وائل فاروق: أخوان الصفا لم يمزجوا الإسلام بغيره 

أستاذ الأدب العربي بالجامعة الكاثوليكية بميلانو يؤكد أن أخوان الصفاء أقاموا علاقة جيرة واقعية بين الإسلام وبين غيره من الأديان والمذاهب التوحيدية والوثنية.


غياب المؤلف في نص رسائل أخوان الصفا هو العلاقة المميزة لخطاب النص والمشكلة له


وائل فاروق يعارض تعريف محمد عابد الجابري للتراث بأنه "الموتى الأحياء فينا"

يبدأ أستاذ الأدب العربي بالجامعة الكاثوليكية بميلانو د. وائل فاروق دراسته المتميزة "تحليل الخطاب في رسائل إخوان الصفا" بحكاية كاشفة عن أمرين أولهما غموض وتعقد بناء الرسائل خاصة في ظل غياب المؤلف وأسباب ذلك، والثاني غياب رؤية بصيرة وعميقة وواضحة لدى دارسيها لكشف ذلك الغموض والتعقد وأسبابه، قال "فى إحدى حكاياته الشهيرة يفقد حجا مفتاح بيته فيقف فى الشارع أمام البيت ينظر فى كل ركن ويقلب كل حجر بحثاً عن المفتاح الضائع. تعاطف بعض المارة مع الشيخ الحائر، فانخرطوا معه فى عملية البحث حتى يئسوا من العثور على المفتاح الضائع، وهنا سأل أحدهم جحا أن يحدد المكان الذى سقط فيه المفتاح بالضبط فأجابه جحا: سقط داخل البيت. تعجب الناس من غفلة الشيخ وسألوه مستنكرين: لماذا إذن أجهدت نفسك وأجهدتنا معك بالبحث في الشارع؟ فأجاب جحا مستنكراً سؤالهم: لأن البيت مظلم والشارع مضيء" .
وأضاف فاروق في دراسته الصادرة عن مكتبة الإسكندرية سلسلة "شرفات" أن نص "رسائل إخوان الصفاء" يبدو كبيت جحا المغلق الذى ابتلعت ظلماته مفتاحه، ويبدو دارسوه كجحا الذى أغلق البيت على المفتاح ليقوم بالبحث حيث الرؤية ممكنة فى الشارع المضيء، فترك ما يتوجب عليه البحث عنه إلى ما يمكن البحث فيه لقد اختار إخوان الصفاء باستتارهم إعتام نصهم، فالمؤلف في ثقافتنا هو مفتاح النص فإذا استتر ضاع المفتاح وحل الظلام وتعذر الدخول يمكننا أن نضع عنوانا جامعا للدراسات التي تناولت هذا النص وهو "رحلة البحث عن المؤلف المجهول أو المفتاح الضائع للنص".
ولفت إلى أن الباحثين سلكوا فى رسائل إخوان الصفاء مسلك جحا في البحث، فقد فارقوا النص المظلم إلى واقعة التاريخى المضيء مفتشين في الروايات والأخبار والمذاهب الدينية والسياسية بل وفي ضمائر أهل ذلك الزمان عن جملة أو إشارة تقودهم إلى ذلك المؤلف الضائع. إلا أن سعيهم الدؤوب لم يكلل بالعثور عليه حتى يومنا هذا .

فاروق قسم دراسته إلى ستة فصول تناول في أولها عرضا من خلال استقراء مقولات فلاسفة العلم والنظرية الأدبية المعاصرة، لخطورة تحول المنهج إلى قالب جاهز للظاهرة المدروسة

