هموم المواطن العربي تشغل أولى عروض مهرجان المسرح العربي

عروض المهرجان تتوقف أمام ما يعانيه المواطن العربي من قمع وطغيان يؤثران سلبا على توقه إلى الاستقرار المجتمعي والسلام الروحي.


مجد القصص توضح أن ما يستفزها في أي نص تقدمه هو اهتمامه ومناقشته لقضايا مهمة من وجهة نظرها وتأتي على رأسها قضية الحرية


أجواء "صبح ومسا" تدور حول امرأة تلتقي صدفة برجل، ولا يعرف أي منهما لماذا جاء الآخر إلى ذات المكان

انطلقت عروض الأعمال المسرحية العربية بين مسارح الهناجر والجمهورية والقومي في إطار مهرجان المسرح العربي في دورته الـ 11 التي تقام بالقاهرة في الفترة ما بين 10 إلى 16 يناير/كانون الثاني الجاري، حيث قدمت مسرحيات "مسافر ليل" و"الطوق والاسورة" و"النافذة" و"المعجنة" و"صباح ومساء" و"شابكة"، والتي عالجت قضايا وهموم تواجه المجتمع العربي في راهنه الحالي، وتوقفت أمام ما يعانيه المواطن العربي من قمع وطغيان يؤثران سلبا على توقه إلى الاستقرار المجتمعي والسلام الروحي له.
مسافر ليل
بدأت العروض بمسرحية "مسافر ليل" المأخوذة عن نص الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، وأخرجه محمود فؤاد صدقي الذي قدم عرضا شعريا كوميديا كاشفا الوجه القبيح للقمع والطغيان الذي يخرج من عباءة عامل التذاكر، حين يتسلط على المواطن البسيط ويدخله في حالة من الرهاب والذعر. 
ولفت المخرج محمود فؤاد أن مسافر ليل نص ثري ويحمل الكثير من الدلالات، وقد استغرق البحث والدراسة حول النص وما كتب عنه أكثر من عامين اطلعت خلالها على تجارب الآخرين الذين قدموه قبلي. وأضاف إنه يحب الفضاءات غير التقليدية بعيدا عن العلبة الإيطالية، ولذلك استقر على الخروج إلى ساحة الهناجر الخارجية لبناء عربة قطار كاملة وتجهيزها بمعدات الصوت والإضاءة لتكون صالحة لتقديم الحدث الذي يدور بداخل عربة قطار.

الطوق والأسورة
أما عرض "الطوق والإسورة" المأخوذ عن رواية يحيى الطاهر عبدالله وإخراج ناصر عبدالمنعم، والذي أنتج مسرحيا وسينمائيا من قبل، قدم المرأة الصعيدية كنموذج للمرأة المقهورة من قبل السلطة الذكورية، كاشفا عن أن الموروث الثقافي الشعبي ليس كله إيجابيا إنما يحتوي أيضا على سلبيات لا بد من مواجهتها ومناقشتها والتفكير في سبل حلها، وقد تجسد ذلك في العرض من خلال شخصية حزينة تدير حياتها بالحيل والخداع حتى تستطيع العيش في المجتمع المحافظ للصعيد الجواني.
وقد رأى المخرج ناصر عبدالمنعم أن العرض يعد تجربة ذاتية له وإعادة عرضها يضعه في حنين شديد لاجترار ذكريات عديدة ما بين زمني إنتاج العرض في الماضي والحاضر، وأن ظل اختلاف شروط التلقي وطبيعة الجمهور أوجب التركيز على اللحظة الراهنة حتى لا نفقد التواصل المطلوب. 
وتابع أن العرض يطرح تلك المقابلات ما بين الماضي والحاضر من خلال السينوغرافيا حيث تتجاور المعابد الفرعونية الضخمة بجلالها ورونقها مع بيت شخصية حزينة الفقير فقرا مدقعا في شكل مقابلة ما بين ماذا كنا وإلى أين وصلنا، بينما يقبع الجمهور ما بين الزمنين في منطقة التجسيد للحدث حتى نورطه في مساءلة التفكير في الحالة المزرية التي وصلنا اليها.
النافذة
العرض الثالث كان الأردني "النافذة" تأليف مجد حميد وإخراج مجد القصص، ودار حول شخص يتم التحقيق معه دون سبب معروف، وخلال التحقيق يبدأ وعيه في التداعي فيتذكر أمه، وأخاه الشهيد، وغير ذلك من الأشياء الحميمة بالنسبة له، وذلك في حضور محقق يحمل الكثير من الوجوه السلطوية، ويضغط بقوه من خلال هذه السلطوية على ذاكرة الرجل، لنرى وجها آخر من القهر عليه.
قالت المخرجة الأردنية مجد القصص أن ما يستفزها في أي نص تقدمه هو اهتمامه ومناقشته لقضايا مهمة من وجهة نظرها وتأتي على رأسها قضية الحرية، وقضية المرأة ولكن عندما تتحول المرأة إلى وطن وإلى حرية، حيث لا يعنيها تناول قضيتها من منظور نسوي ذكوري أو ما شابه ذلك، مشددة على ضرورة أن يتم النظر إلى كل القضايا من منظور أشمل. وأن أكثر ما أعجبها في النص هو تجاوزه الهم المحلي، إلى مناقشة والتصدي لهم العربي الأوسع. 

