هل يرفع التغيير في الجزائر الغطاء عن جبهة البوليساريو؟

النظام الحاكم في الجزائر شكّل على مدار عقود من عمر الصراع عنصرا معطلا لتسوية النزاع بين الرباط وجبهة البوليساريو.



الفشل يخيم على أحدث جولة مفاوضات حول النزاع بالصحراء المغربية


جولة جديدة من المفاوضات حول ملف الصحراء المغربية


الجزائريون يشعرون بأن جبهة البوليساريو باتت عبئا ثقيلا


الدعم الجزائري للبوليساريو عطّل مسار التكامل المغاربي


الجزائريون يشعرون بضيق من استمرار النظام في توتير الأجواء مع المغرب

الرباط/جنيف - بدأت اليوم الخميس الجولة الثانية من المفاوضات بشأن النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية حول الصحراء المغربية، فيما تشارك الجزائر وموريتانيا بصفة مراقب في هذه الجولة الثانية التي ترغب الأمم المتحدة في أن تؤسس من خلالها لحل ينهي النزاع.

ويتزامن عقد هذه الجولة مع تصاعد الاحتجاجات في الجزائر الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو، وسط توقعات بقرب رحيل النظام الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال والذي شكّل على مدار الصراع حول الصحراء المغربية عنصرا معطلا لأي تسوية سلمية.

ووفر النظام الجزائري للجبهة الانفصالية غطاء ماليا وسياسيا وعسكريا وساهم في استقطاب اعتراف بعض الدول الإفريقية بالكيان غير الشرعي المسمى الجمهورية الصحراوية.

 وليس واضحا بعد ما إذا كان أي تغيير قادم في الجزائر سيدفع باتجاه إعادة تطبيع العلاقات التاريخية مع المغرب ويدفع قدما لحل النزاع في الصحراء المغربية.

لكن معظم الجزائريين يشعرون بضيق من استمرار النظام في توتير الأجواء مع المغرب البلد الجار الذي تربطه بالشعب الجزائري علاقات تاريخية وثيقة مع قناعة راسخة بأن جبهة البوليساريو باتت عبئا ثقيلا على الجزائر.

ويشكل هذا الشعور عاملا مهما في مسار العلاقات الجزائرية المغربية في مرحلة ما بعد بوتفليقة، حيث يزداد الخناق الشعبي على الرئيس الذي يحكم الجزائر منذ 1999.

ناصر بوريطة يترأس الوفد المغربي في مفاوضات جنيف
سيادة المغرب على كل أراضيه من الثوابت الوطنية

ويلتزم المغرب بدبلوماسية تقوم على عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول بما في ذلك ما يحدث في الجارة الجزائر ولم يصدر عنه أي موقف رسمي تجاه الحراك الشعبي.

وتأمل الأمم المتحدة التي ترعى المفاوضات بين الرباط وجبهة البوليساريو في سويسرا أن يناقش الأطراف المجتمعون "كيفية بناء الثقة".

ويجتمع قرب جنيف وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا وكبير مفاوضي جبهة بوليساريو مع هورست كولر الرئيس الألماني السابق الذي يقود جهود الأمم المتحدة للسلام.

وقالت الأمم المتحدة في بيان إنّ هدف المباحثات التي ستستمر ليومين هو اتخاذ "خطوة إضافية في العملية السياسية نحو التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم مقبول من جميع الأطراف يؤدي إلى تقرير المصير لشعب الصحراء المغربية".

وقاد كولر أول جولة من المحادثات في ديسمبر/كانون الأول 2018 في جنيف، إلا أنها لم تثمر.

وأفاد البيان أنّ "هدف اللقاء هو أن تبدأ الوفود مقاربة العناصر اللازمة للتوصل إلى حل دائم يستند إلى تسوية"، مضيفا "اللقاء سيشكل فرصة للوفود لإعادة مناقشة قضايا إقليمية ومناقشة كيفية بناء الثقة". وتحضيرا لهذا اللقاء، التقى كولر كل طرف من أطراف النزاع على حدة.

