واشنطن تقصف جنوب ايران وطهران تغلق هرمز
طهران - هزت سلسلة انفجارات مدينة سيريك وأخرى قرب ميناء ميناب بعد تهديدات أميركية بتوجيه ضربات قوية لإيران بعد ساعات قليلة من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربة قوية لإيران وبعد وقت قصير من تأكيد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن بلاده ستوجه ضربات قوية وعنيفة للجمهورية الإسلامية، فيما دعت السفارة الأميركية في بغداد الرعايا الأميركيين للمغادرة فورا، تحسبا على ما يبدو لرد فعل عنيف من قبل فصائل عراقية موالية لطهران.
وأعلنت إيران في أول رد فعل على الهجوم الأميركي إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس امدادات العالم من الطاقة، أمام جميع أنواع السفن في قرار من شأنه أن يفاقم الخاوف من اضطرابات في الامدادات العالمية وارتفاع قياسي في أسعار النفط والغاز.
ويُنظر لهذه التطورات المتسارعة على أن واشنطن قررت استئناف الحرب مع تعثر مفاوضات السلام التي ترعاها باكستان وقوى اقليمية أخرى ومع شكوك أميركية في أن طهران تحاول فقط كسب الوقت وتستمر في المناورة لانتزاع مكتسبات اضافية أو محاولة تحسين موقفها التفاوضي.
لكن وفق تجارب سابقة يبدو الرئيس الأميركي ممضطرا لابقاء الايرانيين تحت الضغط العسكري لدفعهم للتفاوض ولتسوية وفق شروط تحفظ ماء وجه الادارة الأميركية الجمهورية التي تواجه بدورها ضغوطا داخلية بسبب كلفة الحرب الاقتصادية والسياسية.
وبين الوضعين، لم يغادر الجانبان مربع الشد والجذب والتهديدات المتبادلة، ما يفاقم المخاوف الاقليمية والدولية من تداعيات صراع لا يبدو له نهاية قريبة.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية 'سنتكوم'، مساء الأربعاء، بعد وقت قصير من تهديدات كبار المسؤولين الأميركيين، بالفعل بدء تنفيذ ضربات ضد عدة أهداف داخل إيران. وقالت في بيان، إن قواتها "بدأت، اليوم عند الساعة 5:15 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي (21.15 تغ)، تنفيذ ضربات دفاعية إضافية ضد عدة أهداف داخل الجمهورية الاسلامية، وذلك بتوجيه من القائد الأعلى للقوات المسلحة"، مضيفة أن الضربات تأتي ردًا على ما وصفته بـ"العدوان غير المبرر والمستمر" من جانب الايرانيين
وكان هيغسيث قد قال في تصريحات للصحفيين بقاعدة ماكديل الجوية في تامبا بولاية فلوريدا قبل بيان 'سنتكوم' "سنضربهم بقوة وفق شروطنا، وعلى الأهداف التي تحسّن بيئة عملنا وتُضعف القدرات التي تسعى إيران إلى امتلاكها"، مشيرا إلى أن ضربات إضافية متوقعة في القريب العاجل، ملمّحًا إلى أنها قد تمتد حتى الليلة التالية إذا لزم الأمر. كما وصف العمليات بأنها جزء من جهد أوسع للضغط على طهران من أجل التوصل إلى اتفاق دبلوماسي.
وكرر كذلك تصريحات منسوبة لترامب بشأن الحفاظ على أوراق الضغط خلال استمرار المفاوضات، مضيفا "كما قال الرئيس ترامب، كانوا يواصلون الطرق طرقًا خفيفًا، ويمكنكم أن تروا عندما يحاول طرف ما الطرق بهدوء للوصول إلى اتفاق، لكن بدلًا من ذلك ستكون هناك قنابل تتساقط على منشآت رئيسية في إيران من قبل الولايات المتحدة".
وما بين تعثر وتفاؤل حذر، تخوض طهران وواشنطن منذ بدء الهدنة الراهنة في 8 أبريل/نيسان الماضي مفاوضات لإنهاء الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وشهدت خلالها استهدافات إيرانية لدول الخليج.
وإثر تعثر مفاوضاتهما، تفرض الولايات المتحدة منذ 13 أبريل/نيسان حصارا على الموانئ الإيرانية، بما فيها الموجودة على مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، المعطل منذ مارس/آذار الماضي، والمتسبب في أضرار دولية، لا سيما خليجية.
