وثائق استخباراتية تكشف خفايا المشروع الإيراني في العراق

وثائق مسربة تحتوي على حوالى 700 صفحة مكتوبة بالفارسية تكشف تقارير استخباراتية إيرانية حول عملية بسط النفوذ الإيراني في العراق بعد الانسحاب الأميركي.


قاسم سلماني مهندس النفوذ الإيراني في العراق


إيران عولت دائماً على وزراء الحكومات العراقية لضمان نفوذها


وكالة الاستخبارات الإيرانية نشرت جواسيس لمراقبة العراقيين والأميركيين


الانسحاب الاميركي من العراق ترك الساحة مفتوحة أمام النفوذ الإيراني

واشنطن - نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" أمس الأحد تقارير استخباراتية إيرانية مُسربة تكشف عن حجم النفوذ الإيراني الخطير في ثلاث دول عربية، حيث حرصت طهران على نشر جواسيسها في كل من العراق، ولبنان، وسوريا، لترسيخ مخطط هيمنتها إقليميا.

وقالت الصحيفة في بداية التقرير الذي اعتمدت فيه على وثائق كتبها ضباط في وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية التابعة للحرس الثوري خلال عامي 2014 و2015، إن قاسم سلماني يعتبر مهندس النفوذ الإيراني في العراق، الذي بدأ بعد الانسحاب الأميركي عام 2011 حين تحركت طهران بسرعة لإرسال جواسيس ومخبرين سابقين بوكالة الاستخبارات المركزية إلى بغداد بدؤوا عملهم من داخل وزارة الخارجية.

وأشارت الصحيفة إلى زيارة سليماني للعراق بعد أيام من بداية الاحتجاجات العراقية الحالية، وقالت أن هدفها كان إعادة نفس السيناريو ومنع خسارة كل ما بنته طهران على مدى سنوات لإبقاء العراق تحت أعينها وسيطرتها.

وكتبت نيويورك تايمز "في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي نزل زائر مألوف (قاسم سليماني) بهدوء إلى العاصمة العراقية بغداد مع تصاعد الاضطرابات فيها. كانت المدينة تحت الحصار لأسابيع، بينما سار المتظاهرون في الشوارع مطالبين بوضع حد للفساد واستقالة حكومة عادل عبد المهدي. وقد أدانوا خصوصا التدخل السافر لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا القنصلية الإيرانية".

وأضافت أن سليماني ذهب إلى العراق "للحفاظ على النظام السياسي القائم والذي فرضته إيران، لكن وجوده كشف بوضوح حجم نفوذ طهران الذي يطالب المتظاهرون العراقيون بوضع حد له"، مشيرة إلى أن قائد الحرس الثوري ذهب إلى بغداد لإقناع حليف في البرلمان العراقي بمساعدة عبد المهدي والتمسك بإبقائه على رأس الحكومة لحماية مصالح إيران".

وحاولت إيران تطويق المظاهرات التي خرجت منذ أكتوبر الماضي في العراق ولبنان بعد أن خرجت عن سيطرة الحكومات وكلاء إيران فيها، حيث استخدمت الميليشيات التابعة لها في بيروت وبغداد القنص والرصاص الحي لقتل المحتجين.

وعبر المتظاهرون في الحراك الشعبي اللبناني والعراقي عن رفضه للتدخل الإيراني في بلدانهم، التي ركزت فيها طهران نظام سياسي طائفي يخدم بسط نفوذها الإقليمي عبر وكلاء مثل حزب الله في لبنان وسوريا وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وقد مثلت تلك الاحتجاجات التي خرجت عن السيطرة تهديدا لطهران ولنظامها.

وكشفت الوثائق المسربة أن الحرس الثوري وخاصة قوة فيلق القدس النخبوية بقيادة سليماني، هي من تحدد سياسات إيران في العراق ولبنان وسوريا التي تعتبرها طهران دولا مهمة لأمنها القومي ولبسط نفوذها الإقليمي في المنطقة.

وأضافت أن اختيار سفراء إيران في هذه الدول الثلاث يتم من بين ضباط رفعي المستوى في الحرس الثوري، وليس من وزارة الخارجية، مشيرة إلى أن إيران أقامت منذ 2011 علاقات سرية مع مسؤولين وسياسيين وأمنيين وعسكريين عراقيين، وركّزت على تعيينهم في مناصب رفيعة المستوى، من بينهم وزير الداخلية العراقي السابق، بيان جبر، الذي يُعد من أبرز المسؤولين المقربين من إيران.