في مهرجان المسرح العربي
الطوق والأسورة

وقالت "إذا كانت أحداث النص تدور في العراق فإنها تتشابه وتتسق تماما مع ما يحدث في كل بلادنا العربية". 
وكانت القصص قد استخدمت لعبة الشطرنج أشار إليها المؤلف في نصه، "رسمت قطع شطرنجية كبيرة على الخشبة، فيما نقلت من خلال الشاشة صورة للعالم كله وهو يلعب هذه اللعبة، وبيما يتم قتل جندي على الأرض فإن العالم كله يقتل الآلاف على الشاشة، وقد تحول العالم إلى قطع شطرنجية، نُقتل عليها كل يوم من الخارج والداخل". 
المعجنة 
وفي "المعجنة" كسر المخرج أحمد رجب تقاليد المسرح القومي حيث عرض على خشبته مؤكدا أنه يؤمن تماما بقدسية الإنسان على حساب قدسية المكان، وهذه بالمناسبة رسالة العرض التي أريد تقديمها، فمن خلال تلك الأسرة الصغيرة التي تمثل في رمزيتها الوطن بكامل فئاته وطوائفه المختلفة التي يدور الصراع فيما بينها حول أحقية كل فرد منهم في امتلاك الكنز دون اعتبار أي وجود للآخر، رغم أن الكنز نفسه لا يظهر إلا عند تكاتف الجميع من أجل الحفاظ عليه. ومن هنا كان اختياري أيضا لتقديم العرض على خشبة القومي حيث يجب أن يقدم القومي أيضا العروض الجديدة في أفكارها وجرأتها وهذا لا ينفي أبدا إقامة عروض كلاسيكية ولكن يجب أن نطير بالجناحين معا.
وأكد رجب أن د. سامح مهران مؤلف المسرحية كان من المرونة بمكان في التعامل معه ما ساعد على خروج العرض بالصورة التي حلم بها. وتابع أن العرض يطرح التفكك الأسري في المجتمع والتشوهات الأخلاقية التي أصابت المجتمع بعد ثورة 25 يناير حتى بات تدني الأخلاق هو السمة الأساسية التي تسري في أوصال المجتمع الأمر الذي مسخ الجميع وجردهم من إنسانيتهم، بل إن الأمر امتد إلى صناع العرض نفسه الذين عانوا من تلك الحرب التي تعرضوا لها، وأردنا في النهاية أن تظل الحكاية قائمة مع خلال التأكيد على فكرة المدد المتمثل في الانسان، وهو ما رسخناه في نهاية العرض.
صباح ومسا
قال الكاتب والمخرج المسرحي غنام غنام أنه تابع لسنوات نشاط فرقة "دوزتمسرح" ونسقها الفكري وتجاربها المختلفة، وعندما طلب منه المخرج المغربي عبدالجبار الخمران تقديم نصه "صباح ومسا" قبل عامين وافق بسرعة قائلا له "هذا النص نصك". 
وأضاف أن النص مكتوب عام 1996، أي قبل 22 عاما. كتبته لأعلن موقفي تجاه كثير من ثوابتنا الإجتماعية، فأنا تربية مدارس التمرد، ورفض التبعية للمستقر والراسخ من الأفكار، تربية مدارس النقد النقض. وهذا النص كان صرختي في وجه مجتمع يحمل الكثير من القيم المتخلفة، الرثة، ومن هنا كتبت عن لقاء صدفوي بين شخصين كل منهما قادم من عالم.
أجواء العمل تدور حول امرأة تلتقي صدفة برجل، ولا يعرف أي منهما لماذا جاء الآخر إلى ذات المكان، وسرعان ما تتوطد بينهما العلاقة، خاصة أنهما يكتشفان بأنهما على معرفة قديمة ببعضهما، لكن مجريات الحدث تكشف لنا عدم صحة ذلك، وتكشف أيضاً أنهما قد وقعا بالحب، وتستكمل المجريات لنعرف منها أن كلاً منهما يحمل تاريخاً شخصياً غير الذي عرفناه، فهي قد أنهت للتو محكومية بالسجن 15 عاماً بتهمة قتل، وهو هارب من مستشفى الأمراض النفسية.
والمسرحية تكشف بعض الجوانب الانسانية العميقة في النفس البشرية لاسيما الازمة التي يعاني منها الانسان المعاصر والتي تجعله في حالة فصام دائم نتيجة للظروف المعيشية الصعبة وحالات أخرى من كبت للحرية وغياب أي أفق للخلاص.
وفي إجابته عن سؤال لماذا تجريد الزمان والمكان وهل ستختلف رؤيتك إذا قدمت النص نفسه الآن عن رؤية عبدالجبار قال غنام: عندما كتبت النص عام 96 كان اسمه "امرأة وخمس دمي" وقدمته مخرجا بممثلتين اثنتين وحقق صدى طيبا في الأردن وفي عدة دول عربية. وفي 2009 عندما أعدت عرضه بناء علي اقتراح من أسما مصطفي وجدتني أعيد النص للحياة عبر التغيير الجغرافي، فنقلت الحدث من أعلى الجسر إلى أسفله وجعلت الجسر تحت الإنشاء، وبالتالي امتلأ الجسر بحكايات أخرى دون أن أغير حرفا واحدا وأنا أحب نصوصي وأسكب فيها الكثير من روحي، وأعتبر انتزاع جملة منها بمثابة انتزاع ذراع مني وتركي بذراع واحدة.

