هل ينهار اتحاد القارة العجوز؟

خرجت أوروبا عام 1945 منهكة مدمرة من الحرب العالمية الثانية. صحيح أن النازية قد هزمت، لكن هزيمتها كانت باهظة الثمن، وفوق الدمار الهائل الذي أحدثته الحرب في الاقتصاد والبنية الأساسية، كانت هناك أعداد لا تحصى من الأسر التي أصبحت بدون معيل، والمشوهين، والمعاقين، لكن العامل الأهم في حقل السياسة الدولية كان موت النظام العالمي القديم الذي لعبت فيه أوروبا دورا رئيسيا، ونشوء نظام عالمي جديد يتكون من قطبين رئيسيين هما أميركا والاتحاد السوفييتي.

أدركت أوروبا بسرعة أن عليها الاستسلام للقوة الأميركية الصاعدة، ولم يكن ذلك صعبا أو قاسيا، فالولايات المتحدة ليست سوى الامتداد للحضارة الأوروبية عبر المحيط الأطلسي، ولا يمكن لها أن تنخلع من أصولها الغربية ذات التاريخ القريب الذي لا يتجاوز ثلاثمئة عام.

لكن الانتماء الحضاري المشترك لم يطمس احساس أوروبا بالتهميش ونزعتها نحو استعادة مجدها القديم. وبعد أن نهض الاقتصاد الأوروبي نهضته الجبارة اثر الحرب العالمية الثانية في الخمسينات بدأت المحاولات الأوروبية لاستعادة دور رئيسي في السياسة العالمية انطلاقا من السوق الأوروبية المشتركة 1951، وتطور ذلك النزوع بالتدريج وصولا للاتحاد الأوروبي الذي تأسس عام 1993 ليحل مكان السوق الأوروبية المشتركة.

وفي عام 1999 أتفق رؤساء الاتحاد الأوروبي على اعلان اليورو عملة موحدة لأوروبا كخطوة ذات دلالة هامة في التحول نحو الاندماج الاقتصادي.

اختارت أوروبا توحيد الاقتصاد كأساس راسخ لنشوء اتحاد سياسي مستقبلي، اتحاد يأمل منه الأوروبيون استعادة دورهم العالمي كند للسياسة الأميركية وليس كتابع لها. وحينما أعلن الاتحاد الأوروبي وريثا للسوق الأوروبية المشتركة لم يكن يرجى منه سوى أن يكون الولايات المتحدة الأميركية بطبعتها الأوروبية.

لكن يبدو الآن خاصة بعد تصويت البريطانيين على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن مسارا معاكسا لمسار التوحد بدأ يشق طريقه بوضوح.

لم يصوت الناخب البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي دون أسباب متراكمة رغم ما هو معروف عن النزعة الانعزالية التقليدية لبريطانيا.

فهناك الركود الاقتصادي الذي يضرب أوروبا، والعبء الثقيل الذي القته الدول الأوروبية الفقيرة كاليونان على الاقتصاد الأوروبي، وعبء المهاجرين من دول أوروبا الشرقية، وما أحدثه فتح الحدود بين الدول الأوروبية من تسهيل لتدفق موجات غير مسبوقة من الهجرة غير الشرعية.

كما لا ينبغي أن نقلل من عامل آخر يتم طمسه باستمرار وهو السعي الأميركي لاضعاف الاتحاد الأوروبي وتهميشه كي لا يخرج المارد الأوروبي عن الهيمنة الأميركية.

سوف يلاحظ من يتتبع ردود الفعل الأميركية لخروج بريطانيا البرودة والارتياح الذي سيستقبل به الأميركيون ذلك الخبر السار.

لكن ماذا يعني ذلك لنا نحن العرب؟

من صالحنا نحن نشوء أقطاب سياسية واقتصادية متعددة، فذلك يخلق توازنا أفضل في السياسة العالمية، ويعطينا الفرصة للمناورة السياسية بين تلك الأقطاب، خاصة وأن زمن القطب الواحد الذي بشر به اليمين الأميركي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والذي اريد له أن يبدأ بغزو العراق قد انتهى الى غير رجعة، وبانتهائه دخل العالم في مرحلة انتقالية غير مستقرة مازالت براكينها تندفع واحدا بعد الآخر

من أجل ذلك ليس من صالحنا تفكك الاتحاد الأوروبي، وسيصب ذلك التفكك في طاحونة استعادة الهيمنة الأميركية جزئيا، وأيضا وللمفارقة في صالح روسيا التي تراهن اليوم على أن تكون القطب العالمي الثاني بعد الولايات المتحدة الأميركية.

يعطي الدرس الأوروبي مثالا حيا على أن طريق الوحدة يبقى وعرا وقابلا للانتكاس بدون ارادة سياسية واضحة، وأن توحيد الاقتصاد وحده ليس كافيا للوصول للاتحاد، أما ما يثير الجزع أكثر فهو أن يكون اتجاه العصر نحو تفكيك الاتحادات واستعادة الروابط القومية بل وما هو أقل منها.