ورأى فاروق أن ضياع المفتاح في حكاية جحا هو الحدث الذي تشكلت حوله الحكاية، هو بؤرة المفارقة فيها، هو مفتاح الحكاية .وكذلك "غياب المؤلف" في نص الرسائل فهو "العلاقة" المميزة لخطاب النص والمشكلة له، هو الآلية المعرفية – التي لا مفر منها – لصيانة "رسالة" النص وضمان حضورها الفعل .فمن شأن إعلان الإخوان عن أنفسهم ولو حتى بالإشارة أن يهدم كل ما سعوا إلى بنائه في النص وبالنص لأنهم لو عُرفوا صُنفوا، والتصنيف يهتك نسيج الوحدة التي وجد فيها إخوان الصفا الخلاص من الشرور التي ملأت الأرض بسبب التحزب والفرقة والاحتراب، التصنيف ينقض المذهب "الذي يستغرق المذاهب كلها" والحقيقة الجامعة الكامنة في كل الحقائق، التصنيف يفتت "الإنسان الجامع" أو "العالم الخبير الفاضل الذكي، المستبصر الفارسي النسبة العرب الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف، الصمداني "غياب المؤلف إذن هو بؤرة خطاب الرسائل ومفتاح قراءته والكشف عن آليات تشكله. علينا إذن أن نقرأ "غياب المؤلف" في سياق النص وأن نقرأ النص في سياق غياب المؤلف. علينا أن نترك شارع جحا المضيء وإن كان البديل التخبط في الظلمات.
 وعارض فاروق تعريف محمد عابد الجابري للتراث بأنه "الموتى الأحياء فينا"، وأشار إلى أن الجابري أراد أن يقول إن كلا منا يحمل في داخله – شاء أم أبى – تراث أولئك الذين مضوا وحياتهم، فثمة امتداد واستمرار للحياة عبر الزمن والشروط المتغيرة التي تحكم حركة الإنسان فيه. إلا أن هذه الجملة – على عكس ما أراد – لا يفوح منها إلا رائحة الموت فهي تجعل من التراث جثثا ميتة وتجعل منا قبورا لها ولكنها بذلك – وعلى الرغم من ذلك - تضع أيدينا على أزمة تناولنا للتراث وعلاقتنا به التي يؤطرها "الأسر"، فنحن إما أن نكون أسرى للتراث أو يكون التراث لنا أسيرا، فقد تشكل الفكر العربي الحديث في بوتقة "الجدل" والصراع بين التراث والحداثة والأصالة والمعاصرة والأنا والآخر إلى آخر تلك الثنائيات التي تمثل وجوها مختلفة لأزمة واحدة وتحدٍ واحد .لقد واجه إخوان الصفا التحدي ذاته: التحزب والفرقة والصراع ونفي الآخر إلى آخر الأشياء التي انصهرت جميعها في بوتقة شكل معرفي واحد هو "الجدل" ولعل هذا هو ما جعل بنية الرسائل تتشكل في إطار حوار لا ينقطع بين شخوصها وبين الرسائل نفسها وقارئها المحتمل. ذلك التشابه في الهم المعرفي والطموح الذي تمثّل في بناء "جهاز معرفي" يتجاوز ظرفيته.
وأوضح "كان الدافع لدراسة هذا النص الزاخر الحي وهو ما يجعلني أتوقف أمام مقولة أخرى صاغها ابن عربى في فتوحاته هي: "المعانى المجردة من المواد لا توجد في الأقوال لأنها لو وجدت في قول لم تكن مجردة عن المادة" ترد هذه المقولة على تساؤل: كيف نصف التراث بالحياة وكيف يمكن لهذه الحياة أن تستمر؟ التراث حي لأنه ليس مجردا، التراث حي لأنه باق في جسده – القول – يمارس حياته وهي أن يقول، علاقتنا بالتراث إذن يجب أن تكون علاقة حوار يتميز طرفاه عن بعضهما ويتمتع كل منهما باستقلاليته" .
وأكد فاروق أن الاستقلالية كانت الطموح المعرفي الذي سعى إليه إخوان الصفا، ذلك الطموح هو الذي شكل إستراتيجية خطابهم من إخفاء للمؤلف ثم اختيار النوع إلى المزج بين مكونات وعيين متمايزين هما الوعي الشفاهي والوعي الكتابي وهي المحطات الرئيسة التي توقف عندها البحث الذي واجه صعوبات جمة أبرزها اتساع الموضوع وثراؤه الذي جعل منه مفازة معرفية خطرة يمثل الدخول فيها مغامرة في غياب "الأدلة" الذي تمثل في ندرة المراجع والدراسات التي تناولت الرسائل من وجهة نظر أدبية. 
ولعل أهم ما انتهى إليه هذا البحث هو الكشف عن ضرورة قراءة تراثنا السردي في إطار الوعي الجمالي والنقدي المنشىء له، فقد أدت الرغبة المحمومة لدى بعض الباحثين في إثبات جذور تراثية للسرد العربي المعاصر إلى تغييب حضور وفاعلية ذلك "الوعي المنشىء" ومنطلقاته الإبداعية في عملية القراءة.  

