واشنطن تُلقي بثقلها الدبلوماسي لتسريع حل نزاع الصحراء

سفير الولايات المتحدة لدى الرباط يصف الإمكانات الاقتصادية التي تزخر بها الأقاليم الجنوبية بأنها "غير محدودة"، في رسالة تشجيع للاستثمارات الأميركية.

الرباط - جددت واشنطن على لسان سفيرها لدى الرباط ريتشارد ديوك بوكان دعمها الراسخ لسيادة المغرب على صحرائه، مشددة على أنه لا حل للنزاع الإقليمي المفتعل خارج مقترح الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة.

وشدد السفير الأميركي على أن إدارة الرئيس دونالد ترامب "تقف بحزم" إلى جانب المملكة في القضية التي تقيس على أساسها علاقاتها الخارجية، فيما ينظر إلى هذا الموقف باعتباره رسالة دعم قوية للرباط في وقت تتسع فيه قائمة الدول المؤيدة للمبادرة المغربية.

ولم يقتصر حديث الدبلوماسي الأميركي على الجوانب السياسية، بل سلط الضوء أيضا على الإمكانات الاقتصادية الواعدة التي تزخر بها الأقاليم الجنوبية، واصفا الفرص الاستثمارية فيها بأنها "غير محدودة".

ويعكس هذا الطرح توجها أميركيا نحو ربط التسوية السياسية بأفق تنموي واقتصادي، يقوم على تشجيع الاستثمارات والشراكات القادرة على تحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي واعد يربط أفريقيا بالأسواق الدولية.

كما وصف ديوك بوكان المغرب بأنه "أحد أكثر حلفاء الولايات المتحدة موثوقية" في المنطقة، معتبرا أن المملكة رسخت مكانتها كشريك استراتيجي وركيزة للاستقرار الإقليمي. ويكتسب هذا التوصيف أهمية خاصة في ظل التحولات الأمنية والجيوسياسية التي تشهدها منطقة شمال أفريقيا والساحل، حيث تنظر واشنطن إلى المغرب باعتبارها شريكا أساسيا في جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار والتنمية.

وتكشف هذه التصريحات عن قناعة أميركية متزايدة بأن حل قضية الصحراء لم يعد يقتصر على البعد السياسي فحسب، بل يرتبط أيضا بإطلاق ديناميات اقتصادية واستثمارية واسعة في المنطقة. كما تقيم الدليل على أن الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام ثقلها السياسي والاقتصادي لدعم مسار يفضي إلى تسوية نهائية للنزاع وفق مقاربة تستند إلى الواقعية السياسية والتنمية المستدامة.

ويأتي هذا الموقف في سياق دينامية دبلوماسية تقودها واشنطن منذ اعترافها التاريخي بمغربية الصحراء في نهاية الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو القرار الذي شكل نقطة تحول مفصلية في مسار النزاع، إذ نقل الموقف الأميركي من دائرة الدعم السياسي التقليدي للمسار الأممي إلى تبني رؤية واضحة تعتبر أن الحل يجب أن ينطلق من المقترح المغربي.

ويرى مراقبون أن تجديد الإدارة الأميركية الحالية دعمها للمغرب يعكس اقتناعا متزايدا داخل المؤسسات الأميركية بأن استمرار النزاع يهدد الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتنامية في منطقة الساحل والصحراء وتصاعد التهديدات المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية وشبكات الجريمة العابرة للحدود.

ولا تنفصل هذه المواقف عن متانة العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الرباط وواشنطن، والتي تعد من أقدم العلاقات الدبلوماسية في التاريخ الأميركي. فالمغرب كان أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر، وهو إرث تاريخي تحول مع مرور الزمن إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الأمن والدفاع والتجارة والاستثمار والتعاون الاستخباراتي.

وخلال السنوات الأخيرة، شهد التعاون بين البلدين توسعا ملحوظا، سواء من خلال المناورات العسكرية المشتركة وعلى رأسها "الأسد الأفريقي"، أو عبر اتفاقية التبادل الحر التي جعلت المغرب شريكا اقتصاديا متميزا للولايات المتحدة في القارة الأفريقية، فضلا عن التنسيق الوثيق في ملفات مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي.

ويعزز هذا التقارب المكانة التي باتت تحتلها المملكة داخل الحسابات الاستراتيجية الأميركية، حيث ينظر إلى المغرب باعتباره شريكا مستقرا وموثوقا في منطقة تشهد تحولات متسارعة وتوترات جيوسياسية متزايدة. كما ترى واشنطن أن الرباط نجحت في ترسيخ نموذج يجمع بين الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي والدور الدبلوماسي الفاعل على المستويين الإقليمي والدولي.

وتكتسب الإشارات الأميركية المتكررة إلى الإمكانات الاقتصادية الكبيرة للأقاليم الجنوبية أهمية خاصة، إذ تعكس توجها نحو الانتقال من مرحلة الدعم السياسي إلى مرحلة الانخراط الاقتصادي المباشر، حيث تبدو الولايات المتحدة حريصة على تشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في الصحراء المغربية، بما يعزز واقع التنمية على الأرض ويكرس اندماج المنطقة في الديناميات الاقتصادية الدولية.

ويعتبر متابعون أن الحديث الأميركي عن فرص الاستثمار في الصحراء يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية واضحة، مفادها أن المجتمع الدولي بات يتعامل بشكل متزايد مع الأقاليم الجنوبية باعتبارها جزءا من المنظومة الاقتصادية المغربية.

كما أن تزايد عدد الدول التي افتتحت قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، إلى جانب تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، يكشف أن الملف يتجه تدريجيا نحو مرحلة الحسم السياسي، خاصة مع استمرار القوى الكبرى في تبني مقاربة تركز على الواقعية والبراغماتية.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الولايات المتحدة اليوم في موقع الداعم الرئيسي للجهود الرامية إلى إغلاق ملف الصحراء المغربية نهائيا، مستفيدة من ثقلها الدبلوماسي الدولي ومن شراكتها الاستراتيجية العميقة مع الرباط. كما تعكس تصريحات مسؤوليها قناعة متنامية بأن الاستقرار والتنمية في المنطقة يمران عبر تسوية واقعية تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة.

وبينما تتواصل التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية، تدخل العلاقات المغربية الأميركية مرحلة أكثر رسوخا وتأثيرا، عنوانها الانتقال من الشراكة التقليدية إلى التحالف الاستراتيجي، ومن الدعم السياسي لمغربية الصحراء إلى المساهمة الفعلية في تهيئة الظروف الدولية الكفيلة بحسم هذا الملف لصالح الرؤية المغربية.