'همس النوارس' .. وليالي الغربة البديلة

همسة في آذاننا

تطرق الكاتبة السودانية نعمات حمود في روايتها الأولي "همس النوارس" عالم الاغتراب والمغتربين، محملة بمضامين اجتماعية ورسائل إنسانية، أرادت أن تبوح بها عبر هذا الهمس الذي يضج بالأنين والشجن، همس ناعم عن الغربة، وعن الإنسان الذي يعاني ما يعاني ويواجه ما يواجه، لكنه يظل ابنًا وفيًا لبيئته، وللنشأة الأولى التي حفرت في الذاكرة، ورغم ذلك يستطيع بعزيمته أن يطوع المستحيلات.

• بنية السرد

بنية السرد في رواية "همس النوارس" بنية وصفية، سهلة ومباشرة، تحوي القليل من الرمزية التي تسعى لاستلهام الدلالة من وراء الألفاظ والمعاني الغامضة المتناثرة بين الشخصيات وأفعالها وتصرفاتها، كما يمتزج النسيج الفني في "همس النوارس" بغرائب وسمات اجتماعية متعددة، يحملها البشر معهم من بيئاتهم الثقافية والاجتماعية إلي أمكنة الاغتراب الجديدة في (دبي) .. حيث العمل والسكن في أروقتها، كما كان الحال في فنادق القاهرة والإسكندرية في روايات نجيب محفوظ، بل إن الغموض الكاشف والتقسيم الدال للأشخاص والحديث عنهم يستدعي في وميض خاطف أسلوب كتابة "ميرمار"، حتي نكاد نظن أن الأمر سوف يسير على هذه الوتيرة، ولكن لا .. هذا لأن "همس النوارس" عمل روائي يتضمن مفردات مثل تلك التي نراها في أعمال روائية معروفة مثل "الطريق المسدود" لإحسان عبدالقدوس، أستاذ الأجيال في فن كتابة القصة الاجتماعية التي تخترق العوالم المغلقة، أو الرحلة في رواية "موسم الهجرة إلي الشمال" للطيب صالح، أو الجد "الأسد" المسيطر على كل من حوله، الذي يذكرك بالسيد أحمد عبدالجواد لدي محفوظ.

ورغم أن كل تلك المفردات تستدعي للذاكرة صورا بعينها، فإننا نجد أن التشابه أو التناص يقف عند هذه العتبة الفنية ولا يتجاوزها، وأعتقد أن الكاتبة نعمات حمود قصدت تلك اللمحات الخاطفة لكي تعطي روايتها وأسلوبها الخاص شيئا من الزخرفة والحيوية التي لا غني عنها للقارئ حتى يكمل ما بدأته الكاتبة من قص، وهذا في ظني يشي بأمرين مهمين من زاوية الناقد الأول: أن القاصة ذات إطلاع وثقافة لغوية وأسلوبية عميقة، وسواء عندي أكانت مكتسبة أو أصيلة أو أن تكون موهبة تلقائية، فذلك أمر لا يحسمه الجدل حول هذه الرواية بل متابعتها في أعمال إبداعية أخرى قد تكون كاشفة؟

والأمر الثاني: أن الكاتبة تمتلك موهبة حقيقية في وضع الحكي أو القص في قالب روائي لطيف وليس خشنا، على الرغم من أن العمل يسرد تفاصيل مازالت حية وتجارب شخصية جدا، الأمر الذي يلفت الانتباه إلى قدرة فنية ومهارة واضحة في الصياغة والتعبير، قلما تجدهما في التجارب الإبداعية الأولى، فقد تخلصت الكاتبة إلى نحو الثلثين من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها معظم الأدباء الشباب مثل التكرار، المباشرة، الشطط، والتفرعات الزائدة ... الخ.