عن أخوان الصفا
الوعي المنشىء ومنطلقاته الإبداعية في عملية القراءة

وانتهى فاروق إلى أن خطاب الرسائل كان خطاب "صهر" لعالمه ليبدع كلاً إنسانيا تكون تمايزاته عامل الوحدة ومفاصل الارتباط وليس سدوداً فاصلة بين مكوناته. وهو ما جعل الخطاب يجدل الثنائيات المفارقة لبعضها البعض كالحضور والغياب والشفاهي والكتابي والطبيعي وما فوق الطبيعي والعقلي والروحي، كل ذلك دون رفض أو محو أو استبعاد لأي من مكونات عالمهم أو تحويل لخصائص وسمات أي مكون. مما دفعنا في النهاية إلى القول أن الرسائل التي لا يمكن الوقوف فيها على فن مبتكر ينسب إليها – ابتكرت فن صناعة الروابط وبناء الأطر الجامعة التي تجعل من الفوارق والتمايزات عناصر بناء لكلية إنسانية تضم داخلها متناقضات لا ينقض بعضها بعضاً، فمثلاً موقفهم من الأديان الذي حير بطرس البستاني في مقدمته للرسائل حيث حكم عليهم بالإلحاد والكفر حيث يمزجون الإسلام بغيره "مزجاً غريباً أبعده عن أصوله". 
والحق أنهم لم يمزجوا الإسلام بغيره وإنما أقاموا علاقة جيرة "واقعية" بينه وبين غيره من الأديان والمذاهب التوحيدية والوثنية على حد سواء، وهم لا يقفون عند حد إقامة "التجاور" بل يتجاوزونه على اصطناع منطق له فهو ليس عبثياً، فهم يضربون مثلاً على اختلاف وتجاور الأديان بالطبيب – الله جل وعلا – والمريض – الإنسان – فالمريض قد يشكو من أمراض مختلفة تصيب أعضاءه المختلفة فيصف له الطبيب دواءً مختلفاً لكل علة، هكذا يكون كل دين صالحاً لعلاج الروح الإنسانية، دون أن يتناقص دين مع آخر ودون أن ينقض مذهب مذهباً آخر. 
ثم يميزون بعد ذلك بين الدين كطب للمرضى والفلسفة كرياضة للأصحاء، ليصل تصورهم للكلية الإنسانية إلى منتهاه بجعل العقل مرجعية ووسيلة كل معرفة ووجود فكل الموجودات "هي كلها من مبدأ واحد" وعلة واحدة، وعالم واحد، ونفس واحدة محيطة بجواهرها المختلفة وأجناسها المتباينة وأنواعها المفننه، وجزئياتها المتغيرة". ليس إذن من الإسراف القول بأنهم سبقوا المعاصرين إلى دعوة "التنوع في إطار الوحدة" التي كان مبدؤها وغايتها الإنسان.
قسم فاروق دراسته إلى ستة فصول تناول في أولها عرضا من خلال استقراء مقولات فلاسفة العلم والنظرية الأدبية المعاصرة، لخطورة تحول المنهج إلى قالب جاهز للظاهرة المدروسة، أو إلى منظور قسري للوعي الدارس، كاشفا عن توظيفه لإجراءات ومقولات النظريات النقدية التي تنطلق من النص وتصب فيه؛ كالأسلوبية والبنائية وعلم النص ونظرية الأنواع الأدبية وحتى التفكيكية والنظرية الشفاهية التي وجد أنها شديدة الارتباط بموضوع الدراسة. 
وفي الفصل الثاني عرض للتقصي التاريخي الذي قام به عدد كبير من الباحثين في فترات زمنية مختلفة لمعطيات واقع نص الرسائل، فيما يتعلق بهوية المؤلفين ومكانهم وزمانهم ومذهبهم السياسي والديني، ورصد ما انتهى إليه الباحثون من الافتقار إلى أي دليل قاطع يحسم أيا من قضايا النص الخلافية، كما رصد العجز عن الانطلاق في دراسة النص من أي يقين تاريخي يشد النص إلى واقع محدد، ليظل الغموض العلامة الكبرى التي تشكل خطاب النص. ولكن الباحث لم يخرج من هذا العرض خالي الوفاض، فآراء ونظريات الباحثين في مجموعها وفي إطار عدم القدرة على الحسم المطلق ببطلان هذه النظريات أو صحتها، تجعل من نص الرسائل النص الذي "ينسب إليه كل شيء ولا ينتسب هو إلى شيء". 
وفي الفصل الثالث ينطلق فاروق مما انتهى إليه الفصل السابق؛ حيث يسعى لمعرفة دلالة تغييب المؤلف في ثقافة لا يعتبر فيها النص نصادون أن يكون مشدودا إلى مؤلف حجة، فحضور المؤلف يمثل ضرورة معرفية لوجود النص وقدرته على ممارسة فاعليته في السياقات المتراكبة التي ينتمي إليها. ويدلل على أن تجهيل المؤلف كان خرقا معرفيا ثوريا للتقاليد الثقافية العربية الراسخة القائمة على النسب والإسناد، فتجهيل مؤلفي الرسائل يتجاوز الشرط السياسي في ظرفيته من حيث أنه سعى لتحرير نص الرسائل ليقوم بدوره الفاعل، كما يجعل ذلك التجهيل الرسالة مرسلا ويكسبها القدرة على بناء عالمها الخاص لتوجد لنفسها حيزا في زمان ومكان لا يخضع لتراتبية المؤلفين والنصوص، فالنص مجهول المؤلف هو "النص المستقل".
وتناول الفصل الرابع جدل الشفاهي والكتابي ودوره في تشكيل خطاب الرسائل، والخامس الجدلية الشفاهية في خطاب الرسائل والسادس آلية البناء السردي في حكاية الحيوان الذي درس الآليات التي شكلت بنية الحكاية التي تبدو كما لو كانت أيقونة سردية لما حواه النص على المستويين المعرفي والجمالي.