وداعا .. نذير نبعة

أشخاصه دائماً في حالة ترقب وانتظار

توفي الاثنين ٢٢ فبراير/شباط الجاري الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة عن عمر يناهز الـ ٧٨ عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وأعربت الأوساط الفنية والإعلامية عن أسفها لرحيله الذي زاد قتامة المشهد الراهن، مؤكدة صدق تجربته الفنية وفرادتها باعتباره أحد أعلام الفنون التشكيلية في سوريا والعالم العربي.

ولد نذير نبعة في دمشق من العام ١٩٣٨، ودرس الفن في الأكاديمية العليا للفنون الجميلة في باريس. وبعد عدة معارض شخصية وجماعية له في سوريا والوطن العربي والعالم، حاز على العديد من الجوائز منها: جائزة معرض غرافن عام ١٩٦٧، جائزة بينالي الإسكندرية عام ١٩٦٨، جائزة المدرسة العليا في باريس.

المرأة في أعماله البطل الرئيسي وهي الكتلة الأساسية في اللوحة. إنها ملونة كما الحياة تماماً. تزهر أحياناً كثيرة وقد تذبل في بعض الأوقات. هي الأم والزوجة والحبيبة والصديقة والأخت. فارسة، شجاعة، تزرع الحقول فتزهر ثمراً وتبني أجيال الحاضر والمستقبل. إنها بصورة أو بأخرى الوطن بمعناه الكبير الذي لا نستطيع الخروج منه. والذي يرتبط بعنصري التاريخ والجغرافيا.

لكن في الوقت نفسه لا يمكننا الحديث عن أعماله بهذه البساطة، ففي الوقت الذي تبدو فيه رسوماته للناظر واضحة التفاصيل والفكرة والموضوع، تراها تحتاج إلى عمق فني للتمكن من فهمها وإدراك بعض تفاصيلها.

ويوضح الناقد التشكيلي سعد القاسم أستاذ الفنون في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، أن السيرة الإبداعية لنذير نبعة قد شهدت مراحل متعددة تترجم توقه الدائم للبحث والتجديد، وحيويته الإبداعية المواكبة لحيويته الثقافية، فقد تنقلت أساليبه بين الواقعية والتعبيرية والتجريد، في قفزات بدت معها وكأن لا شيء يربط بينها، سوى البراعة والإبداع المميزين لصاحبها.

كما أن مواضيعه كانت تتجدد بين مرحلة وتاليتها، فإثر عودته من القاهرة عين أستاذاً للرسم في دير الزور حيث تابع شغفه القديم بتأمل المشهد الطبيعي المحيط، والتعبير عن خصوصيته، فداعبت هواه أشجار الغَرَب التي تنتشر على ضفاف الفرات، فأبدع تصويرها في سلسلة من اللوحات التي تفوح بنكهة أسلوبه المميز، بالتزامن مع سلسلة لوحات غيرها مستوحاة من أساطير حضارات المنطقة.

ويشير القاسم إلى أن نذير نبعة كان قد التحق عام 1968 بالجهاز التدريسي في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق ليصبح واحداً من أهم أساتذة الكلية، ومن أكثرهم تأثيراً في الطلاب، وقد استمر في التدريس حتى وقت قريب جداً، وشمل ذلك أقسام الدراسات العليا، باستثناء الفترة الممتدة ما بين عامي 1971 و1974 حين سافر في بعثة للدراسة في المدرسة الوطنية العليا للفنون في باريس (البوزار)، فساهمت سنوات الدراسة تلك في تطوير خبراته التقنية ومعارفه النظرية وثقافته التشكيلية، وقد ختمها بمشروع تخرج عن النباتات نال جائزة المدرسة.

ثم كانت مرحلة «الدمشقيات» التي امتدت منذ عام 1975 وحتى 1991 فـ «التجليات»، تلتها مجموعة «المدن المحروقة» التي بدأت مع مجزرة قانا وتعرض مركز الأمم المتحدة للقصف الإسرائيلي، واستكملت مع القصف الأميركي لبغداد مدينة الفن، وآخر أعماله كانت مجموعة رسومات بالحبر الصيني عن (داعش) أطلق عليها اسم »المفاتي»، في إشارة إلى الفتاوى التي يتم بموجبها ارتكاب أبشع الجرائم.

وواصفاً تجربة نذير نبعة الفنية، يقول القاسم: "مع تعدد أطياف إبداعه بين التصوير والرسم والملصق ورسوم الأطفال والتدريس، بقي هناك خيط سري يجمع بينها جميعاً قوامه البحث الجاد العارف والخبير، وهو ما أهله للتكريم في القاهرة والكويت بمعارض احتفالية خاصة، ولنيل العديد من الجوائز وشهادات التقدير والأوسمة، وفي رأسها وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة الذي ناله عام 2005.

أما الفنان الدكتور سمير أبوزينة (الأستاذ في كلية الفنون – جامعة دمشق)، فيسلّط الضوء في حديثه معنا على منهج الراحل الفني الموسوم بالواقعية. فيذكر أن أحد الأصدقاء في سهرة جمعتهم في دمشق، وجّه سؤالاً لنذير نبعة متسائلاً من خلاله عما إذا كنا مخطئين في حبنا للفنون الواضحة، رسوم لأشخاص أو طبيعة ... والشعبية والمباشرة؟

ويتابع أبو زينة بالقول: "بدوره ابتسم الأستاذ نذير ولم نعرف أنه في تلك اللحظة سينطق بعبارة لا زالت تشكّل أحد محاور حياتنا إلى اليوم، فقد قال: عندما يلد الانسان، يحب الأشياء الواضحة، يحب الأشياء حلوة الطعم، ويستسيغها، لأن غرائزه تدله أن الحلو مفيد له. وعندما يكبر قليلاُ من الممكن أن يحب الحامض، لأنه واضح، وينتقل من طعم واضح إلى آخر كلما كبر. لكن، عندما نصل إلى عمر نأكل فيه زيتونة، ونقول "الله ما أطيب مرارها" هنا نكون قد طورنا حواسنا من الحالة الغريزية إلى الحالة الأسمى، الحالة الإنسانية التي تستطيع التعرف فيها حتى على روعة مذاق المرار".

وعن الشخوص في لوحات نذير نبعة يقول ابو زينة: "في أعماله الصمت هو السيد على الرغم من الصخب من حولها في اللوحة. فأشخاصه دائماً في حالة ترقب وانتظار. في حالة من الصمت الطويل".