وزراء وخبراء صينيون يكشفون الاستراتيجية الكبرى للدبلوماسية الصينية
هل تغيرت الصين؟ وهل هناك دبلوماسية صينية جديدة تشارك بها في الساحة الدولية في ظل التغيرات التي يشهدها العالم؟ هل تسعى الصين لإزاحة الهيمنة الأورأميركية على السياسية الدولية وتحل محلها كشرطي جديد للعالم، أم تريد تحقيق توازن دبلوماسي وتعددية قطبية تساعد في إعادة تشكيل خريطة العالم السياسية وتعلي من مبدأ الرأي والرأي الآخر؟ ماذا تنوي الصين التي أصبحت أقوى دول العالم اقتصاديا أن تفعل على الساحة الدولية؟ وهل ستتصادم الصين دبلوماسيا مع الدول الكبرى التي بدأت تستشعر المخاطر التي تشكلها الصين على وجودها؟ هل سيؤدي صدام محتمل بين الصين وأميركا إلى تأثير سلبي كبير على اقتصاد العالم؟ هل ستقوم حرب تجارية بين أقوى اقتصادين في العالم؟
هذه التساؤلات طرحها المترجم والمتخصص في الشأن الصيني د.أحمد السعيد في مستهل تقديمه لترجمة كتاب "مفاهيم جديدة للدبلوماسية الصينية" الذي حرره مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني، سعت التحليلات والتصورات القيّمة الواردة في متنه من الإجابة عليها لتقدم للقارئ فهما متكاملا للاستراتيجية الكبرى للدبلوماسية الصينية، وذلك من خلال مقالات كتبها صفوة السياسيين والخبراء الصينيين، وهم: يانغ جيه تشي عضو مجلس الدولة بجمهورية الصين الشعبية، ووانغ يي وزير الخارجية الصيني، وليو تشن مين وزير الخارجية السابق، ويو هونغ جيون نائب رئيس دائرة الاتصال الدولي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ورئيس مركز دراسات العالم المعاصر، ويه تسي تشنغ عميد معهد العلاقات الدولية بجامعة بكين، والخبيران قاو في، ولي جون ليانغ من الأكاديمية الصينية للدراسات الدبلوماسية، وعميدة معهد العلاقات الدولية في جامعة فودان الصينية.
أصول مزايا الدبلوماسية الصينية ترجع إلى الثقافة الصينية الواسعة العميقة. فالأمة الصينية شكلت - عبر خمسة آلاف عام من التطور - فكرة وضع الإنسان في المقام الأول، المتمثلة في الحب لكل الناس والأشياء
أكد السعيد الذي أعد الكتاب فضلا عن ترجمته أن العالم منشغل بهذه التساؤلات المهمة، وفي نفس الوقت فالصين نفسها منشغلة بالرد والتفسير والشرح لهذا الأسئلة؛ فصين اليوم لم تعد هي الصين التي يعرفها العالم قبل عشر سنوات؛ فصين اليوم أقوى اقتصاديا وأكثر انتشارا باستثماراتها في كل بقاع العالم، وصين اليوم تنتشر ثقافيا أيضا بقوى حثيثة، ولذا فمن واجب الصين أن تكشف عن نواياها السياسية والدبلوماسية وتوضح رؤيتها لمستقبل العالم الذي تسعى إليه. والصين كل عام تصدر ما يُعرف بالكتاب الأبيض الذي يتناول علاقتها بالعالم ويوضح خططها ونواياها، ومؤخرا صدر الكتاب الأبيض الذي يتناول علاقة الصين بالدول العربية. ولكل ما سبق تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يشرح ويفسر النوايا الدبلوماسية للصين الجديدة.
