هل داعش اصطناع أم استزراع؟

في القديم القريب، حينما دخلت الرأسمالية في مواجهة شرسة مع الإشتراكية، راجت مقولة: "إذا كانت الشعوب سعيدة، فلدعاة الإشتراكية أن يتغنوا كما يشاءون". وقد كانت تلك المقولة ترجمة واقعية لما توفره الدول الرأسمالية لشعوبها من رفاهية وعدالة اجتماعية تفوق ما توفره الدول الاشتراكية لمواطنيها، على العكس من الشعوب المنتمية للشرق التي كانت تعاني شظف العيش وتركيز الثروة في أيدي النُخبة الحاكمة التي لم تكن تنقصها القسوة المفرطة، وفي الوقت الذي كانت الشعوب الغربية تمارس الحرية قولاً وفعلاً وتتمكن من محاسبة نخبتها الحاكمة، كان ذلك من المحرمات على الشعوب المنتمية للكتلة الشرقية ومعها بالطبع شعوب العالم الثالث التي تتربع الدول العربية والإسلامية على قمتها بلا منازع.

وعندما كانت الشيوعية تشق طريقها إلى بعض المجتمعات العربية، حين اعتنقها كنظرية عادلة نوعاً ما، بعض النُخبة من اليساريين العرب، الذين نقموا على الغرب برأسماليته المتوحشة، ورأوا في الشيوعية وسيلة وحيدة لتهذيب الظلم الناتج عن سوء معاملة أصحاب رؤوس الأموال للعمال، اصطدم هؤلاء بأصحاب الفكر الديني الذين رأوا في الشيوعية دعوة صريحة للكفر بالأديان، ورغم ذلك الاعتراض الديني، قررت قيادات بعض الدول العربية التقرب للاتحاد السوفيتي والأخذ بالنظرية الإشتراكية، نكاية في أميركا.

ولما فشلت تلك الدول في النهوض بالمجتمع ولم تتمكن من تحقيق العدالة الاجتماعية، ناهيك عما ارتكبت من مظالم نتيجة الاستيلاء على الممتلكات الخاصة بحجة انتماء أصحابها للفكر المعادي لنظام الدولة، الأمر الذي أدى إلى هزة اقتصادية كبيرة نتيجة القضاء على الصناعات الخاصة والاستعاضة عنها باحتكار الدولة بفسادها الإداري لجميع وسائل الإنتاج، إضافة إلى قتل السياسة وتركيز الحكم في أيدي النُخبة العسكرية الجديدة التي وجدت نفسها غير مُلزمة بأي إبداع لإختفاء من ينافسها من النُخب من ناحية، وعدم وجود أي آلية لمحاسبتها من ناحية أخرى، ظهرت نظرية ثالثة تدعي القدرة على انتشال المجتمع من كبوته وتحقيق العدالة المطلقة، فراجت مقولة الإسلام هو الحل، التي أطلقتها جماعات الإسلام السياسي، المعادية للاشتراكية كنظرية كافرة، والرأسمالية كنظرية ظالمة.

والمتتبع للحالة العربية من منطلق موضوعي، يرى أنها منطقة متفردة من نوعها في العالم، فموقعها الإستراتيجي يوفر لها كتلة كبيرة مترابطة لغوياً ودينياً واجتماعياً، ويتوفر فيها جميع الموارد الطبيعية التي تهيء لها الاكتفاء الذاتي، وتُساعدها بنيتها البشرية المتنامية على أن تكون قوة اقتصادية كبرى، إذا ما اتبعت وسائل الإدارة التي أخذت بها الدول المتقدمة، وتمتعت شعوبها بالحرية في جميع المجالات، وعلى رأسها الحرية السياسية، ولكن ذلك للأسف لم يتحقق لأسباب احتكار السلطة المستعينة بالمعتقدات الدينية التي زرعت في الوعي الجمعي للشعوب الشعور بالدونية والاحتياج الدائم تجاه النُخب الحاكمة التي وجدت في استمرار الأوضاع على ما هي عليه ما يُحقق مصلحتها وحدها، فعمدت إلى الأخذ من الرأسمالية ما يحفظ لها مكانتها ومكتسباتها، ومن الإشتراكية ما يجعل من الشعوب عبيد إحساناتها، ومن الدين ما يدعو إلى طاعتها وتحريم معارضتها وضرورة إستمرارياتها.