الحرس الثوري هو من يحدد سياسات إيران في العراق ولبنان وسوريا
الحرس الثوري هو من يحدد سياسات إيران في العراق ولبنان وسوريا 

وأوضحت الوثائق المسربة التي اتفقت نيويورك تايمز على نشر محتواها مع موقع "ذي انترسبت" الأميركي، كيف استطاعت إيران التفوق على الولايات المتحدة في العراق، حيث جندت عملاء سابقين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" عقب الانسحاب الأميركي من العراق، كما جندت إيران مسؤولاً بالخارجية الأميركية لمدها بخطط واشنطن في بغداد.

وأضافت أن نجاح إيران في تثبيت خطط نفوذها في العراق كان نتيجة مباشرة لافتقار واشنطن إلى أي خطة بعد نهاية الغزو، حيث اتسمت الفترة التي تلت سقوط نظام صدام حسين بالفوضى، سواء من حيث الأمن أو في نقص الخدمات الأساسية ما عزز قدرة طهران على استغلال الفرصة وتقديم خدماتها في فترة ما بعد الحرب.

وجنت إيران خلال تلك الفترة معلومات استخباراتية كبيرة عن القوات الأميركية وأسرار وكالة المخابرات المركزية الأميركية خصوصا بعد طرد الأخيرة العديد من عملاءها السريين في العراق، تاركة إياهم عاطلين عن العمل ومعوزين في بلد لا يزال يعاني من مخلفات الغزو. وكشفت الوثائق أن خشية هؤولاء العملاء من افتضاح أمرهم وقتلهم دفعت عدد كبير منهم لتقديم خدماتهم إلى إيران.

وفي مثال على هؤولاء الجواسيس نقلت الصحيفة عن معلومات وردت في الوثائق عن انضمام أحدهم للتجسس لصالح إيران في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بعد أن خشي على حياته إذا افتضحت علاقاته بالأميركيين، وقد عرفته وكالة الاستخبارات الإيرانية باسم "دوني براسكو"، وهو عراقي كان يتجسس لصالح وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه).

وحسب الوثائق المسربة انتقل العميل "دوني براسكو" للعيش في إيران وحمايته، وأدلى بجميع المعلومات الاستخباراتية الأميركية في العراق التي كان يعرفها، بعد أن أقسم على القرآن ووعد بانتهاء تجسسه لصالح الولايات المتحدة.

وتسرد الصحيفة تفاصيل أخرى عن أشكال النفوذ الإيراني في العراق، حيث أشارت إلى أن وجود إيران لم يغب عن مطار بغداد، وأن جواسيس لها في المطار، كان من إحدى مهامهم مراقبة الجنود الأميركيين والتقاط صور لهم، بالإضافة إلى مراقبة رحلات التحالف الدولي لمحاربة داعش.

وكشفت الوثائق كيف كان المخبرون والعملاء يتلقون المقابل عن عملهم لصالح إيران، سوا أكان بهدايا من الفستق والعطر والزعفران، أو بتقديم الرشاوى لمسؤولين عراقيين، وحتى نفقات مصاريف لضباط في الاستخبارات العراقية.

وكانت مهمة الجواسيس الإيرانيين الأساسية تتضمن خطط منع العراق من الانهيار، ومنع وجود مسلحين من الطائفة السنية على الحدود الإيرانية، وعدم إثارة حرب طائفية تجعل من الطائفة الشيعية أهدافاً للعنف، ومنع خروج كردستان من تحت مظلة العراق بما يهدد أمن وسلامة إيران.

كما سعى الحرس الثوري واللواء سليماني للمشاركة في القضاء على تنظيم داعش في العراق عبر إنشاء وتدريب ميليشيات عراقية موالية لإيران، مثل الحشد الشعبي لإبقاء العراق تحت السيطرة أمنيا وعسكريا، بالإضافة إلى تمويل ودعم فصائل سياسية وتعزيز نفوذها في السلطة من بوابة البرلمان.

طهران تفقد نفوذها حتى في المدن العراقية ذات الاغلبية الشيعية التي كانت تعتقد انها تحت سيطرتها
قاسم سليمان استشعر سحب البساط من تحت طهران حتى في المدن العراقية ذات الاغلبية الشيعية التي كانت تعتقد انها تحت سيطرتها

وقالت الصحيفة الأميركية إن سليماني استغل نفوذه بشكل جيد في العراق، حيث طلب من المسؤولين العراقيين فتح المجال الجوي لبلدهم أمام الطائرات الإيرانية التي تحمل أسلحة لدعم نظام بشار الأسد في سوريا، مشيرة إلى أن وزير النقل العراقي لم يبدِ اعتراضاً على طلب سليماني وهو ما أشعر الأخير بالسعادة.

ورفض وزير النقل العراقي طلباً تقدم به الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لوقف استخدام إيران للمجال الجوي للعراق.