وأشار السعيد أن هذا الكتاب الذي جمعه وحرره وترجمه مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني (وهو بمثابة وزارة الإعلام الصينية) يقدم ويستعرض قراءات لخبراء وقادة حول مواقف وسلوكيات الدبلوماسية الصينية من وجهات نظر كبار المسؤولين، ويبحث - استنادًا إلى أبحاث العديد من الخبراء والباحثين - الاتجاه المستقبلي لدبلوماسية الصين ونموذج التفاعل البنّاء مع العالم، كما يضم الكتاب النظريات الدبلوماسية الصينية والممارسات الخلاقة في ظل الوضع العالمي الجديد، ويستكشف طريق الصين في انتهاج دبلوماسية الدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية.
يقدم الكتاب محتوى مكثفا من الآراء متعددة المنابع، حيث يُقسم الكتاب إلى جزأين، هما: "رؤية القيادات الرسمية للدولة"، والتي تضم مقالات مهمة لرجال السياسة الخارجية الصينية من قادة الصين، والجزء الثاني يتضمن "تحليلات الخبراء". وتضم رؤية القيادات الرسمية، العديد من المقالات التي تعكس الاهتمام الشديد والفكر العميق لكبار الدبلوماسيين في الصين؛ فمنها ستة مقالات للمسؤول البارز في مجلس الدولة الصيني يانغ جيتشي.
أما "تحليلات الخبراء" فتضم العديد من المقالات التي تعكس ملاحظات ووجهات نظر الخبراء والباحثين، منها ستة مقالات كتبها المحلل السياسي الشهير يه تسي تشنغ. ويقدم الكتاب بفصليه رؤى وتحليلات حول النظريات والممارسات العملية ووجهات النظر العقلانية والنظرات الثاقبة للسياسة الخارجية الصينية، حيث يوضح المفاهيم الجديدة للدبلوماسية الصينية من وجهات نظر مختلفة، ويعرض بصورة موازية الاستراتيجية الشاملة والتخطيط المشترك للدبلوماسية الصينية التي تضعها الصين على الساحة الدولية، والتخطيط الداخلي للجنة المركزية للحزب بقيادة الأمين العام شي جين بينغ، ويُظهر صورة الصين كدولة نامية كبيرة، تتمتع بالانفتاح، والتسامح، والثقة، والمسؤولية.
ورأى السعيد أن الكتاب يطرح المشكلات بشكل موضوعي، ويحللها بعمق، ولا يقتصر فقط على تفسير النظريات الجديدة للدبلوماسية الصينية، بل يتطرق أيضًا إلى القضايا الرئيسية للسياسة الخارجية الصينية لا سيّما في العصر الحديث، فضلًا عن تحليلها وعرضها بشكل شامل. كما يسلط الكتاب الضوء أيضًا على التزام الصين وسعيها الدؤوب تجاه السلام، والتنمية، والتعاون، والفوز المشترك، وإصرارها على التمسك بشعار "دول الجوار في المقام الأول، والدول الكبرى هي المفتاح، والدول النامية هي الأساس، وتعدد القوى الكبرى أمر إيجابي"، وعملها على إقامة علاقات ودية وتعاونية، مع الالتزام بعدم الصراع أو المواجهة، والاحترام والمنفعة المتبادلة والربح المشترك، واستكشاف سبل بناء نوع جديد من العلاقات بين الصين والولايات المتحدة.
وقال "بالإضافة إلى الالتزام بسياسة الدبلوماسية الناعمة وعدم التصادم، والمصداقية، وتحقيق المصالح المتبادلة مع دول الجوار، وطرح مبادرات جديدة، مثل: بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين، وترقية منطقة التجارة الحرة بين الصين والآسيان، والممر الاقتصادي بين بنجلاديش والصين وميانمار، والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
كما يتناول الكتاب أيضا توجه الصين إلى مبدأ ثابت لبناء مجتمع ذي مصير مشترك للتعاون الدولي والإقليمي، والالتزام بالمفهوم الصحيح للعدالة والأمن، والتعاون والتبادل واسع النطاق مع المجتمع الدولي لتعزيز مشاركة جميع الدول في فرص التنمية ونتائجها، وكيفية مواجهة التحديات القائمة، والدعوة إلى تصحيح التناقضات وحل الخلافات من خلال الحوار والتشاورات والمفاوضات السلمية ووضع الإنسان في المقام الأول، وتطويع الدبلوماسية من أجل الشعوب، وبذل الجهود للحفاظ على السلام العالمي، والسعي الحثيث من أجل الرخاء المشترك.
