هندسة الأصوات في رواية سعد سعيد

رواية "صوت خافت جدا" تصور معاناة الشارع العراقي من القلق والخوف والفقر والقتل والحالة غير المستقرة للبلاد بشكل عام.


الرواية تصور حالة شائعة للعراقيين بحيث يبدؤون عيدهم بالبكاء على القبور


الرواية تبدأ بـ "صوت خافت جدا"ً، صوت الحروف

آشتي كمال

فضاء الرواية
لو تعمقنا في فضاء الرواية وتفاصيلها سنلاحظ أن القصة الرئيسة هي قصة العلاقة التي ولدت ما بين "سفانة" و"الدكتور فارس"، تطورت هذه العلاقة بعد اللقاءات المتكررة إلى أن عملت "سفانة" كسكرتيرة في عيادته وأحبت الشخصية الشاذة "فارس"، لكن القدر لم يكن لطيفاً مع هذا الحب إلى أن هاجرت "سفانة" بلدها، ومع ذلك لم تفقد الأمل بالعودة إلى وطنها كما تقول في رسالتها "فأنت الشخص الوحيد في العالم الذي يمكنه أن يعيدني إلى العراق بإشارة واحدة منه.. لأنني مازلتُ أحبك يا فارس"، فلو كان العراق وطنها الأول، فقلب "فارس" وطنها الآخر، فالعودة إلى الوطن مرتبطة بقلب المحب، أي بينهما علاقة تكاملية.
أما القصص الخارجية فتتعلق بواقع العراق، أي لقصة "سفانة" والدكتور إطار قصصي أكبر يتعلق بالواقع العراقي، قصصٌ تصور معاناة الشارع العراقي من القلق والخوف والفقر والقتل والحالة غير المستقرة للبلاد بشكل عام، نستطيع أن نقول فضاء الرواية قصة داخل قصص كثيرة، ومن تلك القصص الواقعية: "ألا ترين حال العراقيين، فهم يرون في الحزن جمالاً باهراً! (ولچ حتى عيدهم يبدي بالمقابر!).. هل سمعت يوماً بشيء كهذا؟.. أعياد تبدأ من البكاء على القبور؟!"، تصوير حالة شائعة للعراقيين بحيث يبدؤون عيدهم بالبكاء على القبور، ففي كل بيت فقيد وشهيد بسبب الأوضاع السائدة في البلاد، غير أن العراقي لو أراد التعبير عن أفراحه الكبيرة ستكون لغة ذلك التعبير البكاء فرحاً، أي في الأحزان والأفراح يبكي! 
وقد جاء في مثال آخر حيث يصور لنا نفسية فارس "ما إن رأى ذلك الحشد الهائل الموزع في حدائق ذلك المبنى التاريخي، حتى أضاف.. ستكون كارثة إن حدث هنا عمل إرهابي.. عادت به الذاكرة إلى عام ٢٠٠٧ حين وقف عند آثار التفجير الذي تعرض له الشارع وخلّف عشرات الضحايا، فقال لنفسه مرة أخرى.. ستكون الكارثة أكبر بكثير الآن نظراً لهذا العدد الهائل من البشر نسبة إلى ذلك الوقت"، أي حتى في الأوقات التي يعمّ السكون أرجاء الوطن يتوقع الفرد العراقي وقوع الكوارث، وفي مثال آخر، الحوار الخارجي الذي دار بين النقيب وفارس قال "تتظاهرون ضد الحكومة"، وكأن التظاهر ضد الحكومة جريمة ما بعدها جريمة يُحاسب عليها الإنسان بسبب طلب أولى احتياجاته البسيطة!

سعد سعيد برغم أنه عمل على تعدد الأبعاد في روايته كالبعد التاريخي والاجتماعي والسياسي، لكنه ركز تركيزاً كبيراً على البعد الثقافي من بداية الرواية حتى نهايتها