وهذان الأمران يشكلان إلى حد بعيد الروح السائدة في هذا العمل الروائي، وهما لا يصدران إلا عن تجربة متنامية قابلة للاستخدام والتأكيد؟

• النورس / رفيق الغربة

نعود إلي "همس النوارس" .. والنورس طائر عادة ما يصدر أصواتا تتجاوز أصداؤها الفضاء، يعيش بين البحر والبر والميناء .. ويظهر أن الكاتبة قصدت ذلك الطائر بالتحديد، بعدما أودعت نفسها داخل الطائرة التي تقلها إلي دبي "درة الخليج"، وكأنها تريد أن تتبع مسار الطيور المهاجرة والمحلية، وهي ترتحل حاملة حقيبتها المحشوة برائحة موطنها "السودان" إلى هناك، مسافرة لأول مرة في حياتها إلى سوق العمل، فتاة من أصل وفصل عريق، تربت بالقرب من ميناء بور سودان الذي أنشأه الاحتلال الانجليزي أبان حقبة الاستعمار، وبذلك ترسم لنا معالم الجو القصصي أو ملامح العالم الخيالي الذي يتماس مع الواقع الافتراضي لتلك المنطقة الجغرافية التي جاءت منها بطلة القصة.

وها نحن نلاقي المراكب النيلية والوابورات والبنطون جوارحي ومشرع البقاري، ثم تدخلنا بكل سلاسة إلى عالم نعمات حمود، فيصح لك الوقوف للحظات عند أبطالها الثانويين الذين يفتحون الطريق للبطلة الرئيسية الساردة / العالمة، حيث يقوم التمهيد القصصي بدوره بداية من عبارات الغزل والمجاملة – ست الناس، بت سيدي، الملكة – حتى تأثر الجد بالمستعمر الانجليزي في الفخامة واستخدام الطوب الأحمر والتربية والعادات، وهو الأمر الذي سيكون حاضرا في ذهن المتلقي حين يلم بكل تفاصيل الرواية، فما من هدف وراء العمل الإبداعي بتفاصيله المتعددة سوى الإمتاع والمؤانسة.

• شفرة النص

يجدر بنا هنا أن نتوقف قليلا عند ما يمكن أن نسميه بـ "رموز وشفرات" النص والتي تصطنعها الكاتبة في صبر وتؤده، وبالتحديد ذلك الرابط أو الحبل السري الذي تريده الكاتبة من همسات النوارس، حتي تنتهي من تشكيل الخيوط العامة إلى الخاصة بداية من العنوان الفرعي – زواج كعكية، ثم زواج الرحمة (ص 20)، كما أنها تغير الاسم من "سرة" إلى "سارة"، حينئذ ندرك أن التغير والتبدل رمز للمستقبل، فضلا عن توظيف الرؤية الحديثة التي أخذت الشابة سارة إيقاعاتها من الرموز المحيطة بها وحولتها لصالحها، وهي تجري لتصل إلى تحقيق ذاتها وقدرها في الدنيا.

تتجه الكاتبة، بعد ذلك، ساردة بشغف وعفوية ما وعته وحفظته ذاكرة البطلة عن أشكال وصور الشر لدى الآخرين، وهو ما أعطاها جرس إنذار مبكر تستخدمه في المواقف التي تتطلب منها ذلك، ولما كان قرار السفر والعمل في الخارج ليس سهلا لرجل .. فما بالنا بالنساء؟

ومن دون شك فإن الشكل التقليدي للرواية الواقعية تلك التي تتوافق مع مجتمعاتنا الشرقية ليس له محل هنا، فالتغير الاجتماعي الذي حل بالمجتمعات العربية بعد تدفق أموال النفط وانتقال مراكز العمل والأسواق إلى أطرافها، مما جعلها تنهض وتصوغ قوانينها الاستثمارية (أكثر من مئتي جنسية مختلفة .. ص 54)، هذه اللحظات الحضارية لم تجد أحدا يسجلها اجتماعيا ولا مسها اقتصاديا وسياسيا، وبالتالي فإن نعمات حمود خلصت إلى تجربتها الروائية، مركزة أو جاعلة محور فكرتها انطلاقا من مجتمع العاملات والموظفات الآتيات من بلدانهن مثلهن مثل الرجال، يحاولن تكوين أنفسهن للزواج وبناء أسرة ... عازبات تماما، لهن أخلاق معقولة، ولسن بخلفيات منحلة أو ضائعة، ولا يصح لهن ذلك .. متغيرات تبعا لديناميكية المجتمعات التي تحتضن هذا النوع من العمالة، وتسمح قوانينها بحرية الحركة والعمل، ليست انغلاقية بصورة تامة.