شكّلت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بشأن شن هجمات “قوية” على إيران، إلى جانب تحذير السفارة الأميركية في بغداد لرعاياها بمغادرة العراق فوراً، مؤشرين بارزين على احتمال اقتراب مرحلة جديدة من التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران. كما أثارت هذه التطورات مخاوف متزايدة من تعرض المصالح والرعايا الأمريكيين في العراق لهجمات انتقامية قد تنفذها فصائل عراقية موالية لإيران في حال توسعت العمليات العسكرية الأمريكية.
وجاءت التحذيرات الأميركية في وقت أعلن فيه الرئيس دونالد ترامب أن بلاده تستعد لتوجيه “ضربة قوية” أخرى لإيران، مؤكداً أن طهران أهدرت فرص التوصل إلى اتفاق سلام كان من شأنه أن يحقق لها مكاسب كبيرة. وقال ترامب إن إيران “تتحدث دون أفعال”، معتبراً أن الوقت المتاح للتفاهمات الدبلوماسية بات يضيق في ظل استمرار المواجهة العسكرية.
دعوة السفارة الأميركية رعاياها لمغادرة العراق فورا مؤشر قوي على تصعيد عسكري خطير
وتعززت مؤشرات التصعيد واحتمال أن تستغرق المواجهات بين طهران وواشنطن، مع إصدار السفارة الأميركية في بغداد تحذيراً أمنياً عاجلاً دعت فيه المواطنين الأميركيين إلى مغادرة العراق فوراً، محذرة من اضطرابات محتملة في حركة السفر وإمكانية إغلاق المجال الجوي بصورة مفاجئة. ويُنظر عادة إلى مثل هذه التحذيرات باعتبارها إجراءات استباقية تتخذها واشنطن عندما تتوقع تصاعداً أمنياً قد يهدد مواطنيها أو منشآتها الدبلوماسية والعسكرية.
ويكتسب العراق أهمية خاصة في حسابات المواجهة الأميركية الإيرانية، نظراً لوجود قواعد ومصالح أميركية منتشرة في البلاد، فضلاً عن نشاط فصائل مسلحة حليفة لطهران تمتلك قدرات صاروخية ومسيرات هجومية سبق أن استخدمت في استهداف مواقع ومصالح للولايات المتحدة في المنطقة خلال أزمات سابقة. لذلك يرى مراقبون أن أي ضربة أميركية واسعة ضد إيران قد تدفع هذه الفصائل إلى فتح جبهة ضغط جديدة ضد القوات والمصالح الأميركية داخل العراق أو في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
وتأتي التطورات الأخيرة بعد أسابيع من التوتر العسكري المتبادل الذي شمل استهداف مواقع عسكرية ومنشآت دفاعية في محيط مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية. كما شهدت الفترة الماضية تبادل هجمات بين الجانبين، شملت استهداف قواعد أميركية في المنطقة وهجمات أميركية على منشآت مرتبطة بالبنية الدفاعية الإيرانية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن ضرورة زيادة الضغط العسكري، تؤكد إيران أن قواتها المسلحة ما زالت تحتفظ بقدراتها الردعية، محذرة من أن أي هجوم جديد سيؤدي إلى توسيع دائرة الصراع. وقد لوّح مسؤولون إيرانيون بإمكانية انتقال المواجهة إلى نطاق أوسع يتجاوز حدود الخليج، في إشارة إلى احتمال استهداف المصالح الأميركية وحلفائها في المنطقة.
وتنعكس هذه التطورات أيضاً على أسواق الطاقة العالمية، إذ أدى تصاعد التهديدات العسكرية إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً وسط مخاوف من استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية. كما يثير استمرار الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية مخاوف إضافية بشأن أمن الإمدادات واستقرار الأسواق.
ورغم التصعيد المتبادل، لا تزال بعض المؤشرات تدل على استمرار المسار الدبلوماسي، حيث تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن وصول وفد قطري إلى طهران لمواصلة جهود الوساطة بين الجانبين، غير أن اللهجة الحادة التي صدرت عن ترامب ومسؤولين أميركيين، بالتزامن مع الإجراءات الاحترازية في العراق، توحي بأن واشنطن تضع خيار القوة العسكرية في صدارة خياراتها خلال المرحلة المقبلة.