ضم الكتاب خطابا ألقي خلال الدورة الثانية لمنتدى السلام العالمي حول دبلوماسية ذات خصائص صينية لوزير خارجية الصين وانغ يي لفت فيه إلى إن عالم اليوم يشهد تغيرات غير مسبوقة، وتتطور العولمة الاقتصادية والمعلوماتية بسرعة متزايدة، الأمر الذي يجعل دول العالم كيانا ذا مصير مشترك تتشابك فيه المصالح، وتواجهه تحديات عالمية أكثر تعقيدا. ولذلك تُعد كيفية الحفاظ على السلام وتعزيز التنمية مهمة ملحة تواجه المجتمع الدولي.
وقال "أصبحت الصين اليوم أكبر شريك تجاري لـ 128 دولة، وأسرع أسواق التصدير نموا، ومقصدا استثماريا واعدا، والدولة المستوردة الرئيسية للطاقات والموارد، وتجاوزت نسبة المساهمة الصينية في نمو الاقتصاد الآسيوي 50٪ عام 2012، وأصبحت محركا رئيسيا لدفع نمو الاقتصاد العالمي منذ وقوع الأزمة المالية الدولية عام 2008، مما جعل الصين تضخ الأموال في صندوق النقد الدولي، ومدت يد العون إلى الدول التي تواجه الصعوبات، كما حافظت مع بقية دول الأسواق الناشئة على الأمل في الانتعاش الاقتصادي العالمي معتمدة على نموها الاقتصادي الثابت والمستقر. الصين دولة كبيرة تشهد تنمية سريعة متواصلة وبلغ عدد سكانها 1,3 مليار نسمة، فما هو الدور الذي ستلعبه في الشؤون العالمية؟ وما هي السياسة الخارجية التي تنتهجها؟ وما تأثيرها على العالم؟ وبلا شك يهتم العالم بهذه الأسئلة، التي تفكر بها الصين أيضا وتحاول الوقوف على أجوبتها.
ورأى"وانغ يي أنه منذ تسلم الجيل الجديد قيادة لجنة الحزب المركزية بقيادة الأمين العام شي جين بينغ، اتحد هذا الجيل مع الشعب لقيادة الكفاح والإبداع في سبيل تحقيق الهدفين المرسومين لمائتي سنة وحلم الصين المتمثل في نهضة الأمة الصينية، وتواصل اتخاذ الإجراءات الجديدة، وطرح المفاهيم الحديثة، وإظهار الأوضاع الجديدة.
تتصف الدبلوماسية الصينية في المرحلة الجديدة بالمزيد من الرؤية العالمية ووعي الكفاح وروح الريادة. بل يمكن أن نقول إن الصين اليوم تستكشف الطريق الدبلوماسي ذا الخصائص الصينية على أساس السياسات والمبادئ الرئيسية والتقاليد التي تشكلت خلال أكثر من ستين عاما من الأعمال الدبلوماسية للصين الجديدة.
وكشف وزير الخارجية مزايا الدبلوماسية الصينية وقال: "تقوم على أساس الظروف الوطنية الأساسية المتمثلة في انضمامها إلى الدول النامية، فقد أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث حجم الاقتصاد الكلي، غير أن نصيب الفرد من الدخل في الصين أقل من مثيله في أكثر من 80 دولة، ويزيد عدد الفقراء الصينيين على مائة مليون نسمة حسب المعيار المحدد بالأمم المتحدة.
إن هذه الظواهر تبدو متناقضة، ولا مثيل لها في التاريخ العالمي، وندرك بكل وعي أن عدم توازن التنمية ما زال ظرفا صينيا أساسيا. وتعد الصين دولة نامية كبيرة، فلم تتحول إلى دولة غنية قوية بعد، ولا بد أن نقطع طريقا طويلا قبل أن نجعل 1,3 مليار من أبناء الشعب الصيني يعيشون حياة سعيدة حقيقية".
