وزير مصري سابق يحذر من تحركات تهدف للوقيعة بين القاهرة والرياض
القاهرة - تبرز العلاقات بين مصر والسعودية كأحد آخر الأعمدة الصامدة في هيكل الاستقرار الإقليمي في وقت تتصاعد فيه التوترات على امتداد الإقليم العربي، وتزداد التحديات الأمنية والسياسية من الخليج إلى البحر المتوسط. ورغم ما تواجهه هذه العلاقة من محاولات تشويش وضغوط متفرقة، إلا أن التنسيق المتواصل بين القاهرة والرياض في ملفات مثل غزة وسوريا ولبنان والسودان يظل بمثابة صمام أمان حقيقي لحماية المنطقة من الانزلاق نحو مزيد من الفوضى.
وخلال مداخلة تلفزيونية على قناة "إكسترا نيوز" مساء السبت، حذّر وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي مما وصفه بـ"محاولات مدروسة لبث الفرقة بين مصر والسعودية"، مشيرًا إلى أن هذه المحاولات تأتي بالتزامن مع تحركات مشتركة مهمة بين البلدين، ما يسلط الضوء على توقيت تلك الحملات وسياقها.
وأكد أن التعاون بين البلدين يمثل أحد أهم ركائز الاستقرار في المنطقة العربية، موضحًا أن "أي تقدم في الملفات الإقليمية الحساسة" غالبًا ما يُقابل بمساعٍ لإضعاف الزخم الناتج عن التنسيق المصري السعودي. وشدد على أن هذه العلاقة الاستراتيجية تمثل "المحرّك الرئيسي للعمل العربي المشترك" في مواجهة الأزمات المزمنة التي تشهدها الساحة الإقليمية.
وفي سياق تحليله، توقّع الوزير الأسبق استمرار هذه الحملات، لا سيما مع اقتراب عقد اجتماع سعودي-فرنسي لدعم القضية الفلسطينية خلال الدورة القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة، معتبرًا أن هناك أطرافًا قد تسعى إلى عرقلة المبادرات التي تتبناها الرياض والقاهرة في هذا السياق.
تأتي هذه التصريحات بعد يومين فقط من اجتماع وزيري خارجية مصر والسعودية في مدينة العلمين، والذي أعاد التأكيد على متانة العلاقات بين البلدين، وعلى رفضهما القاطع لمحاولات تقويضها.
وذكر بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية أن الجانبين أبديا "الرفض الكامل لأي محاولات يائسة من منصات إلكترونية غير مسؤولة للمساس بهذه العلاقات"، في إشارة واضحة إلى تصاعد حملات إعلامية أو رقمية تسعى لتأليب الرأي العام أو التشكيك في جدوى التحالف بين البلدين.
من خلال قراءة تصريحات العرابي، يمكن الاستنتاج أن العلاقات المصرية السعودية لم تعد مسألة ثنائية فحسب، بل تحوّلت إلى ركيزة إقليمية لها تأثير مباشر على مسارات الأزمات الجارية في العالم العربي. فوسط حالة الانقسام السياسي، وغياب المبادرات الجماعية، يبدو التحالف بين القاهرة والرياض بمثابة نقطة توازن نادرة يمكن البناء عليها لاحتواء التوترات المتصاعدة.
وتصريحاته تعكس إدراكًا رسميًا بأن التعاون بين البلدين يتعرض لاستهداف متكرر، ليس بالضرورة من جهات محلية، بل من قوى إقليمية تسعى لإضعاف الروابط بين العواصم العربية الكبرى، بما يخدم أجنداتها التوسعية أو مصالحها الخاصة.
وفي مداخلته، أشار العرابي إلى أن محاولات النيل من العلاقة بين مصر والسعودية ليست جديدة، بل وصفها بأنها "مستمرة ومرصودة منذ سنوات". هذا التوصيف يحمل دلالات على أن ما يُثار إعلاميًا من حين إلى آخر ضد هذا التحالف، لا يخرج عن إطار ممنهج يسعى لتقليص تأثيره في المشهد الإقليمي.
وفي هذا السياق، تصبح العلاقة المصرية السعودية بمثابة صمام أمان فعلي لما تبقى من الاستقرار في المنطقة، التي تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود. فعلى ضوء الأزمات في غزة والسودان، وتنامي التهديدات في البحر الأحمر، وعودة التجاذبات في ليبيا وسوريا، بات وجود تنسيق قوي بين القاهرة والرياض ضرورة استراتيجية وليس ترفًا سياسيًا.
وانطلاقًا من تحذير العرابي بشأن وجود جهات تحاول تعطيل الزخم الإقليمي الناتج عن التحالف المصري السعودي، يمكن الإشارة إلى أن محاولات تفكيك هذه العلاقة لا تخدم سوى أطراف تعمل على تعزيز نفوذها في المنطقة العربية على حساب الوحدة والتنسيق العربي المشترك.
فالتحركات السياسية والديبلوماسية المشتركة بين مصر والسعودية – مثل دعم القضية الفلسطينية، أو التنسيق في الأزمات العربية المتعددة – تشكل تهديدًا مباشرًا لمصالح أطراف إقليمية لا تفضّل العمل العربي الموحد، وتسعى لإضعاف أي تكتل قادر على إعادة التوازن للمنطقة.
وفي ختام مداخلته، شدد العرابي على أن مستقبل المنطقة "لن يصمد أمام التحديات" إلا عبر التحالف المصري السعودي، وهو تصريح يُعبّر بوضوح عن قناعة راسخة بأن هذه العلاقة ليست ظرفية أو تكتيكية، بل ضرورة استراتيجية في مواجهة التحولات المتسارعة.
وفي ظل غياب أطر إقليمية فعالة قادرة على معالجة الأزمات الممتدة، تظل العلاقة بين القاهرة والرياض منصة عملية يُمكن البناء عليها لتشكيل موقف عربي أكثر تماسكًا، وتفادي مزيد من الانهيارات الجيوسياسية في محيط مشتعل.