على هذا النحو إذن يتضح الهدف من عملية نقل أو تصوير مجتمع العاملات في الرواية، واللاتي يسكن مع بعضهن البعض. من تعول أطفال، ومن لازالت تبحث عن زوج، ومن تصدق أن نصيبها سيأتيها في غربتها تلك، والكاتبة في ذلك الرصد تحاول قدر الإمكان تجهيل الأسماء وتنكيرها ليس بغرض الاحتقار أو التهميش بقدر ما في طباعها وثقافتها التقليدية من حرمة للحياة الخاصة، وهو ما يدفعنا إلى الشك في مدى خيالية تلك الأحداث، بل والاعتقاد بأن بعض التفاصيل الواردة في الرواية هي وقائع شهدتها الكاتبة أو عاصرتها، وتعرف بالقطع من تتحدث عنهم / أو عنهن من شخوص روايتها، وبالتالي يبدو أن إغفال ذكر الأسماء لم يكن خيارا حصيفا، إذ أن إعطاء أسماء بديلة ليس سترا علي الدوام! بل ربما يكون كشفا يتجاوز منظومة التضاد والثنائيات.

• ذروة الحكي

وتتصاعد ذروة الحكي وبنيته الدرامية كلما وجهت الساردة بصرها بعيدا عن ذاتها، فهناك مثلا شخصيات قهرتها ظروف بلدانها، وجاءت إلى دبي للعمل بلا محرم ولا رعاية، نساء مكافحات، بعضهن عطلا من الأنوثة أصلا، أو أخريات لسن جاذبات للأعين أو الشهوات، وطريقتهن لا تسمح بذلك النوع من العلاقات، إنهن يضربن كل ثوابت القصص الدرامية المؤلفة والخيالية، وذلك لأن الموضوع في دنيا الواقع يختلف بشدة، فكل واحدة منهن (بنت ناس ص 68)، تاهت بعضهن، وضلت أخريات .. لكن هناك من ارتقين وأثبتن أنفسهن، بالعمل والسعي دون حامي أو راعي.

وقد لا ينظر البعض لذلك الأمر بأنه شيء مهم أو جيد دراميا، ولكن الكاتبة تمجده عبر رضا بطلتها سارة عن نفسها، وإيمانها بمستقبلها وبما أحدثته من تحولات فيه، أغناها عن أن تكون في علاقة زوجية غير منصفة، أو سيدة الدار التي طلقت بعد عشرين عاما من العشرة بلا مبرر معقول، إذن فالحرية والتفرد والمبادرة وتجربة الخروج إلى سوق العمل ليست تمردا على الأخلاق والأعراف بقدر ما هي تجربة صمود لذلك الموروث الثقافي والأخلاقي عند التجربة الحية، والاحتكاك الفعلي وبيان مدى فعاليته حقا وصدقا، فالمبادئ لا قيمة لها إلا حين تختبر ويؤمن بها الآخرون، بل ويتخذونها عملا ومنهاجا في حياتهم الخاصة، ومرشدا في الملمات من الشدائد.

المهم أن الكاتبة نعمات حمود عملت على بلورة هذا الطرح معلية من قيمة أخلاق الفرد في مقابل نظام القطيع ومشكلات الحياة اليومية الصعبة، فأطاحت بهدوء بكل تفاهات الموروثات وقيودها من أول فكرة الطهارة والختان إلى الرجل ناقص الرجولة في أفعاله وتصرفاته سواء ما عاصرته في عملها أو ما شهدته في بداياتها، وحتى فكرة العدل والحرص عليه بين النساء، وكيف أنها قبلت ذلك دون تعقيب جارح فاضح على أساس نسبية كل ذلك، فإذا كان الواقع يتحمل هذه المرونة ... فعلام التشدد إذن؟ بل وكيف يستقيم ذلك في أمور ولا يكون في أمور مثلها، تلك كانت تجربة منفى عمل اختياري ورحيل إلى مرافئ بعيدة، فيها قوانين جديدة قد لا تكون ممتازة ولا مثالية، ولكنها أكثر مرونة وتسمح بالعيش، وتعد بإعطاء الفرصة لو أحسنتم القياس، وفرد الأجنحة للطيران بحرية الشراعي المنزلق على سطح الماء..؟!

إنها همسة في آذاننا من لون "نعمات حمود" الروائية الصاعدة، والتي تهوى الخط القصير المنمق والأبيض الممزوج بالأسود، همسة يأتي بها طائر أبيض شفاف بمنقار معقوف يدعى النورس صديق البحار ومستوطن كل ميناء يعرج إليه الرحالة ... وما أكثرهم.