وساهم ظهور تنظيم داعش في تأزم العلاقة بين إدارة الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما والطبقة السياسية في العراق وصل إلى الدفع باتجاه الإطاحة برئيس الوزراء نوري المالكي كشرط لتجديد الدعم العسكري الأميركي.

وبعد الانسحاب العسكري الأميركي خسرت واشنطن أي سبيل لمراقبة الفساد أو تخفيفه في القيادة العسكرية العراقية، والذي تسارعت وتيرته فور مغادرة القوات الأميركية المناصب القيادية ما شرع الأبواب أمام إيران للامساك بزمام الأمور والسيطرة كليا على الملف الأمني في العراق.

ونقلت الصحيفة عن حسن دانييفار سفير إيران في العراق من 2010 إلى 2017 ونائب قائد القوات البحرية للحرس الثوري سابقًا، تأكيده أن "إيران لديها نفوذ كبير لجمع المعلومات في العراق".

وقال دانييفار "لدينا الكثير من المعلومات عن العراق حول قضايا متعددة، خاصة حول ما كانت تفعله أميركا هناك"، لكنه امتنع عن التعليق على محتوى الوثائق المسربة، لنيويورك تايمز.

ومن بين الوثائق المسربة وثيقة تتحدث عن لقاءات سالم الجبوري الذي كان رئيسًا للبرلمان العراقي حتى العام الماضي، مع السفير الأميركي ستيوارت جونز بين عامي 2014 و 2015 عندما استقرت الحكومة العراقية الجديدة.

وكشفت الصحيفة عن علاقة الجبوري الوثيقة بإيران بالرغم أنه من الطائفة السنية، إلا أحد كبار مستشاريه السياسيين المعرف برقم "134832" في الوثائق، كان من المخابرات الإيرانية.

وورد في تلك الوثائق عن مستشار الجبوري "أنا حاضر في مكتبه يوميًا وتابع اتصالاته بعناية مع الأميركيين".

وكشفت الوثائق أيضاً جانباً من العلاقة بين إيران ورئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، الذي قالت إنه كان على استعداد للتعاون مع الاستخبارات الإيرانية رغم شكوك طهران به، كما أن قيادياً بالاستخبارات العراقية أبلغ إيران استعداده للتعامل معه.

وأشارت إلى أن إيران عولت دائماً على وزراء في الحكومات العراقية المتعاقبة وكانت لا توافق على تعيينهم إلا إذا ضمنت ولائهم.

وأشارت "نيويورك تايمز" في تقريرها إلى أن إيران حرصت على مدار السنوات الأخيرة على إرسال طلابها للمدارس الدينية الشيعية بالعراق، والاستثمار في محافظات جنوبية ذات أغلبية شيعية مثل كربلاء والنجف، وهي خطط ذات طابع اجتماعي وديني مكملة لخططها السياسية للسيطرة على كل الجوانب المتعلقة بحياة العراقيين.

إيران لا توافق على تعيين رؤساء الحكومات العراقيين إلا إذا ضمنت ولائهم
إيران لا توافق على تعيين سياسيين عراقيين إلا إذا ضمنت ولاءهم

وقالت الصحيفة إن إحدى البرقيات تكشف كيف علاقة عادل عبدالمهدي الذي كان يعمل مع إيران من منفاه عن كثب في حقبة الرئيس الراحل صدام حسين، الخاصة مع طهران خصوصاً عندما كان وزيراً للنفط في العراق في 2014.

وأوضحت أنه "لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيساً للوزراء دون مباركة إيران، حيث كان ينظر إلى عبدالمهدي الذي ترأس الحكومة في عام 2018، كمرشح توافقي مقبول لإيران والولايات المتحدة أيضا".

وتحدثت وثائق الاستخبارات الإيرانية عن تحول العراق إلى بوابة لتنفيذ المخطط الإيراني في المنطقة منذ الغزو الأميركي في عام 2003، حيث مثل تغلغل طهران في المدن العراقية بداية فتح المجال أمام تنفيذ مشروع "الهلال الشيعي" من شواطئ الخليج الفارسي إلى البحر الأبيض المتوسط.

و"الهلال الشيعي" هو مصطلح سياسي يعبر عن المشروع الإيراني الذي يطمح للتوسع في المنطقة، عبر استخدام العراق وسوريا ولبنان للوصول إلى البحر المتوسط والهيمنة إقليميا.

وأشار الصحيفة الأميركية إلى أن النفوذ الذي كافحت من أجله إيران لكسب التأييد الشعبي في الجنوب العراقي طيلة سنوات، أفشلته مظاهرات الشباب العراقي طيلة ستة أسابيع من الاحتجاج أظهرت تراجعا قويا وغير متوقع لطهران خصوصا في الجنوب الذي كانت تعتبره تحت سيطرتها.