واشنطن تعيد تشكيل حضورها في الشرق الأوسط
واشنطن - أقرّ مجلس النواب الأميركي، بأغلبية واسعة بلغت 312 صوتاً مقابل 112، النسخة الجديدة من "قانون إقرار الدفاع الوطني" للسنة المالية 2026 والذي ينتقل الآن إلى مجلس الشيوخ للمصادقة النهائية. ويكشف القانون عن حزمة قرارات استراتيجية تعيد رسم ملامح الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وتضبط مسار العلاقة الأمنية مع حكومة بغداد، مع الإبقاء على إطار العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش".
وتقدم القراءة الأولية لمضامين القانون مؤشرات على مرحلة انتقالية تتجه فيها واشنطن إلى إنهاء الإرث القانوني لحروب العراق، مقابل تشديد الرقابة على المساعدات الأمنية للحكومة العراقية وفرض شروط مرتبطة بالتوازنات الإقليمية والداخلية.
وتمثلت أبرز التحولات في القانون الجديد في الإلغاء الرسمي لتفويضين استخدمتهما الولايات المتحدة خلال ثلاثة عقود لشن عمليات عسكرية في العراق، فألغى الكونغرس تفويض عام 1991 المرتبط بحرب الخليج الأولى لتحرير الكويت، إضافة إلى تفويض عام 2002 الذي مهّد لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين.
ويمثل هذا الإلغاء نهاية السند القانوني الذي استندت إليه الإدارات الأميركية المتعاقبة لتنفيذ ضربات أو عمليات عسكرية في العراق من دون العودة إلى الكونغرس.
وبهذا القرار، يطوي المشرّعون الأميركيون صفحة "الحروب المفتوحة" التي شكلت جزءاً مركزياً من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط منذ مطلع التسعينيات، لكنه في الوقت نفسه لا يفتح الباب أمام انسحاب كامل أو تغيير جذري في الدور الأمني لواشنطن في العراق. إذ يكشف القانون عن مقاربة مزدوجة: التخلي عن التفويضات القديمة التي فقدت صلتها بالواقع الراهن، مقابل إخضاع المساعدات الأمنية لشروط أكثر صرامة.
ورغم إنهاء التفويضات الحربية، فإن الكونغرس شدد قبضته على ملف الدعم الأمني للعراق، فقد نص القانون على تجميد نصف ميزانية مكتب التعاون الأمني في العراق (OSC-I) لعام 2026، كأداة ضغط لإلزام بغداد بسلسلة خطوات مرتبطة بملف المليشيات.
وحدّد القانون أن الإفراج عن هذه الأموال يتطلب من وزير الدفاع الأميركي تقديم "إشهاد" يؤكد أن الحكومة العراقية اتخذت إجراءات موثوقة وعلنية للحد من نفوذ المليشيات المقرّبة من إيران، في إطار عملية واضحة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)إلى جانب تعزيز سلطة رئيس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة. ويعكس هذا البند استمرار واشنطن في ربط دعمها الأمني لبغداد بمدى قدرتها على فرض سيادة الدولة، وهي سياسة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة مع تنامي نفوذ الفصائل المسلحة.
وفي الوقت ذاته، منح القانون وزير الدفاع سلطة تعليق التجميد لمدة 180 يوماً إذا اقتضت الضرورات المتصلة بالأمن القومي الأميركي ذلك، بما يعني أن واشنطن تحتفظ بمرونة سياسية تتيح لها استخدام التجميد كأداة ضغط من دون أن يتحول إلى عائق دائم للتعاون الأمني.
كما شدد الكونغرس على التحقيق ومحاسبة العناصر الأمنية أو المليشيات التي تعمل خارج سلسلة القيادة الرسمية وتتورط في هجمات ضد القوات الأميركية أو العراقية، في تأكيد إضافي على أن واشنطن تنظر إلى ملف المليشيات بوصفه محورياً في علاقتها ببغداد.
أما في الملف السوري، فقد اتخذ القانون طابعاً دفاعياً يحاكي المخاوف من أي انسحاب متعجل يعيد إنتاج الفراغ الأمني. فحظر الكونغرس على وزارة الدفاع استخدام أي أموال لتقليص أو دمج القواعد الأميركية في سوريا من دون شهادة رسمية من الوزير وقيادة القيادة المركزية (سنتكوم) تؤكد أن الإجراءات الجديدة لن تؤثر على القدرة على مكافحة الإرهاب، مع تقديم خطة لمعالجة أي ثغرات محتملة.
ويعكس هذا التوجه إدراك المؤسسة العسكرية الأميركية لحساسية الوجود العسكري في سوريا، وارتباطه المباشر بملف تنظيم "داعش" وبالاستقرار شمال شرقي البلاد.
ويتضمن القانون (القسم 1216) إلزام وزارة الدفاع باتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز حماية مخيمات اعتقال عناصر داعش وعائلاتهم، خصوصاً في مخيمي الهول وروج، إضافة إلى دعم "قوات سوريا الديمقراطية" لمنع عمليات الهروب أو إعادة تنظيم صفوف المتشددين. كما يفرض القانون إعداد تقرير سنوي مفصل حول خطط إعادة المعتقلين إلى بلدانهم، ما يكشف عن محاولة أميركية لتقليص المخاطر المرتبطة ببقاء الآلاف من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم في أوضاع أمنية هشة.
ورغم الإلغاء الرمزي لتفويضات الحرب في العراق، فإن واشنطن تبقي على المسار العملياتي ضد تنظيم "داعش". فالقانون يمدد السلطات القانونية الخاصة بمكافحة الإرهاب حتى 31 ديسمبر/كانون الثاني 2026، مع استمرار دعم الجماعات السورية التي تم التحقق من ارتباطها (Vetted Syrian Groups) وتقديم المساعدة اللوجستية والعسكرية لشركاء التحالف.
ويعكس هذا المسار استمرار النظرة الأميركية المتمسكة باعتبار التنظيم تهديداً نشطاً، وبأن الوجود العسكري المحدود في سوريا والعراق ضروري لضمان عدم عودته.
ويظهر "قانون الدفاع 2026" أن الولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، لكنها تعيد تشكيل أدوات حضورها، منتقلة من تفويضات الحرب المفتوحة إلى سياسات مشروطة وموجهة، فبين إلغاء تفويضات العراق وتشديد الرقابة على بغداد، ومنع الانسحاب من سوريا إلى تعزيز أمن معسكرات الاعتقال، تبدو واشنطن في مسار يجمع بين تخفيف الإرث القديم وضبط المخاطر الراهنة.