وأضاف "يجب أن تتمحور الدبلوماسية الصينية حول التنمية الوطنية بمقتضى هذا الظرف الوطني الأساسي، وتسهم في التنمية وتدفعها، وتهيئ البيئة الخارجية الصالحة لبناء مجتمع رغيد العيش على نحو شامل أكثر نشاطا وفعالية، وتقدم الضمان القوي لحل المشاكل غير المستدامة والحفاظ على الحقوق والمصالح الصينية الشرعية المتوسعة في العالم. ويجب أن تتمسك الدبلوماسية الصينية بالتنمية كمفتاح لحل مختلف المشاكل في العالم بإلهام هذا الظرف الوطني الأساسي، وتبرز المنفعة المتبادلة والفوز المشترك، وتدفع التنمية المشتركة، وتعزز باستمرار العلاقات الاقتصادية والتنسيق السياسي مع دول العالم وتوسع المزايا المتكاملة والتعاون المتبادل المنفعة مع الدول المعنية، وتدفع بقوة عملية تحرير التجارة والاستثمار وتيسيرها.
وأكد وانغ يي أن الدبلوماسية الصينية تضرب بجذورها في الأفكار الاشتراكية التي تتمسك بها الصين. إن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية التي نتمسك بها تتأصل في الأراضي الصينية، وتتفق مع قانون التطور الصيني الذاتي، وتقود تطور الصين وتقدمه، وتكسب الدعم الثابت من الجم الغفير من أبناء الشعب الصيني، وتُعد طريقا صحيحا اختبرته التجارب مرات عديدة. إذا أردنا التمسك بالطريق والأفكار، لا بد أن نسعى وراء الإنصاف والعدالة، والرخاء المشترك، والتناغم الاجتماعي في الداخل، وندعم الإنصاف ونحافظ على المبادئ وندعو إلى العدالة في الخارج.
وأضاف "يجب أن تتخلى الدبلوماسية الصينية عن قانون الغابة، وتتمسك بالمساواة بين الدول الكبيرة والصغيرة، وتعارض نزعة الهيمنة بأي شكل، وتدفع في اتجاه زيادة مستوى الديمقراطية في العلاقات الدولية، وتعارض قمع الدول القوية الكبيرة الغنية للدول الصغيرة الضعيفة الفقيرة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى بمقتضى التمسك بالطريق والأفكار. وفيما يتعلق بالقضايا الساخنة القائمة الدولية والإقليمية، تتمسك الصين بحل المشاكل من خلال الحوار والمفاوضة، وتعارض تبجيل القوة وتغيير النظام، وتحافظ على العدالة الدولية والمبادئ الأساسية للعلاقات الدولية. كما يجب أن تدعم الدبلوماسية الصينية الدول النامية الكثيرة بثبات وقوة، وتحمي الحقوق والمصالح الكلية للدول النامية وتوسعها بأعمالها الفعلية بمقتضى التمسك بالطريق والأفكار.
وشدد وانغ يي أن أصول مزايا الدبلوماسية الصينية ترجع إلى الثقافة الصينية الواسعة العميقة. فالأمة الصينية شكلت - عبر خمسة آلاف عام من التطور - فكرة وضع الإنسان في المقام الأول، المتمثلة في الحب لكل الناس والأشياء، والتفكير السياسي المتمثل في حكم الدول بالأخلاق واتخاذ الإجراءات المناسبة وفقا للأحوال، والطموح السلمي المتمثل في الانسجام العالمي ومعارضة القوة، ومفهوم التناغم المتمثل في تعظيم التناغم الكلي مع الحفاظ على المزايا المختلفة، وطريقة المعاملة المتمثلة في التفكير لصالح الآخرين ومساعدتهم من خلال التنمية الذاتية. إن مفاهيم القيم التقليدية هذه تتصف بخصائص شرقية، وتقدم الثروات الروحية القيمة للدبلوماسية الصينية بلا انقطاع.