وفي أعقاب هذه المحادثات، ستنظم جنوب إفريقيا "مؤتمر تضامن" في 25 و26 مارس/اذار في بريتوريا للدفع من أجل استفتاء بشأن الصحراء المغربية وذلك برعاية مجموعة تنمية إفريقيا الجنوبية (سادك). وبريتوريا إلى جانب الجزائر من الدول الداعمة للبوليساريو.

وفشلت وساطات الأمم المتحدة مرارا في التوصل إلى تسوية بشأن النزاع في الصحراء المغربية. وخاضت المغرب وبوليساريو حروبا منذ العام 1975 حتى 1991.

وتم نشر بعثة أممية لحفظ السلام في المنطقة المتنازع عليها منذ العام 1991 لمراقبة تطبيق وقف إطلاق النار الذي انتهكت الجبهة مرارا فيما التزمت الرباط ضبط النفس التزاما منها بالقوانين والمواثيق الدولية وأطلعت في أكثر من مناسبة الأمم المتحدة على خروقات الجبهة الانفصالية لاتفاق وقف إطلاق النار.

وتأتي جولة المحادثات الجديدة فيما تنتهي مهمة قوة حفظ السلام نهاية الشهر المقبل.

وحذّرت الولايات المتحدة من أنها ستسمح بإنهاء عمل البعثة أو تجدد لها لستة أشهر فقط.

وتلتقي أطراف النزاع حول إقليم الصحراء في اجتماع الطاولة المستديرة بمدينة جنيف السويسرية، فيما تطرح عدة تساؤلات عما يمكن أن يسفر عنه لحلحلة النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو.

وفي 1975، بدأ النزاع حول الصحراء بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده بالمنطقة، ثم تحول إلى مواجهة مسلحة بين المغرب والبوليساريو، توقفت عام 1991، بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، برعاية الأمم المتحدة.

الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في لقاء سابق مع المبعوث الأممي السابق للصحراء المغربية كرستوفر روس
النظام الجزائري عطّل بدعمه للبوليساريو كل الجهود الأممية السابقة والحالية لحل النزاع في الصحراء المغربية

ويتمسك المغرب بسيادته على كامل ترابه بما في ذلك الأقاليم الصحراوية وهي من الثوابت الوطنية التي لا تقبل المساومة أو التفاوض. وعلى هذا الأساس اقترحت المملكة المغربية حكما ذاتيا موسعا تحت سيادتها لإنهاء النزاع، فيما تتمسك الجبهة الانفصالية باستفتاء على تقرير المصير وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي عشرات الآلاف من الصحراويين المحتجزين في مخيم تندوف تحت حراب مسلحي البوليساريو.

وتقمع البوليساريو الصحراويين في مخيم تندوف المناصرين لطروحات المغرب والرافضين للانفصال، مستخدمة التجويع والتعذيب سلاحا لإخضاع معارضيها.

وفي نهاية سبتمبر/أيلول 2018، دعا المبعوث الأممي الخاص إلى الصحراء الألماني هورست كوهلر، الأطراف المعنية بالنزاع إلى اجتماع طاولة مستديرة في جنيف، لبحث قضية الصحراء.

وعقد ذلك الاجتماع في ديسمبر/كانون الأول الماضي بمشاركة كل من المغرب والبوليساريو (طرفا النزاع) والجزائر وموريتانيا (دولتان مراقبتان).

وأفضى الاجتماع الذي دام يومين في مكتب الأمم المتحدة، إلى اتفاق على عقد اجتماع في الربع الأول من 2019.

ويأتي عقد الاجتماع الثاني قبل أيام من بدء مناقشة ملف الصحراء في مجلس الأمن الدولي، حيث يتضمن برنامجه لشهر أبريل/نيسان المقبل، أربع جلسات خاصة بالنزاع.

وتعود آخر جولة مفاوضات بين المغرب والبوليساريو إلى 2008 ولم يحدث تطور يُذكر منذ ذلك التاريخ.

ورجح سعيد الصديقي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بأبوظبي (خاصة) "عدم حصول أي تقدم في اتجاه حلحلة الوضع في الصحراء المغربية، خاصة في ظل غياب أي تغيير في المحددات الرئيسية للنزاع".

