واشنطن تربك كييف وحلفاءها بخطة سلام مثيرة للجدل
جنيف - اجتمع مسؤولون من أوروبا والولايات المتحدة وأوكرانيا في جنيف، اليوم الأحد، لمناقشة مسودة خطة طرحتها واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وسط تصاعد القلق في كييف وبين حلفائها من أن الخطة تتضمن تنازلات جوهرية لصالح روسيا.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد منح نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مهلة حتى الخميس للموافقة على الخطة المؤلفة من 28 نقطة، والتي تطالب كييف بالتنازل عن أراضٍ والقبول بفرض قيود على جيشها، والتخلي عن طموحات الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
وتعد هذه الشروط في نظر كثير من الأوكرانيين، بمن فيهم جنود في الخطوط الأمامية، بمثابة استسلام بعد ما يقرب من أربع سنوات من القتال في أكبر صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وسادت حالة ارتباك واسعة منذ الإعلان عن الخطة، خصوصاً مع غياب الوضوح بشأن الأطراف المشاركة في صياغتها. وقال حلفاء أوروبيون لأوكرانيا إنهم لم يُستشاروا في إعدادها، وهو ما زاد من مستوى التوتر داخل أروقة القرار الغربي. وخلال اجتماع جنيف، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن الهدف هو وضع خطة تحظى بقبول أوكراني وتُستخدم أساساً لمفاوضات محتملة مع روسيا، مشيراً إلى أن التوصل إلى اتفاق نهائي قد يستغرق وقتاً أطول مما تأمله واشنطن.
من جهته، شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قبل توجهه إلى جنيف، على أن بلاده هي التي وضعت الخطة، رداً على تساؤلات أثارها بعض أعضاء الكونغرس حول هوية الجهة التي تقف وراءها. كما أكد السناتور أنجوس كينغ أن روبيو أبلغهم بأن الخطة لا تمثل موقف الإدارة الأميركية بالكامل، بل تتطابق مع "قائمة أمنيات روسية" إلى حد بعيد.
لحظة حرجة لأوكرانيا
تتضمن المسودة كثيراً من المطالب الروسية الأساسية، فيما لا تمنح أوكرانيا سوى تطمينات عامة بشأن "ضمانات أمنية قوية". وتأتي هذه المقترحات في مرحلة حساسة تتعرض فيها البلاد لضغوط هائلة، في ظل تصاعد الهجمات الروسية على منشآت الطاقة، ما أدى إلى انقطاع المياه والتدفئة والكهرباء لساعات يومياً عن ملايين الأوكرانيين.
وعلى الصعيد العسكري، حققت القوات الروسية تقدماً محدوداً في بعض الجبهات، لا سيما في محيط بوكروفسك، وسط تحذيرات أوكرانية من نقص الجنود وصعوبة صدّ التوغلات المتكررة. وفي الوقت نفسه، يواجه زيلينسكي ضغوطاً داخلية متزايدة بعد الكشف عن فضيحة فساد كبرى طالت شخصيات قريبة من دائرته.
ورغم ذلك، لم يتخل زيلينسكي عن الأمل، إذ رحّب بالجهود الدبلوماسية الجارية في جنيف، مُعوّلاً على أن تؤدي إلى نتيجة إيجابية، خاصة بعد أن عززت الولايات المتحدة العقوبات على قطاع النفط الروسي، وألحقت هجمات أوكرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى أضراراً في البنية التحتية للطاقة داخل روسيا.
هل تُمنح الأفضلية لموسكو؟
تشير مسودة الخطة، وفق مراقبين، إلى تحوّل دبلوماسي يتيح لموسكو استعادة زمام المبادرة على طاولة المفاوضات، في وقت تعتمد كييف بشكل كبير على الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية الأميركية لمواصلة الحرب. وقد وصل كل من روبيو والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف إلى جنيف لحضور اجتماع رتّب على عَجَل لإنهاء النقاط العالقة قبل الموعد النهائي.
وقال مسؤول أميركي إن الهدف هو "وضع اللمسات الأخيرة على صياغة اتفاق يفيد الأوكرانيين"، مشدداً على أن "لا شيء سيُعتمد قبل اجتماع ترامب وزيلينسكي وجهاً لوجه".
مسودة خطة أوروبية موازية
ويشارك وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول في محادثات جنيف، بينما ترأس وفد أوكرانيا أندريه يرماك، الذي عقد اجتماعات مع مستشاري الأمن القومي من بريطانيا وفرنسا وألمانيا قبل لقائه الوفد الأميركي. وأكد مسؤولون أوروبيون أن الخطة الأميركية تمثل أساساً للنقاش، لكنها تحتاج إلى "عمل إضافي" لتحسين شروطها لصالح كييف.
من جهة أخرى، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه سيجري محادثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن الملف الأوكراني، وأنه سيطلع الشركاء الأوروبيين والأميركيين على نتائجها. فيما حذر زيلينسكي من أن بلاده تخاطر بفقدان كرامتها ودعم واشنطن إذا اضطرت لقبول الخطة بصيغتها الحالية.
ورغم ترحيب بوتين بالخطة باعتبارها "أساساً" محتملاً للحل، فإن موسكو قد تتحفظ على بعض بنودها، خصوصاً تلك التي تطلب انسحاباً من مناطق تعتبرها حالياً تحت سيطرتها. وأفاد مصدر حكومي ألماني بأن مسودة خطة سلام أوروبية، تعتمد جوهرياً على المقترح الأميركي، أُرسلت إلى كييف وواشنطن للنقاش.
وفي السياق ذاته، قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إن على الطاولة الآن "كماً وافراً من المقترحات"، بما يكفي لصياغة خطة سلام يمكن أن تقود إلى تسوية "عادلة ومستدامة".