واقع ومستقبل العلوم النفسية والإجتماعية بعد الثورات العربية

لا ينكر أحد ما للعلوم النفسية والإجتماعية من أدوار ومهام جادة في فهم وتفسير الظواهر النفسية والإجتماعية في المجتمع، ودراسة وتحليل شخصية الأفراد. ولكن بعد الثورات التي شهدتها دول الربيع العربي، فإن السؤال المهم المطروح هو عن حاضر ومستقبل العلوم النفسية والإجتماعية ومدى قدرتها على مسايرة الواقع الجديد والإنتقال من فهم وتفسير الظواهر الى التنبؤ وإستشراف المستقبل، ومدى فاعلية الأدوات والوسائل المنهجية الحالية لهذه العلوم في فهم الواقع العربي الحالي الأسرع والأكثر تعقيداً، وكذلك ضرورة البحث عن وسائل وآليات جديدة جادة أكثر فاعلية لدراسة الظواهر والمتغيرات والتهديدات والتحديات الجديدة التي تواجه المجتمع، على إعتبار أن الثورات دائماً ما تفرض مجموعة من المتغيرات والظروف الخاصة في مسيرة التحول نحو بناء أنظمة جديدة.

على سبيل المثال، ثمة دور للعلوم النفسية والإجتماعية في إستشراف ما يمكن أن يهدد ما بعد الثورات العربية، وما يمكن أن تكون عليه سياسات التنمية، وكيفية التعامل مع التغيرات والسلوكيات والقيم السلبية التي طرأت وتعوق تقدم وتماسك المجتمع.

مثل هذه الأمور والقضايا أصبحت في حاجة ماسة الى تمويل مناسب لإجراء دراسات وبحوث نفسية وإجتماعية جديدة جادة لمجتمعات دول الربيع العربي، يقوم بها فريق بحثي متخصص، كما يحدث في الدول المتقدمة. فالحاجة الى دراسة شخصية وسلوكيات الأفراد وما طرأ عليها من تغيرات وتحولات بعد الثورات، ضروري لفهمها وتفسيرها بصورة علمية حتى يمكن بعد ذلك التحكم في هذه الظواهر والمتغيرات الجديدة السلبية مثل العنف والإنفلات السلوكي واللامبالاة وضعف الإنتماء، والتقليل بقدر الإمكان من آثارها ونتائجها المدمرة عل المجتمع في مسيرته نحو النهوض والتقدم. وكذلك كيفية إيجاد ضوابط داخلية لدى الفرد، للتوجه والإلتزام بصورة ذاتية تلقائية من خلال قناعات معينة، دون قهر من الخارج، ليكون فاعلاً في المجتمع، وأيضاً كيفية إدارة الصراعات والتوترات النفسية وتوظيفها في بناء المجتمع.

العلوم النفسية والإجتماعية لا تقل أهمية عن العلوم الطبيعية، ومجتمعاتنا في أشد الإحتياج لها وأكثر من أي وقت مضى، للمضي قدما نحو خطط التنمية المجتمعية الشاملة، ذلك لأن الأفراد هم البناء الأساسي لأي مجتمع، كما أن أي تهديد يواجه المجتمع سيؤثر سلبياً على إستقراره وتوازنه وتطوره. لهذا فإن معرفة وفهم التحديات والتهديدات المجتمعية، وكذلك فهم شخصية الأفراد ودراسة الجوانب الإيجابية فيها، ودراسة الصراعات النفسية والإضطرابات السلوكية التي تؤثر عليهم وعلى المحيطين بهم، ووضع تصورات علمية لمعالجتها مبكراً، يعد ضرورة حتمية لتقدم وتماسك المجتمع.

النظم الديمقراطية التي تحترم الفرد، تستخدم العلوم النفسية والإجتماعية لدراسة شخصيات وسلوكيات وإتجاهات الأفراد، ودراسة بنية المجتمع، وتستخدم ذلك في وضع الأنظمة والقوانين الحاكمة المناسبة، التي تجعل جميع الأفراد قوة فاعلة ومتماسكة في المجتمع، بينما النظم المستبدة والديكتاتورية، قد لا تهتم كثيرا بدراسة شخصية الفرد، وبنية المجتمع، إذ تقمع الفرد من خلال أساليب وآليات لا تتماشى مع شخصيته وبنية مجتمعه. لهذا يمكن القول بأن تجاهل معرفة وفهم شخصية الفرد وبنية المجتمع، قد يكون أحد الجوانب المهمة في فهم أسباب الثورات العربية، فقد كان الإحباط النفسي وعدم الرضا عن الأوضاع القائمة، أحد هذه الأسباب، هذا بالإضافة الى تراكم العديد من الأسباب السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

لقد آن الآوان لأن يدرك المسؤولون في عالمنا العربي أهمية العلوم النفسية والإجتماعية وتقديم الدعم المادي والمعنوي المناسب لها، والذي يمكن الباحثين فيها من القيام بدورهم وتوظيف أبحاثهم في المجالات التطبيقية لخدمة مجتمعات ما بعد الثورات العربية، مع التركيز على الجوانب والنواحي الإيجابية في شخصية وحياة المواطن العربي، والتي تدخل تحت ما يسمى بعلم النفس الإيجابي، وبما يحقق في النهاية رضاه عن حياته وسعادته ورفاهيته.