حمل الرؤوس النووية.
أكد الدكتور يسري أبوشادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً، خلال مقابلة على قناة "الجزيرة"، أن إيران نقلت المواد عالية التخصيب إلى مواقع آمنة تحت الأرض قبل بدء الهجمات، ولم يتم استهداف المواقع المحصنة تحت الأرض بالكامل. ويعتبر الخبير الأممي السابق أن ما تضرر فقط جزء صغير من اليورانيوم المخصب، ولا أحد غير الإيرانيين يعرف مكانه الحالي.
يعتقد مجلس العلاقات الخارجية CFR الأميركي أن إيران لا تملك سلاحاً نووياً حتى الآن، لكنه يقر بأنها تملك المعرفة والبنية التي قد تسمح لها بالإنتاج خلال مدة قصيرة إذا توفر القرار السياسي. وهو ذات الأمر الذي أكد عليه معهد العلوم والأمن الدولي ISIS الأميركي، فأشار إلى أن إيران تملك "برامج جاهزة" يمكن أن تساعدها على إنتاج سلاح نووي. اعتبر أبوشادي، أن 42 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة تكفي لصناعة قنبلة ذرية ضعيفة. وبما أن إيران تمتلك أكثر من 440 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، بنسبة 60 في المائة، أي ما يكفي لصناعة حوالي 10 قنابل ضعيفة. وتحتاج إيران لرفع نسبة التخصيب إلى 90 بالمئة لإنتاج قنابل فعالة، وهو الأمر الممكن. فقد أنجزت إيران برفع نسبة التخصيب إلى 60 في المائة الجهد الأكبر المطلوب مقارنة بالمراحل السابقة للوصول لنسبة التخصيب اللازمة للسلاح. فكلما ارتفعت نسبة التخصيب، أمكن تحقيق نفس التأثير النووي باستخدام كمية أقل من المادة الانشطارية، وهو ما يحتاجه العمل لمدة شهر واحد لتحقيقه بالنسبة لإيران. ويعتقد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS الأميركي أن توافق وزن وحجم وشكل الرأس مع الصاروخ مسألة أساسية في التسليح النووي الصاروخي. وتمتلك إيران صواريخ باليستية، متوسطة المدى، يمكن أن تستخدم لحمل الرؤوس النووية، وتعمل بشكل متواصل على تطوير قدراتها الصاروخية، لكن دون إفصاح عن حدود ومستوى ذلك التطور. وتقدر CSIS أن نجاح إيران في تصغير الرأس النووي، يجعل صواريخ إيران ذات قدرة نووية.
تعد التفجيرات التجريبية مؤشراً مهماً على اتخاذ مثل هذا القرار، كما فعلت من قبل كوريا الشمالية، وهو لم يتم رصده بعد في إيران، إلا أنه ليس دليلاً قطعياً على عدم امتلاك السلاح، فقد تضطر الدول لإنتاج السلاح دون تجربته علنياً، لأسباب أمنية. ويبقى السؤال المهم هل اتخذت إيران القرار السياسي بأن تصبح قوة عسكرية نووية بعد الهجوم عليها؟
قد تخرج إيران، نتيجةً للحرب، أكثر تصميمًا من أي وقت مضى على امتلاك سلاح نووي لردع أي صراع مستقبلي، تمامًا كما ساهمت سنوات من العقوبات، وتزايد انعدام الثقة بواشنطن، والضغوط العسكرية الإسرائيلية المتكررة في تشكيل قرار طهران بزيادة تخصيب اليورانيوم بشكل مطرد. وحول تلك المعضلة تحديدا، يبدو أنه من المفيد النظر لتلك التطورات وفق منظور أوسع. فالسلاح النووي الإيراني، وعلى اعتبار أنه ملف يمس الدول الإقليمية الأخرى، ومعادلات الصراع في المنطقة، لابد أن يقارن بالسلاح النووي الإسرائيلي. فاسرائيل دولة تمتلك سلاحاً نوويا، يحظر طرحه أو حتى فتح ملفه، على الرغم من أنها دولة محتلة، ليس فقط للأراضي الفلسطينية، بل تحتل أيضاً أراضي لبنانية وسورية، بإقرار قانوني وسياسي دولي.
كما تعد دولة معتدية على دول مجاورة قريبة منها، وإقليمية بعيدة عنها، كاعتدائها على الجوار السوري واللبناني، وشنها لهجمات على قطر وإيران، ومن قبلها العراق، مقترفة جرائم اغتيال، واعتداء على سيادة دول مستقلة، ومنتهكة للاعراف والقوانين الدولية.
تعتبر إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، وتمتلك ما بين 80 و200 رأس نووي حسب تقديرات دولية، وتواصل الإنتاج والتطوير سنوياً دون رقابة أو متابعة، وتشكل الخطر الحقيقي على المنطقة، وربما على العالم. إن ذلك يعني أن الملف النووي العسكري برمته قضية تهم دول المنطقة جميعاً، ولا تتعلق بايران بشكل منفرد، فدول الخليج ومصر وتركيا لابد أن يكون لها دور في حسم الملف النووي العسكري في المنطقة، والذي يتعلق بإسرائيل النووية أولاً، قبل التوجه لإيران التي تقف على العتبة النووية، ولم تتخطاها بعد. إن ترتيب الوضع الإقليمي النووي عموماً الذي يمس جميع دول الإقليم يضع ملف إسرائيل النووي في رأس قائمة الأولويات.
ربما لم تؤخر الحرب الأخيرة البرنامج النووي الإيراني بقدر ما أعادت تشكيل البيئة السياسية المحيطة به. فلم يعد السؤال ما إذا كانت إيران قادرة على إنتاج سلاح نووي، بل ما إذا كانت قد أصبحت مقتنعة بأن امتلاكه ضرورة استراتيجية، خصوصا في ظل عدو نووي يعتدي على دول المنطقة دون رادع.