مدلول عام للعنوان
صوتها خافت جداً، لأن حينما تُحَدّث "سفانةُ" "فضيلة" فكأنها تحدث نفسها فقط برغم ثرثرتها الدائمة لــ "فضيلة"، لكن هي تبقى شخصية غائبة عن حياتها، وصوتها عالٍ جدا، فهي عندما تُحَدّث "فضيلة" فكأنها تحدث العالم أجمع.
تبدأ الرواية بـ "صوت خافت جدا"ً، صوت الحروف لا المكالمات، حيث تبدأ "سفانة" بكتابة رسالة طويلة لفارس بعد سفرها، كان بإمكانها أن تكلمه لكنها لم تفعل ليكون حقاً الصوت خافتا جداً.
مدلول خاص للعنوان
في الرواية نُلاحظ في أكثر من موضع مجيء العنوان أو ما يوحي له بدلالات مختلفة كما في هذه الأمثلة: "حينها رفعت يدها الممسكة بالنقود وصاحت: نئيييييييم"، ولمعرفة معناها نستمر في الحوار إلى أن نجدها عند الدكتور: طبعا.. هو الصوت الضعيف الخفي.. وهو كالأنين قالت حينها وهي تكاد تبكي بسبب ضغط الذكريات التي انتابتها: على كل حال، حياتنا كانت أنيناً متواصلاً"، "كركرت بصوت خافت، ثم قال: أصدقك تماماً، فأنت تختلف عنهم"، في العيادة: "كتبت سفانا اسمها ورقم موبايلها على قصاصة ورق وهَبّت إلى حيث كانت بشرى جالسة، لتقول لها بصوت خافت لا يسمعه غيرها". وفي كلام الدكتور: "لا بأس يا سفانة.. كنتِ غاضبة وحين الغضب يخفت صوت العقل"، نلاحظ أحياناً هندسة توازنية ما بين الأصوات، فلو كان صوتاً عالياً يردّ الآخر بصوت خافت والعكس صحيح، ولنا مثال في الرواية: "فصاحت: ولكن مستحيل أن أقبل، فردّ بهدوء وتصميم: أخبرتك.. ليس من حقك أن ترفضي.. ألا تريدين إنقاذ سلواك؟".
نسق الرواية والراوي
تبدأ الرواية بالنسق الدائري حيث تبدأ من خاتمة الأحداث في رسالة "سفانة" للدكتور بعد سفرها، حيث كتبت فيها اعتذار عن غيابها وأخبارها بصوت خافت، ثم تعود بنا الأحداث إلى الوراء من نقطة بداية سرد الأحداث، وهذه الطريقة لم تقتل الإثارة والتشويق لدى القارئ بل حثّته على متابعة الأحداث، ولأنه لا يأتي النسق الدائري غالباً وحده في الروايات بل يتشارك مع أنساق أخرى بعكس بعض الأنساق الأخرى التي قد ترد وحدها، فشاركه نسق التتابع لمتابعة الأحداث جزءاً بعد جزء إلى أن وصل لخاتمة الأحداث.  

رواية عراقية
تقنيات متنوعة وطريقته مشوقة

 في الرواية نلاحظ الراوي بشكلين:
1-  الراوي العليم: أو كما سماه الناقد جون بويون الرؤية من الخلف (إذ يكون الراوي هنا كلّي العلم بالأحداث ودواخل الشخصيات والانفعالات، لا يغيب عنه أصغر الأمور والتفاصيل) كما في المثال: "بدت شوارع بغداد فجأة كأنها شوارع مدينة منكوبة هبّ سكانها للفرار، فاختنقت شوارعها".
2-  الرؤية مع أو المصاحبة: شخصية تنوب عن الراوي وتقوم بسرد الأحداث من منظورها الخاص والاستعانة بضمير المتكلم الأنا كما نلاحظ في جزء كبير من الرواية ترويه "سفانة" وذلك عن طريق حواراتها مع الشخصية الحاضرة الغائبة "فضيلة" التي كان لها حيز كبير في اهتمام سعد سعيد، فلو أردنا تعليل عامية أغلب هذا الجزء فنقول: "أقرب لغة لذات الإنسان لغته الطبيعية، ما يولد وينطق بها، أي اللغة العادية، فالإنسان لا يُكَلِّم نفسه بلغة فصيحة معقدة"، ربما هذا السبب وراء اختيار اللغة العامية الدارجة لشخصية "سفانة" وكلامها الموجّه لــ "فضيلة"، فهي حينما تكلم فضيلة لا تكلم إلا نفسها، على سبيل المثال حينما يقترح الدكتور على "سفانة" لقاء فهي لا تجيبه فوراً، بل توجّه رسالة لفضيلة وكأنها حاضرة وتراها "سمعتي فضيلة؟ يريد لقاءً، هل أرفض؟.. وهل أجرؤ؟!"، فسفانة تارة تنقل لفضيلة أدقّ التفاصيل، وتارة تفضفض لها، وتارة تطلب مساعدتها حتى في الأمور التي لا تخصّ حياتها كما في المثال "لچ فضولة، شلون شسوي؟ كيف أتصرف وكأن الأمر لا يعنيني، هي سمعة امرأة على المحك.. نعم أعرف بأن الأمر قد يسبب لي مشاكل، ولكنني لا أستطيع إلا أن أتصرف.. أرجوك ساعديني في اتخاذ القرار.. ولكن حتى إن قررت، فما بوسعي أن أفعل وزوجها معها؟!".
سعد سعيد برغم أنه عمل على تعدد الأبعاد في روايته كالبعد التاريخي والاجتماعي والسياسي، لكنه ركز تركيزاً كبيراً على البعد الثقافي من بداية الرواية حتى نهايتها، بدأت لقاءات "سفانة" و"فارس" لقاءات ثقافية حيث جمعهما شارع المتنبي ونقاشات حول الكتب، غير أنه طرح بعض المشاكل التي يعاني منها الشارع العراقي الثقافي بطريقة غير مباشرة كما في كلام "سفانة" لــ "فضيلة": "ما عرفتي يا فضيلة، مو قررت أألف كتاب.. نعم حبيبتي، سأؤلف كتاباً عن حبيبي.. آه لا.. لا تهتمي لهذا، فقد تغير الزمان وأصبح كل المطلوب الآن هو أن تمتلكي مبلغ الطبع لتنشري ما تشائين.. الموهبة أصبحت فكرة قديمة تنتمي لزمن آخر، الآن جيبي فلوس وحمّلي كتب".
برغم أن صوت "سفانة" لـ "فضيلة" كان خافتاً جداً لدرجة لم يصلها، لكن الصوت وصل لقرّاء الرواية أعلى ما يكون بتقنيات سعد سعيد المتنوعة وطريقته المشوقة.