هُدن بلا سلام.. لماذا تتهاوى صفقات ترامب في الشرق الأوسط؟
واشنطن - لم تنجح هدن وقف إطلاق النار التي رعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقف الحروب في الشرق الأوسط، فبعد أشهر من إعلان تفاهمات يفترض أن تنهي القتال في غزة ولبنان وتطوي صفحة المواجهة بين واشنطن وطهران، لا يزال التصعيد قائما، في مشهد يعكس عجز الدبلوماسية الأميركية حتى الآن عن فرض سلام مستدام.
واستهدفت غارات غزة ولبنان، مع استمرار الانتشار النشط للقوات الإسرائيلية في القطاع والجنوب اللبناني. وضربت صواريخ جماعة حزب الله شمال إسرائيل، وشنت إيران هجمات على مطار الكويت الدولي.
ودفع استمرار العنف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التعليق يوم الأربعاء حين قال إن وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط "أكثر اعتدالا" وليس وقف القتال بشكل كامل.
وكان من المفترض أن تؤدي ثلاث هدن تفاوضت عليها إدارته إلى وقف الحرب، لكن لا تزال القذائف تتساقط والناس يموتون، وإن كانت قد تراجعت حدة القتال بشكل كبير. وهكذا تسير الأمور في وضع هدنة معلنة وقتال مستمر.
ما الوضع بالنسبة لهدنة غزة؟
توسطت الولايات المتحدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، مما أدى إلى إنهاء الحرب الكبرى.
وتضمن الاتفاق وضع نهاية لجميع الأعمال القتالية، وإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين المتبقين في غزة والإفراج عن سجناء فلسطينيين، وانسحابا إسرائيليا على مراحل، فضلا عن زيادة المساعدات، وفتح معبر رفح بين غزة ومصر.
وكان من المفترض أن تتضمن خطة ترامب لتعزيز وقف إطلاق النار اتفاقات بشأن نزع سلاح حماس، وتشكيل حكومة جديدة في غزة دون مشاركة الحركة، وإعادة إعمار القطاع، والانسحاب الإسرائيلي الكامل منه. ومع ذلك، وبالرغم من إطلاق سراح جميع الرهائن، يتنازع الطرفان حول حجم المساعدات التي تسمح إسرائيل بدخولها. ولا توافق حماس على نزع سلاحها. ولم تبدأ أي عملية تذكر لإعادة الإعمار، وتوسع الدولة العرية مساحة الأراضي التي تسيطر عليها.
واستمرت الغارات الجوية الإسرائيلية على غزة، مما أسفر عن مقتل أكثر من 900 فلسطيني منذ بداية الهدنة، من بينهم تسعة يوم الخميس. وأسفرت هجمات متفرقة شنتها الجماعات المسلحة الفلسطينية عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين في غزة.
لماذا لا تزال الحرب مشتعلة في لبنان؟
بعد القتال في عام 2024، لم يطبق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله اللبناني المدعوم من إيران إلا بصورة جزئية، واتهم كل طرف الآخر بانتهاكاته.
واشتعلت الحرب المفتوحة مرة أخرى في مارس/آذار بعد اندلاع الحرب على إيران، إذ أطلقت الجماعة الشيعية النار على إسرائيل واستولت القوات الإسرائيلية على أجزاء من جنوب لبنان وقصفت مناطق أخرى بغارات جوية.
وأعلن ترامب وقفا لإطلاق النار لمدة 10 أيام في لبنان في 16 أبريل/نيسان بعد اتصالات نادرة بين ممثلي الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية. واستمر القتال العنيف في الجنوب، لكن تل أبيب امتنعت إلى حد كبير عن ضرب بيروت.
وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل مئات الأشخاص، مما رفع العدد الإجمالي للقتلى إلى أكثر من 3500 منذ الثاني من مارس/آذار، وفقا للسلطات اللبنانية، التي لا تميز بياناتها بين المدنيين والمقاتلين. وتقول إسرائيل إن 26 من جنودها وأربعة مدنيين قتلوا في هجمات حزب الله.
وتشترط إيران أن يكون وقف إطلاق النار في لبنان جزءا من أي اتفاق ينهي حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ويعيد فتح مضيق هرمز. وأعلن ترامب يوم الأربعاء أن لبنان وإسرائيل اتفقا على تنفيذ وقف إطلاق نار جديد بشرط انسحاب حزب الله من المناطق الجنوبية. وتقول تل أبيب إنها لا تزال قادرة على شن عمليات عسكرية رغم الاتفاق، في حين رفضت الجماعة الهدنة. ولا يزال القتال مستمرا.
هل تثبّت واشنطن وطهران وقف إطلاق النار بينهما؟
هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل طهران في 28 فبراير/شباط، بهدف تدمير برنامجها النووي وبرنامجها للصواريخ الباليستية. وعبرا كذلك عن أملهما في الإطاحة بحكم رجال الدين في طهران.
وجاءت الهجمات بعد حرب استمرت 12 يوما في العام الماضي، قصفت خلالها إسرائيل عددا من المنشآت النووية واستهدفت قادة عسكريين إيرانيين، وانضمت إليها الولايات المتحدة لاحقا.
ورغم مقتل عدد كبير من أبرز القادة والزعماء في إيران، تمكنت الأخيرة من إغلاق هرمز، مما أدى إلى حبس صادرات الطاقة من الخليج وألحق أضرارا بالاقتصاد العالمي.
وأعلنت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار مع الجمهورية الإسلامية في أوائل أبريل/نيسان، على أن تتبع ذلك محادثات حول إنهاء دائم للأعمال القتالية، وإعادة فتح الممر الحيوي، وإنهاء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، وفتح طريق للمفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.
وانقضت جولات متكررة من المحادثات غير المباشرة بوساطة باكستان وقطر، ولم يتم التوصل إلى اتفاق شامل حتى الآن. وفي حالة التوصل لاتفاق فمن المرجح أن يؤدي إلى تأجيل المفاوضات بشأن القضية النووية إلى مرحلة لاحقة. وفي غضون ذلك، تبادل الطرفان إطلاق النار مرارا، واستهدفت إيران أيضا دول الخليج، بما في ذلك الكويت، هذا الأسبوع.
ما أسباب الفشل؟
فشلت الاتفاقات الثلاثة بجملتها في مراحلها الأولى، ولم تفض الترتيبات المؤقتة إلى تقدم نحو وقف أكثر استدامة لإطلاق النار. وفي كل حالة، لم يكن المتحاربون مستعدين لقبول التنازلات المؤلمة المطلوبة لتجاوز المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار. وفي بعض الأحيان، لجأوا إلى العمل العسكري لمحاولة تحقيق الأهداف التي اضطروا إلى تنحيتها جانبا عند الاتفاق على وقف إطلاق النار، أو سعيا لاختبار حدود الاتفاقات.
وقال أوربان كونينغهام، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، "في غياب أي تحرك ومع انغلاق الأفق السياسي، يصعب للغاية الحفاظ على وقف إطلاق النار، إذ لا يوجد حافز حقيقي لأطراف الهدنة لمواصلة الالتزام بها، إذا كانت لا تؤدي إلى أي تغيير حقيقي"، مضيفا أن تراجع نفوذ المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وتزايد النزعة لدى القوى الإقليمية لفرض شخصيتها هي أمور تزيد من صعوبة التمسك بالاتفاقات طويلة الأمد.