شابكة
ويحكي العرض المغربي "شابكة" الذي قدمته فرقة شباب مدينة بني ملال، للكاتب المغربي د. عبدالكريم برشيد وإخراج أمين ناسور عن أسرة تتكون من ثلاثة أفراد، وهم: الأب، موظف متقاعد منهك من متاعب الحياة، يلتمس الخلاص من أوضاعه المزرية بكل الوسائل، حتى وإن كان على حساب كرامته، والأم المعلمة المتقاعدة، وهي سيدة متطبعة بصفات المربية الفاضلة، تعيش على المبادئ، ولا تقبل أن تساوم في ذلك مقابل المال، ثم شخصية سلطان الابن الثوري الذي يتلون بتغير الأوضاع والمواقف، وشخصيته تركيبة من مواصفات والديه. وتعيش هذه الشخصيات على صراعاتها الروتينية، في سخرية من الحياة، بين متشبث بالمبادئ ومتطلع لحياة أفضل مهما كلف ذلك، وبالموازاة من ذلك نجد شخصية الراديو حاضرة بقوة في نسق الدراماتورجي للعرض، فثارة يعلق على الوقائع، وثارة أخرى يوجهها.
وقد أثنى د. عبدالكريم برشيد مؤلف العرض على المخرج مؤكدا أن للمخرج ثقافته ووعيه الكبير فى تقديم العمل، فالرؤى الفنية للنص توحدت وانصهرت فى بوتقة واحدة ليخرج العرض فى صورة مرضية جدا لجميع الاطراف.
ورأى مخرج العرض أمين ناسور أن عمله الفنى يعبر عن طموحات وأحلام ومشكلات الشباب ويطرح إضاءات على الواقع المغربي في لحظته الراهنة. وتابع أن المسرح سيبقى دوما كونيا وعالميا في موضوعاته وتيماته ولكن طريقة تناولها والرؤى الفنية هي التي تضفى عليها ملمح المحلية.
 ذاكرة قصيرة 
وتمحورت أحداث العرض التونسي "ذاكرة قصيرة" تأليف وإخراج وحيد العجمي بين أكتوبر 2008 وأكتوبر 2016، حول رحلة عائلة ووطَن، حاول من خلالها المخرج في 75 دقيقة استعراض ما حدث في السنوات الثمانية الماضية، ليقدم عملا رائعا بأسلوب ساخر، حيث يعود بذاكرته إلى حقبات دولة ما بعد الاستقلال التونسي مرورا بنظام زين العابدين بن علي وصولا إلى الإطاحة به وقيام ثورة 14 يناير 2011 والأحداث التي تلتها. معتمدا تقنية "الفلاش باك". كاشفا عن الصراع السياسي والايديولوجي الذي عمّق من الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وزاد أيضا من احتدام النقاش السياسي وكذلك النقاش العام في مسائل جانبية لا تهمّ القضايا المركزية والأساسية للشعب التونسي. 
وقال العجمي في المؤتمر الصحفي للعرض والذي حضره من فريق العرض الممثلة لبنى نعمان، والممثل ربيع إبراهيم، إنه لا يفصل في عمله بين أدوار المؤلف والمعد والدراماتورج وأنه وفقا للصيغة غير الكلاسيكية التي يعمل بها فإن هذه الأدوار غير قابلة للفصل. وشدد على أن عملية التأليف هي عملية مستمرة، على خلاف الطريقة الكلاسيكية التي يمكن الفصل فيها بين التأليف والعناصر المسرحية الأخرى.