وقال الأكاديمي المغربي إنه "لا يمكن توقع أي نجاح لهذه الجولة، فهي ليست مفاوضات حقيقية، فضلا عن عدم استعداد أطراف النزاع لتقديم تنازلات من شأنها تعبيد الطريق لمفاوضات حقيقية".

ورأى أن هذه "الجولة كسابقاتها وكالتي ستليها، لا يُنتظر منها شيء وأحسن ما يمكن أن يتمخض عنها هو التعبير عن حسن النوايا والاستعداد لإيجاد حل سلمي للنزاع دون أي تأثير في أرض الواقع".

واعتبر أن "حصول تغيير في موقف الجزائر هو وحده الكفيل بإحداث تغيير في مسار النزاع".

مخيم تندوف يختزل تسلط الجزائر والبوليساريو على الصحراويين
مخيم تندوف شاهد على دور جزائري في تأليب شق من الصحراويين على المغرب

وشدد الصديقي على أن "حل النزاع في الصحراء يتوقف بشكل أساسي على موقف الجزائر ومدى استعدادها للدخول في مفاوضات مباشرة مع المغرب، باعتبارها طرفا في النزاع وليست مراقبا".

وبشكل متكرر دعا المغرب خلال الأشهر الأخيرة إلى "انخراط فعلي للجزائر في أي حل لنزاع الصحراء"، لكن الجزائر تشدد على أن النزاع بين المغرب والبوليساريو، وأنها فقط طرف مراقب.

ودعا العاهل المغربي الملك محمد السادس في 6 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، الجزائر إلى إنشاء لجنة مشتركة لبحث الملفات الخلافية العالقة بما فيها الحدود المغلقة.

وبينما لم يصدر رد مباشر من الجزائر على دعوة العاهل المغربي، دعت الخارجية الجزائرية في 22 من الشهر ذاته إلى عقد اجتماع لوزراء خارجية دول اتحاد المغرب العربي في "أقرب وقت"، لبحث إعادة بعث التكتل الإقليمي، فيما بدا وكأنه رد غير مباشر على الدعوة المغربية.

ويرى سلمان بونعمان الباحث المغربي في العلاقات الدولية أن "الحل في حوار مغربي جزائري مباشر ومسؤول في سياق بناء تكتل مغاربي قوي ومجاوزة الإرث التنازعي والصراعي الذي غطى المرحلة التاريخية السابقة بعد استقلال الدول في شمال إفريقيا".

واعتبر أن الحراك الحالي في الجزائر ربما يسفر لاحقا عن تغير في الموقف الجزائري.

وسبق أن صرحت الخارجية الجزائرية على لسان القائمين عليها أكثر من مرة، بأن الجزائر "ليست معنية بهذا النزاع وبأنه ليست لها أية أطماع" في إقليم الصحراء، مؤكدة أن القضية "يجب أن تُحل على مستوى الأمم المتحدة".

وهذا الإعلان الرسمي يشكل تضليلا مكشوفا، حيث أن كل الوقائع على الأرض تؤكد دور الجزائر المعطل لحل الأزمة.

وأردف بونعمان أن "اختيار التكامل والتعاون بين البلدين (المغرب والجزائر)، بدل التنازع والتجزئة هو أحد مفاتيح إنهاء النزاع، خاصة أن المشتركات القائمة أقوى من الخلافات السياسية والإقليمية في المنطقة".

وتشكل اتحاد المغرب العربي عام 1989، بعضوية كل من الجزائر المغرب وليبيا وتونس وموريتانيا، لكن خلافات بينية، أبرزها دعم الجزائر للبوليساريو تسببت بتجميد عمل المنظمة الإقليمية ولم تعقد أي قمة منذ 1994.

وتقع الصحراء المغربية المستعمرة الإسبانية السابقة على الطرف الغربي للصحراء الكبرى وتمتد مسافة 1000 كلم على طول ساحل المحيط الأطلسي.

واستعاد المغرب سيادته على الصحراء عندما انسحبت إسبانيا منها عام 1975 بوصفها جزء لا يتجزأ من التراب المغربي.

وفي العام التالي أعلنت جبهة بوليساريو قيام الكيان غير الشرعي المسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بدعم من الجزائر وليبيا.