وغير خافٍ أن الصراع بين الرأسمالية والإشتراكية مر بمراحل أنتهت بالحرب الباردة التي تمكنت خلالها الدول الغربية من القضاء على الإشتراكية كنظرية اقتصادية إلى المدى الذي تخلت فيه عنها حتى الدول التي اخترعتها وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي، وقد بدا ذلك انتصارا للرأسمالية كنظرية وحيدة قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية للشعوب التي تتبعها اعتماداً على الآليات المنبثقة عن النظرية الوحيدة للإدارة السياسية والمعروفة بالديمقراطية، التي وفرت وسائل اختيار الحكام ومحاسبتهم بما نتج عنه أفضل الأنظمة للحفاظ على المصلحة العامة لأي دولة، وأهمها بلا منازع احترام القوانين والحسم في تطبيقها على الجميع دون تفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الدين أو اللون أو الوضع الاجتماعي أو الأدبي، وذلك في جو مُشبع بحرية الاعتقاد والرأي والتفكير والتعبير انطلاقاً من المواطنة بمعناها الحقيقي الذي يعلي من كرامة الإنسان وقيمته كجزءٍ هام وأساسي للتكوين البشري للدولة وكرامتها، الأمر الذي أدى إلى تهافت آلاف العرب والمسلمين على الهجرة لتلك الدول حيث وجدوا فيها بغيتهم من الحياة الإنسانية الكريمة التي ما زالوا يحلمون بتحقيقها في أوطانهم الأصلية.

وبالتزامن مع ذلك كان أصحاب نظرية الإسلام هو الحل يعملون على نشر أفكارهم في مجتمعهم، بإبراز أخطاء النُخبة الحاكمة وإغلاقها أبواب المشاركة السياسية أمام الجميع، واحتكارها السلطة وحدها، وعدم قدرتها على تحقيق التنمية البشرية المطلوبة، وانعدام العدالة الاجتماعية، وتأخر الدولة في جميع المجالات، والتركيز على كبت الحريات ومطاردة المعارضين، وتفشي الفساد والمحسوبية، وقد لاقت فكرة الإسلام هو الحل رواجاً كبيراً بين الشباب الذين اقتنعوا بمسؤولية الدولة عن حرمانهم من الحياة الكريمة.

ومع دخول النُخبة الحاكمة في صراع مباشر مع جماعات الإسلام السياسي انتهت بمحاولة اجتثاثهم من المجتمع تماماً، ومع عدم إتاحتها الوسائل السلمية لتعبير أي إنسان عن رأيه دون أن يتعرض للسجن، ومع الكبت في الحاضر، وانعدام الأمل في المستقبل، شاعت بين الكثير من الشباب فكرة المساواة بين الحياة والموت، هنا استطاعت جماعات الإسلام السياسي التي تطورت وانتهت بما يُعرف بتنظيم الدولة الإٍسلامية (داعش) توظيف الطاقات الغاضبة المكبوتة لدى الشباب – الذين هم يائسون على أي حال – لصالح أفكارها وعملياتها الإرهابية هنا وهناك، والتي يكون ضحاياها في الغالب من الأبرياء، ولكنها موجعة للإنسانية جمعاء، ما دعا العالم إلى إعلان المزيد من التضييق والمطاردة لمحاربة الإرهاب، وتجنب البحث في الأسباب. والنتيجة الحتمية لهذا التجاهل، أن داعش تحولت من تنظيم إجرامي غاصب، إلى فكرة ثائرة يستغلها كل مظلوم أو غاضب، ومع تعدد النظريات والتساؤلات عمن صنع داعش والذي يجب معرفته ومعاقبته، ما زال الجميع يغضون الطرف ويتناسون أن هناك من هيأ لها التربة وزرعها ويجب محاسبته.